تفعيلُ العملِ الحكوميّ والمدنيّ لأجهزةِ الثقافةِ والتعليم

 

بين نتيجة الاشتغال الشعبي ومناورة قوى السلطة، وُلِدت الحكومة المؤقتة. ومازالت تلك (البينية)، مستمرةً بمخرجات الصراع؛ تتابع محاولات الطرفين لحسم المعركة.. وفي إطار الظرف العام وضغوط كورونا، تعمل قوى السلطة على التشبث بما تحقق لها من حصص واختراق بنيوي لمفاصل الدولة. كما تتابع محاولاتها بإلقاء مزيد مما تملك من بالونات اختبار ومشاغلة تتوهم أنها يمكن أن تفضي إلى جرّ فئات بعينها إلى ما يمكن تجييره لبقائها وإعادة إنتاج نظامها…

بالمقابل فإنّ الحراك الشعبي يستثمر بوعي معاركه المطلبية لكسب خطوات تتقدم به إلى أمام مستفيداً من انتصاره بإسقاط حكومة الطائفية وفرض إقامة حكومة (انتقالية) يُفترض أن تؤدي مهامها في ضوء ما يُلزمها به الانتصار من مهام تخص (تهيئة الأوضاع)…

إنّ صحيح الجهد وما يمكنه أنْ يرتقي بأثره يكمن في عدد من الأمور التي تفرضها الأوضاع العامة بخاصة منها ظروف كورونا ومحددات العمل في ظل اشتراطاتها بخصوص الحراك الجمعي الميداني..

وأول تلك الفروض تكمن في رفض الانجرار لفكرة أن الحكومة معبرة عن الشعب ومطالبه وأنها كافية للتهيئة بجهودها المباشرة! فيما يتوهم بعضهم بصواب استسلام لخيار انتهاء دور قوى الثورة الشعبية من شبيبة الوطن.. عليه فإن انتشار خيام الاعتصامات تظل بحاجة للدعم ولتعزيز استقلاليتها ومنع انجرارها لسجالات الادعاءات المغرضة بخاصة منها توهم بعض الوزراء أنهم يقدمون استجابة مباشرة للأمور المطلبية وكأن الثورة خرجت بمطلب مالي أو عيني عارض وهامشي يفيضون بالمشاغلة في الحديث الاستعراضي عنه!

إن المطلوب هنا، أنْ يجري تثبيت إعلان وثيقة العمل الوطني لقوى التنوير بمرحلتين: الانتقالية القائمة والمستهدفة في التي من العمل البنيوي للتنوير والتغيير؛ يرافق ذلك وضع برنامج إجرائي للخطى التي تعالج القضايا الإشكالية الكبرى التي تعترض مسيرة التغيير بالمرحلتين…

ومثل هذا البرنامج ووثيقة العمل الوطني لا يمكن إلا أن ينبثقا عن تحالف عريض يجذب رجال دولة من جهة وخبراء من علماء الوطن ومتخصصيه كي يتابعوا برنامج العمل خطوة فأخرى وكلّ في ميدانه..

وهذا أيضاً يطرح حقيقة أن إصدار البيانات المتتالية للقوى الشعبية في الميدان ووسط أحزاب قوى التنوير سيبقى منقطعاً عن الحركة الفعلية التي تتقدم بالحكومة إلى أمام وتجعل قوى الثورة المضادة تستسهل إمكان تمرير تلاعباتها عبر الحكومة نفسها..

على سبيل المثال: تمرير قانون انتخابي معيوب متضخم بالثغرات والدفع بإقرار مفوضية الانتخابات التي شكلوها بالتحاصص وتوفير فرص لتجيير أي مشاركة دولية لشرعنة مخرجات انتخابية يحضرون لها! كما يريدون في ضوء انعدام الوثيقة الوطنية تجاوز قضية المحكمة الاتحادية ومجلس الاتحاد ومحاور مهمة وخطيرة أخرى..

فمن ينبغي له إخراج ما وصلت إليه الثورة من دائرة رد الفعل ليعود بها لدائرة الفعل وتأثيره؟

إنهم أبعد من الفاعلين من شبيبة الوطن تلك القيادة الوطنية الموحدة التي يلزم اليوم قبل الغد التوجه بخطوات محددة لعقد اجتماعات التحضير لها بتطوير سبق صياغتها وبرنامج عمل تكرر طرحه مع اتفاق على موعد مشترك للإعلان لأنه ليس بحاجة لكثير جهد بعد توكيد جميع أطرافه على تبنيه..

إن ذلك يخلق الأثر الفعلي العملي من جهة وينتج فاعلية واستقلالية الجهات العلمانية في اشتغالاتها ولكن، ما الذي ينبغي التركيز عليه اليوم؟ وما الصائب في برنامج الفعل؟

إن خلق أسس جدية تصنع الموازنات بين القوى وتعيد الكفة لها في مجابهة نظام الطائفية يمكن تحقيقه بوضع برنامج فعل للمجتمع المدني وعموم المعارضة الوطنية يمكنه أن يغذي بسلامة كل من وزارتي الثقافة والتعليم بصحيح الخطى وفاعلها..

فأما في المستوى غير الحكومي فإن إعادة طرح مهامنا في تشكيل (المجلس الوطني للثقافة) مع تنشيط جهود اتحاد الأدباء وكل تجمعات السينما والمسرح سيعزز حجم الوجود ودوره النوعي في منح العقل العلمي فرص البناء والتحريك بالاتجاه الأكثر صوابا ونجاعة..

إن حركة الفعل لا رد الفعل بنائية ليس بين مفردات خطابها لا فلسفة الثأر والانتقام ولا تصفية الخصوم بل فلسفة التسامح وخلق فضاء العمل من أجل التغيير الحقيقي المستهدف.. وهنا تحديداً سيمكننا تجاوز أداء قوى تحاول فرض فلسفة الترقيع والمناورة وهي فلسفة مَن يكرر الوقوع بأخطاء الإصلاحية وحراكها…

كما سنتمكن من تجاوز فلسفة لطالما أوقعتنا وحراكنا التنويري بفخاخ عثرات البقاء في مناطق رد الفعل، بمعنى: عدم وجود برنامج أو جرنا إلى منطقة أثر الآخر علينا الأمر الذي يفصلنا عن برامجنا؛ فيجمد تمسّكنا بها وإنجازها، بدفعنا إلى منطقة المشاغلة بالرد، رد الفعل!

إنني اسأل كل من وزيري الثقافة والتعليم بقسميها: ما برامجكما التي تدخل في استراتيجية حكومة انتقالية؟ وما أدواتكما في صنع فروض التهيئة المؤملة؟ وكم هو حجم التفاعل مع جمهور الشبيبة ونخبة العقل العلمي في تلك المهمة؟؟

ألا تريان أنّ للوزارتين مهام كبرى في إعادة فتح دور السينما والمسرح عبر بوابات الظرف الراهن المتأثر بكورونا وظروفها؟ ألا يمكن الاستفادة من نظائر في بلدان لنا معها جسور مفتوحة؟ ألا يمكن التحول بتعليمنا عبر منصاته الألكترونية إلى مناهج يُفترض أن نعدها بمقررات تتوزع بين العلمي في منهج التخصص والثقافي التنويري الذي يساهم بموضوع التحضير للانتخابات بسلامة؟؟

إننا نؤكد دائما ألا انتخابات سليمة من دون وعي. وندرك كم جرى استغلال ظواهر التخلف والتجهيل وإشاعة عبث الخرافة ولا منطقها في تدوير النفايات، فعلى أقل تقدير منح فرصة لمقرر حقوقي يركز راهنيا على فكرة الانتخابات وسلامتها، على سبيل المثال…

أليس مطلوبا إنجاز مؤتمرات انبثاق المجلس الوطني للثقافة؟ هل سنبقى بمنطقة التذرع واختلاق الحجج أم نتقدم بقوة ووضوح نحو الغاية السامية؟ ألا ينبغي أن ينبثق مجلس (اتحاد) للجامعات العراقية؟ وللكليات والأقسام؟ وأن يُعلن المجلس الأعلى للتعليم والثقافة، بوصفه منصة لاستراتيجية بديلة عن زمن المرض واصطناع التجهيل ومحاولات الاستغفال؟؟؟

هذه ليست مجرد أسئلة بل نداء وطني بمستوييه الحكومي والشعبي، يمكننا أن نحمله معا تنفيذيا وبرامجه متاحة وسبق عرض بعضها على النخبة وعلى اللجان والمسؤولين المعنيين…

لدي ثقة بفاعلية قوانا الثقافية في تجاوز بعض عقبات وقفت بوجه وحدتهم وإعلان مجالسهم التخصصية وثقة أخرى بإمكان تحرك المسؤولين رسميا حكوميا نحو تبني حراك ثقافي تعليمي جديد يتلاءم والمرحلة الانتقالية ومهامها كما يمكنه الارتقاء إلى حيث دور العقل العلمي متحررا من فروض ساسة الأزمة ومن اصطنعها ووضعها بمنطقة أوردتنا المهالك..

أقدر حجم هذا الجهد ومصاعبه لكنني أدري بأن المخلصين على رأس مسارات العمل مازالوا يمتلكون قدرات الفعل والمبادرة ومحاولات الانضمام لحركة الواقع ومتغيراته إفلاتا من محاولات ساسة المناورات من قوى الدولة العميقة والثورة المضادة..

ليس كوزراء التعليم والثقافة من يملك فرص التهيئة والإعداد أكثر حرية من قيود الساسة ما يعني ضرورة طرح مبادرة داخل الحكومة من جهة بهذا الخصوص وداخل حركة الثقافة من جهة أخرى..

فلنتجه لإحياء منجزنا الذي حاولت قوى نعرفها عن كثب وضع ذياك المنجز طي ملفات النسيان ونحن الأقدر فعليا على الرد بفعل لا رد فعل…

أحيي جميع أطراف هذه المهمة وأدرك أن الشروع بلقاءات حيوية بناءة تتجاوز لعبة المشاغلة تتجسد في برمج ثقافية وتعليمية نوعية جديدة تتصصل بالربط بين الميداني الحياتي والجامعة ومراكز البحوث والإمجاز المعرفي الثقافي…

فلنبدأ بإحصاءات تخلق العقلنة من أجل الأنسنة ومعا نستطيع وبفرقتنا ننشغل ونضيع فرصة البناء .. فإلى العمل الوطني الديموقراطي نستكمل مهمة التثقيف والتعريف بالخطى ناضجة مكينة مكتملة..

لا تعليقات

اترك رد