ثورة المرفأ وحروب اللقاحات المتأرجحة

 

لم تكن حربًا بالصواريخ، ولا بالطائرات المُسيرة، لكنها ثورة عارمة في معامل الأبحاث، معارك شعواء بين أمهات العلوم، ديناميت قابل للاشتعال في مرافئ لم تؤمن بالوطن وشعبه أو بالله ورسوله، هي في كل الأحوال نار موقدة، على رصيف في ميناء، أو في أدغال مراكز بحوث تُقدم أكاذيب السياسة على مصداقيات النتائج المحدقة، وألاعيب الساسة على ضمائر العلماء.
مرفأ بيروت يفجر نفسه في وجه أمته الغاضبة، ومعامل التجارب تضع فئرانها على
أهبة الاستعداد لتصبح وقودًا لحرب على لقاح، أو لمعركة على نظير متاح، أو لصراع على أقراص لم يتم اعتمادها من “الفوضى العالمية”.
ما أن انفجرت بيروت، وما أن انهمرت صنابير الاحتجاجات في وجه الحكومة اللبنانية المستقيلة حتى خرج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للعالم أجمع بلقاح “شبه” فعال لكورونا، وبصيغة لم تقبل بها منظمة الأثيوبي تيدروس أدهانوم.
لم تهدأ ثورة المرفأ، ولم تستسلم أكسفورد أو معامل الصينين المأهولة بالبحوث المشكوك في مصداقيتها لبيان بوتين الناري، “أكسفورد” مستمرة في تجارب المرحلة الثالثة على اللقاح المدجج بالمحاولات السريرية الناجحة، والصين متواصلة مع أصدقائها في الخارج لتجعل منهم “مصابين تجارب” لإثبات نجاعة كشفها “المختلف” عليه، ورجاحة علمها المطعون في نزاهته.
ثورة المرفأ مازالت تجتاح أزقة وشوارع بيروت المكلومة، والبحث عن جناة وسط الأنقاض يبدو أنه أصبح مفيدًا ضد مجهول، ومحاكمة الأبرياء الذين تناثروا أشلاءً في كل أرجاء عاصمة النور العربية باتت مسلسلًا مكشوفًا حتى أمام أصحاب العرائض المشبوهة التي تنادي بعودة الانتداب الفرنسي إلى لبنان بعد فشل الدولة الوطنية في إدارة شئون البلاد بكل تركيز وتفان وحرفية.
“منظمة الصحة” ترددت خوفًا أو جهلًا في قبول اللقاح الروسي ولو حتى على “مضض”، والمدير العام المتهم بتغيير ملابسه ما بين كل ظهيرة وحلول لياليها، لم يخرج للناس عبر مؤتمراته الصحفية “المحبطة” ليقول لهم أي شيء عن منقذ البشرية الجديد.
السياسة عندما دخلت على الخط مع مصائر الأمم والشعوب لم تحرص على سلامتهم، لكنها قدمتهم قرابينًا لمصالحها وعزة نفسها وضرورة بقائها على منصة الامبراطورية، الشعوب بعد أن أصيبت في صحتها من جراء كورونا، وغيره من الفيروسات الفتاكة بالبشر ظلت في ثكناتها على أرائكها المستكينة تنتظر الفرج القريب.
أما النخب التي وصفها مفكري عصرهم ومبدعي أوانهم، وعلماء أوطانهم، بأن الساكت على الحق، كأنه شيطانًا أخرس، هم الذين نحملهم مسئولية النقل الآلي لمختلف الموبيقات عندما تهل علينا مع قمر “مُفيرس” بين النجوم، أو عبر لفيف مفخخ من بحوث ترمي بغير رامٍ، أو كونها ضلت طريق البحث العلمي المحايد إلى سراديب السياسة المنحازة، ذهبت من دون وعي إلى المتاجرة بأحلام البسطاء والرهان على الأحصنة الخاسرة حتى لو كانت الشائعات تميل إلى نصرة الضعيف على حساب سطوة القوي.
ثورة المرفأ وحرب اللقاحات، كارثتان في زمنٍ واحد، وزلزالان مدويان تحت سماء مشتركة، وبركانان متفجران في كل شيء من حولنا، بالنتيجة لا تفجير المرفأ قد وفر الأمان للمتهم غير البريء وغير السوي، ولا إعلان بوتين عن لقاح روسي فتاك قد جاء بالخبر اليقين لـ”كليلة ودمنة” أو لـ”جهينة” قد يعلنوها صراحة: إن الكون قد يصبح خاليًا من الوباء، وأن البشرية المقاتلة قد انتصرت على الفيروسات المخاتلة.
حتى تلك اللحظة التي يحاول بشر منا إعلان انتصارهم على جائحة، يأتي من يحاول إفساد ما تحقق بتشكيك مزعوم، وتفنيد مسموم، وتضليل مذموم لجهود علماء عرضوا حياتهم لخطر عظيم من أجل أن يصلوا إلى لقاح عظيم.
ثورة المرفأ لن تهدأ مهما حاول سياسيو لبنان رأب الصدع المُهان، ومهما تهرب المؤثرون فيهم من الكشف عن مزيد من العورات، وتمزيق المزيد من الأقنعة.
وزير الخارجية المستقيل ناصيف حتي ورئيس وزرائه حسان دياب، ومن قبلهم أو بعدهم رجل “الساعة” جبران باسيل متهمون مع أمين صندوق الوزارة ومحافظ مصرفها المركزي رياض بك سلامة بأنهم رموزًا لا تخطئها العين لدولة فاشلة، لأمة تطلق النار عمدًا على نفسها، لا لكي تموت، وليس لأنها مؤمنة بأن الشعب سوف يبقيها إلى سُدة الحكم من جديد، إنما لأن الفئران على اختلاف أحجامهم يتسابقون إلى القفز من القارب المعطوب قبل الغرق، ولأن قدرة هؤلاء على السباحة إلى شط آخر أكثر قدرة على إخفاء الفضيحة أو إعدام أدلة الجريمة تعاني من الوهن، وأن صلاحية هؤلاء لإعادة استخدامهم في مشاهد أخرى ومعارك أخرى وكوارث أخرى صارت بطبيعة الحال “كعشم إبليس في الجنة”. ثورة بيروت اسامة معران

لا تعليقات

اترك رد