الوعي بسؤال الجسد الجسد بين الواقع والمتخيل

 

محمد خصيف

“لقد ظل مفهوم الجسد في ثقافتنا العربية الحديثة والمعاصرة حبيس النص الفقهي، التشريعي منه والسجالي. ولم يجد مرتعا لبعض من حرية التفكير والتصور إلا في النص التخييلي شعرا كان أو حكيا أو مسرحا”. (فريد الزاهي)

حينما يقف المشاهد أمام لوحات الفنانة سميرة آيت لمعلم أول ما يثير انتباهه التناغمات ذات الرماديات الملونة المحبوكة بمهارة عالية، والتي تشهد على حرفية ومهنية متميزتين. فاللون بتدرجاته يبدو وكأنه نابع من مِلونة واحدة، أساسها الأبيض والأسود، تغير نغماتها إضافات لونية طفيفة، فيصبح اللون السائد هو لون يختلف عن الأساسيات الكروماتية الأولى. فالتدرجات اللونية الرمادية هي أول ما تستقبله العين، قبل أن تتوضح بعض جوانب اللآمرئي الذي تحجبه اللوحة، والذي تحجب عنفوانه الرماديات الملونة. اللامرئي هذا هو ما يشكل موضوع الاشتغال لدى الفنانة آيت لمعلم، وهو موضوع إنساني، حيثياته ومآلاته من صنع الإنسان. موضوع يميل نحو القسوة والعنف والكراهية واللامبالاة…لكن الفنانة أزاحت بملونتها كل هذه الأوصاف وقدمت للمشاهد تكوينات تعزف جماليتها على نغمات لونية متعددة التدرجات وعلى إيقاعات شكلية انسيابية، تأخذك تموجهاته نحو عوالم حُلمية.
الإنسان/الشخصية Personnage، ذكر أم أنثى، كما صرحت بذلك الفنانة نفسها، ليس إلا ذريعة Prétexte لإرساء أساسيات مقاربة تشكيلية خاصة. الجسد هنا، حسب ما يفهم من تصريحات المبدعة نفسها، ليس موضوع تفكير وإنما هو أداة لإنعاش التفكير وتأجيجه. الفنانة آيت لمعلم لا تشتغل على الجسد من أجل الجسد وكفى، ولكن ما وراء صور الأجساد من خلفيات هو الأهم. “الجسد في نظرنا في علاقة وثيقة مع مفهوم الذات Sujet ومفهوم الذاتية بوصفها مفهوما لا منزعا والهوية والاختلاف، بيد أن الأمر لا يقف عند هذا الحد. ذلك أن الجسد إذا كان قد وجد موطنه النظري في العلوم (…)، فإن مرتعه الفعلي والدائم منذ القديم ظل هو مجالات المتخيل. باعتبار هذا الأخير متخيلا جماعيا أو فرديا. يمكن تعالق كهذا من القول بأن الصورة بجميع أنواعها المرئية والذهنية (البلاغية) قد شكلت باستمرار قناة تمر منها دلالات الجسد وشكلا من أشكال وجوده وتجدده”. (فريد الزاهي)
لكن رغم ذلك يبقى الجسد ذاتا وموضوعا في نفس الآن. هناك رسائل مضمرة تحيط بكنهها الفنانة، وتحاول تمريرها عبر قنوات تشكيلية/جمالية. وحينما تعرضها على المتلقي، أو بالأحرى تتقاسمها معه، لا بد أن تثير إحساسه وتدغدغ مشاعره، لأنه سيجد نفسه أمام أجساد تسائله شظاياها. فليس مسموح له أن يقف غير مبالي ولا مكترث بالصورة التي أمامه، وهي تلح عليه في التساؤل، تسل منه خيوط فضوله. ملامح أجساد تم رسمها انطلاقا من رؤية جمالية، يدعمها وعي فكري وثقافي، فريد من نوعه، قلما نجد مثيلا له في غير هذا الموقف. لا ننسى أن الفنانة سميرة آيت لمعلم أستاذة مائزة للفنون التطبيقية، مشروعها التربوي البيداغوجي ينبني حسب خطط دقيقة لا تترك مجالا للارتجال.
تراقب الفنانة سميرة آيت لمعلم المظاهر المجتمعية من حولها، القاصية والدانية منها، تترقب التقلبات اليومية، وتسجل ذاكرتها بواطش اليد. بفعل حركة الخط واللون تحاول الفنانة القبض على الوحش الذي يفترس الإنسان حسب تعبير بودلير (un monstre qui dévore la vie de l’homme). ومن يفترس الإنسان غير الإنسان نفسه! لكن صورة الافتراس العاتية، غلفت بجمالية اللون، والشكل المتموج والتركيب ذات المنحنيات، المترامية الأبعاد، المخترقة لفضاء اللوحة المحدود. فكل لوحة تعد حلقة من سلسلة لا متناهية. كل لوحة هي قطعة من أحجية وجودية Puzzle existentiel تحبك الفنانة خيوط مؤامرتها بذكاء وفطنة وقوة بصيرة. فعمل Oeuvre (بالمذكر) سميرة آيت لمعلم، ليس موجها للإبصار فقط ، وإنما يستدعي قوة بصيرة، حتى يتحقق فعل الاستكناه وتُستجلى خفايا رمزية الجسد.
إنه وعي بسؤال جسد متشظي، لا أقول أجساد، وإنما هو جسد واحد ووحيد، هو بلا شك جسد الإنسان المطلق homme بحرف H كبير. تقول الفنانة: أنا “أشتغل على الكائن البشري في بعده اللامادي”. هي لا تعطينا تصويرا فنيا للجسد، كي تظهر أو تخفي بعض ملامحه التشريحية، بل تقدم صورا تسعى لتكسير جدار الحصانة التي لف بها الإنسان ذاته، فأصبح لا يكترث لما يهدد وجوده وكيانه. قتلته أنانيته وأمسى ملكا لها، بل عبدا خانعا لنزواته مغيبا لكل بعد أخلاقي.


وعي ناضج بأسئلة شائكة…فمن يطرح السؤال؟ ومن يسأل من؟
أسئلة وجودية قد نجد أجوبة لها في كل زمن وحين، في كل مكان وفضاء…قد نجده سؤالا استعاريا، كما قال أحد الكتاب واصفا لوحات الفنانة سميرة آيت لمعلم. لوحات لا تعرض خطابا صريحا كما ألفت ذلك الأعين، بل ترمز إلى شيء معين. “هذا ليس خطابًا على الجسد، ولكنه تجربة لتنمية الوعي من الجسد الذي يتجلى في تجربة حية”.
يقال إن الرمز هو الشكل الذي نعبر من خلاله عن فكرة أو موضوع بتوظيف أسلوب الاستعارة أو تقنيات التجسيد أو الصورة أو التعبير بشكل ملموس. الفنانة سميرة لديها أسلوب استعاري، لكنها تغلفه ببعض جوانب التجسيد، التي تظهر أنها تتحكم فيها تقنيا وأنها تتجاوز جانبها الأكاديمي، حتى لا تسقط في فخاخ التمثيل la représentation. لوحاتها لا تمثل شيئا بل إنها تقدم أشياء. لقد تجاوزت الفنانة بوعيها وثقافتها ومهارتها التمثيل إلى التقديم la présentation. وهذا من خصوصيات الفن المعاصر. الفنانة سميرة آيت لمعلم فنانة معاصرة Artiste contemporaine بكل المقاييس. معاصرة شكلا ومضمونا…
سميرة آيت لمعلم لا تنسخ الأحداث ولا تعيد إنتاج ما يقع عليه بصرها، ولكنها تقدم للمتلقي ما يستوعبه فكرها، وتتطلب من ذلك المتلقي أن يستعمل الفكر بدل الاقتصار على تمرير البصر تمريرا سطحيا. تقدم الفنانة موضوعها بجمالية خاصة تستفز فضول المشاهد وتسعى دائما لخلق حوار بينها وبين الآخر. فهي تنفر من اللامبالاة l’indifférence وعدم الاكتراث. “لوحاتي هي نوع من الالتزام الفني. إنها لوحة مدروسة. أداة مقدسة لإرسال رسالة أو تغيير واقع أولامبالاة مريرة…” اللامبالاة التي تتحدث عنها ذات أبعاد قاصية. اللامبالاة كذات عاكسة لذاتها وفي نفس عاكسة لذات الآخر، واللامبالاة كموضوع يشكل رحى العملية الإبداعية عند الفنانة آيت لمعلم.
فعلا أن الفنانة تخطط للوحاتها قبل أن تقدم على القيام بأي فعل تقني. التخطيط البيداغوجي فَعَل فعله هنا وهناك. فتحريك الريشة أو تحديد إطار لطخة معينة أو تخليط ألوان أو مسح أوشطب هي أفعال Actes يتم التفكير فيها وفي آثارها قبل الإقدام على المغامرة بها. أصبحت أفعال شبه مقدسة. والقدسية تنبذ الاعتباط والعشوائية والارتجال. هي هكذا الفنانة سميرة آيت لمعلم، حتى في حياتها التربوية والبيداغوجية. اللوحة هنا ذات وموضوع. فهي “أداة مقدسة لتبليغ رسالة أو تغيير واقع مرير، أساسه اللامبالاة”.
“الحياة اليومية ملهمتي الرئيسية”. بهذه العبارة تلخص سميرة آيت لمعلم تجربتها الفنية. وصدق الباحث فريد الزاهي حين قال: “الانفصام بين الذات الكاتبة وموضوعها مريب بعض الشيء”.
يوميا ألاحظ تفاعل الفنانة سميرة آيت المعلم المستمر، على شبكات التواصل الاجتماعي. تنجذب إلى تأثيرات مشاهد الحياة اليومية، تسجل ما قد يكون حافزا لربط علائق بإنسان العصر ذي السلوك المعقد والمتناقض. ف”الجسد منفتح باستمرار على ما يتجاوزه” (الزاهي)، جسد الذات المبدعة وفي نفس الآن الجسد الموضوع.

لا تعليقات

اترك رد