شرفات حقان يشار الفنية… تطل على مشهد يمتحن الحلم

 

ما بين عام ( 1976 ) حيث ولد ، كان ذلك في مدينة قونية بتركية و بين عام ( 1990 ) حيث إنتقل مع أفراد عائلته إلى النرويج ، و بين عام ( 2020 ) حيث إستطاع حقان يشار أن يخلق لنفسه حيّزاً جميلاً من المشهد التشكيلي النرويجي رحلة منها تطل شرفاته الفنية على مشهد يمتحن الحلم و خروجياته المؤلمة


، ملتحفاً بملامح شديدة الوضوح ، فيها من الصمت المنحدر من محنة الحدوث ما يمكن أن يغطي كل الزوايا بتدفقات لونية مشبعة بالحس المشتعل في تصعيده و كأنها تلتهب حتى خارج حدود اللوحة ، مذهلة ببوحها ، تذروها شظايا اللون و كأنها تعرض مفاتنها حتى يحتدم التصوير ، فينحاز يشار لشحن عمله بطاقة تلح عليه منذ الخطوة الأولى بألا يكون حيادياً في رسم رؤيته بمؤشراتها التعبيرية و الواقعية ،

و بأن يدرك أهمية البعد عن المألوف كي لا يفقد الكثير من خصائص التأمل و أنماطه ، و حينها فقط قد يتجاوز الإدراك الحسي إلى إدراك جمالي لا كوسيلة للإستمتاع فحسب بل كوسيلة لرفع مستوى التخيّيل عن مستوى الواقع ، حتى إن حضر الإستمتاع كان الأمر مندفعاً للإعلان عن التحرر من التوترات و القلق و من الكثير من مصادر الإثارة التي يمكن أن تكون في الواقع سبباً للضيق و التعب بإعتبارها نشاطاً خاصاً متسماً بالكثير من الحقائق الجديدة و بما تثيره من حالات معرفية تزيد من إحتمالية الإستجابة الجمالية على مدى توافر الإهتمام بالمتغيرات الموقفية مهما كانت مستويات الإستثارة و عملياتها مرتفعة / منخفضة ، غامضة /واضحة ، صاخبة / ساكنة ، صاعدة / هابطة ، مألوفة / غير مألوفة .. إلخ

و الخلاصة هنا أن إتفاقا كبيراً بين الكثير من تصوراته الجمالية بحركاتها المرتبطة باللاشعور تحقق الأثر المنشود و تترد أصداؤها و بأشكال مختلفة على إمتداد توجهاته البنائية أو التركيبية التي يقدمها في أعماله دون أن يسبب أي إرتباك للإحساس و ما يستجيب له مؤكداً أن المستوى الذي يقصده سيوصله إلى إنتاج لا يشتبك و لا يصطدم بمتلقيه مهما كان أمره .
حقان يشار يمسك بجدائل ألوانه الجموحة ، الساهمة بين لمسات ريشته و مناخاتها ، يعقد قراناً بينها و بين فراغاته البيضاء الممتدة في ملحمته المشبعة بالأسى و الحزم الضوئية ، و يشهد عليه مدى مساراته و تطورها ، يطلق العنان لحركاته في مداها الأبعد ، يسبق لحظات الهطول على حقله الإنفعالي لضرورات إبداعية ترسم إستراتيجيته الجديدة و هو يقطع الزحام بكل ثقة ، و من حين إلى آخر ينقذ حياة تنويعاته / أعماله ، يجعلها تشعر بالطمأنينة و كأنها تنتظر من يحل عليها ضيفاً ، يتأمل المحاور في دروبها الواسعة ، يلتقي بالروح ، ينفخها في الجهات لينقذ ما تبقى من عبقها ، و في مقابل ذلك فهو من النمط الباحث عن طبيعة الأشياء لا عن الأشياء ذاتها ، فيشعر بنفسه و الهدوء و السكينة من الأمور المهمة لديه ،

لا يضع نفسه في مواجهة الآخرين ، بل يستمتع بالمسارات الإرتقائية و لهذا جاءت مشاهده البصرية أكثر تماسكاً و تلاحماً في ترابطها المنطقي و في تركيباتها و في وجود عناصر الطبيعة فيها ، فغالباً ما تكون على هيئة تفضيلات مقاربة بذاتها مع قدرة أقل في السماح للتدخل الإنساني و رؤيته ، هذا التدخل الذي قد يفسد المشاهد الطبيعية برمتها ، و بشكل عام فهو يقود تجربته ضمن النشاطات التعاونية لا التنافسية ،

ضمن البحث المستمر عن دراسات خاصة للتفضيلات الجمالية ، و عن الأذواق التي لها مطالبها الفردية على أساس من التفاعل المشترك ، فإن عملية التلقي هنا و ما تسفره من ولادة مقولات فنية تجمع في ثناياها ما تشكل مجالاً حيوياً لإنتاج جماليات بصرية و ما يحيط بها من أطياف لونية تشكل بؤر معالمه الفنية و بؤر مداركه البصرية ، فيشار يؤكد أن عمله الفني إذا لم يحمل قيمته الحضارية في ذاته فلِمَ كل هذا الجهد و كل هذا التهافت ،

و إذا لم يكن نوعاً من المسؤولية الحضارية حسب تعبير مالفا يحمل أصالته و جديته في ذاته كيف سيكون له أهميته المتفردة بشكله و مضمونه و خصوصيته ، فهذا الشكل البصري قادر أن يجمع المسافات مهما كان الجدل قائماً ، و مهما كانت النغمة زاخرة بالإنجازات ، و هو قادر أن يعتمد على البدايات مهما كان تركيبه معقداً ، و مهما كانت الإيقاعات المصحوبة معه متنوعاً ، فالحس الإنساني فيه له أهميته في إرتقاء تفكيره و وعيه ، و بالتالي له أهميته في تنشيط الإبداع في شكله الإيجابي و الذي ينعكس بالضرورة في تنشيط الدورة الدموية للعمل ذاته .

لعل أعمال حقان يشار يذكرنا بأعمال كلاسيكيي النهضة الأوروبية من حيث ألوانها و موضوعاتها و من حيث التمثيل الجمالي الذي يرتقى إلى أنقى تخاطباته ، و إلى أصفى عمليات التنظيم الذي يساهم في تزويد المتلقي بمنظومة خاصة من الإنطباعات التي يمكن أن تصبح بدورها المادة الخام لإنتاج جمال قد يتكرر لكن لا ينتهي ،

أقول أعماله فيها من التوازن ذاته الذي جعل أعمال النهضة تقطع كل هذه الأزمنة و تصل إلينا ، أقصد أن أعماله تحمل كل أسباب الديمومة ، و بالتالي هي تجربة فيها ممارسات عميقة مع المسافات بتراكماتها التي تجرك إلى التعاطف معها رغماً عنك ، هي تجربة فيها من كثافة التركيز ما يجعلها تنسف الكثير من الوقائع التي نسفها الأقدمون أيضاً ،


و التي ستشكل عبئاً على العمل إذا تركت على سجيتها ، و هنا يمكن أن نقول بأن مواجهة الفنان لسطوحه بحساسيته ، و معالجتها بالتركيز و التكثيف و التوازن هي التي حولت مسرى إنتاجه و بإستراتيجيته الجديدة في الإختزال و الإقتصاد نحو عالم شديد الحساسية فيه يفتح أبوابه إلى اللانهاية .

لا تعليقات

اترك رد