يا سليمان لقد تفوقت عليك

 

عندما فرغ الإمبراطور جستنيان الأول من بناء كاتدرائية “أيا صوفيا” في مدينة القسطنطينية على أنقاض كنيسة سابقة تعرضت للهدم والترميم أكثر من مرة ، ومن شدة إعجابه بجمال البناء والتشييد وقف على بابها وصاح بأعلى صوته قائلاً: ” يا سليمان لقد تفوقت عليك” في إشارة واضحة إلى النبي سليمان الذي قيل أنه يستعين بالأنس والجن في تشييد الأبنية . لقد استغرق بناء الكاتدرائية خمسة أعوام ليثبت للقاصي والداني أنه تفوق على أسلافه في فنون البناء والزخارف والجمال .

شُيدت الكاتدرائية على شكل قبة مركزية كبيرة وقبب أخرى على شكل نصف دوائر تحيط بصحن الكاتدرائية . وتعد هذه القبة من أبرز معالم البناء، إذ أراد المعماريون أن تكون أوسع وأكثر ارتفاعاً وإبهاراً من أي قبة بُنيت من قبل. إلا أن القبة الأصلية انهارت نتيجة لزلزال عام 558 ميلادياً قبل أن يُعاد بناؤها وتُدعم بأربعين عموداً.

استخدم الإمبراطور جميع الإمكانيات المتاحة لزخرفة المبنى وتزيينه، واستعمل الرخام بمختلف ألوانه بعدما جُلب من مناطق بعيدة ، كما زُينت الجدران الداخلية بفسيفساء من الذهب والفضة والزجاج والقرميد وأجزاء من الحجارة الملونة.

ظلت آيا صوفيا أضخم كاتدرائية في العالم حتى بناء كاتدرائية أشبيلية عام 1520م، ووُصفت بجوهرة العمارة البيزنطية وهي إحدى أبرز المعالم التاريخية في العالم أجمع .

واستمرت آيا صوفيا مركزاً للأرثوذكسية الشرقية لأكثر من 900 عام، تخللها فترة ما بين عامي (1204 -1261) حولها الصليبيون أثناء حملتهم الرابعة إلى كاتدرائية للروم الكاثوليك، قبل أن تعود مجددا للإمبراطورية البيزنطية.

وبعد حصار الاحتلال العثماني الطويل لمدينة القسطنطينية وسقوطها في أيديهم عام 1453 م والذي يعد عاما مفصليا تاريخ البشرية تم الاستحواذ على الكاتدرائية وحُولت إلى مسجد، ثم أدى به السلطان محمد الثاني (المعروف إسلاميا باسم محمد الفاتح) أول صلاة جمعة بعد دخوله المدينة، وكان ذلك في الأول من حزيران من العام نفس العام وأصدر أوامر بتغطية كافة الرسوم والنقوش المسيحية المرسومة على جدرانها وأعمدتها وقببها كما أضيفت سمات معمارية إسلامية للمبنى مثل المنبر والمحراب ومآذنه الأربع.

وتحولت آيا صوفيا إلى “الجامع الكبير” والمسجد الرئيسي في القسطنطينية، حتى بناء مسجد السلطان أحمد المعروف باسم “المسجد الأزرق” عام 1616 م بعد استلهام سمات معمارية من الكاتدرائية وألحقت السلطات الدينية الإسلامية مدارس لتعليم القرآن بالجامع الكبير .

بقي جامع “آيا صوفيا” مركزا إسلاميا يحظى برمزية كبيرة و مُرتبطا بالأذهان بسقوط القسطنطينية وانتهاء عصر وبداية عصر جديد إلى أن منع مصطفى كمال أتاتورك – مؤسس تركيا الحديثة ورئيس الجمهورية التركية – إقامة الشعائر الدينية في المسجد عام 1931 كما أصدر مرسوما جمهوريا عام 1934 يحول ” آيا صوفيا ” إلى متحف فني بهدف “إهدائه إلى الإنسانية”.

وفي ثمانينات القرن العشرين تم إدراج متحف “آيا صوفيا” على لائحة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة “اليونسكو”. وأصبح أحد أهم الوجهات السياحية في إسطنبول الحديثة ، ويستقبل سنويا ملايين الزوار من شتى بقاع الأرض.

وفي خطوة أثارت انتقادات دينية وسياسية دولية، ألغت المحكمة الإدارية العليا في تركيا- والتي يسيطر عليها الحزب الحاكم – يوم الجمعة 12 تموز2020 المرسوم الجمهوري الصادر عام 1934م القاضي بتحويل “آيا صوفيا” من مسجد إلى متحف، استنادا إلى ما وصف بوثائق تاريخية تؤكد شراء السلطان محمد الفاتح مبنى كاتدرائية “أيا صوفيا” من القساوسة البيزنطيين قبل تحويله إلى مسجد.

وعلى الفور، وقع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الذي ينتمي إلى حزب العدالة والتنمية ، مرسوم بتحويل متحف ” آيا صوفيا ” إلى مسجد، مُعلنا فتحه أمام المصلين المسلمين لأداء الصلاة في 24 تموز 2020 م ، مضيفاً أن بلاده مارست حقها السيادي في تحويله إلى مسجد وأنها تعتبر أي انتقاد لهذه الخطوة تجاوزاً على سيادتها.

لقد سقطت القسطنطينية في عام 1453م في عهد الإمبراطور قسطنطين الأخير والذي في عهده لم تصمد قلعة البيزنطينيين الأخيرة أما حصار السلطان العثماني محمد الفاتح وقد رويت الحكايات عن سقوطها المدوي وعن تهاون الجند في الدفاع عنها وانشغالهم في الحوارات العبثية البيزنطية في كاتدرائية ” آيا صوفيا ” فقد كان بالنسبة لرجال الدين في ” آيا صوفيا ” البحث في عدد الملائكة الذين يمكنهم أن يقفوا مجتمعين على رأس دبوس أو ما جنس الملائكة وهل هي عذراء أم غير عذراء في حين كان محمد الفاتح يجهز المدافع المنجنيق لهدم أسوار المدينة

التاريخية التي صمدت قرابة 300 سنة في وجه أعتى الغزاة . كانت مساعدة المدينة على الصمود توحيد الكنيسة الشرقية مع الكنيسة الغربية وأن يقام قداس الوحدة في بهو كاتدرائية ” أيا صوفيا ” وكان سكان مدينة القسطنطينية يهمسون سرا ” رؤية عمامة السلطان أفضل من رؤية قبعة الكاردينال أو تاج الباب المثلث ” الجوع كافر وأقوى من أي ولاء سياسي أوديني أو اقتصادي .

وما هي إلا أيام وكانت مدافع السلطان محمد الفاتح تدك أسوار المدينة الحصينة بينما الشوارع تغص بالمسيرات التي تحمل الصلبان والإيقونات وتصرخ وهي متجهة إلى كاتدرائية “آيا صوفيا ” بأعلى حناجرها “كيريا لايسون” أي “يا رب ارحم ” . لم تنفع الأدعية ولا أجراس كاتدرائية “أيا صوفيا ” زلا الشموع ولا الفسيفساء الذهبية ولا الحوارات البيزنطية في صد العدوان العثماني عن العاصمة التاريخية . ومن ذلك اليوم اختفى قسطنطين الصغير ولم يره أحد أبدا .

كاتدرائية ” آيا صوفيا ” اليوم محط نقاش بيزنطي يشبه إلى حد بعيد ما جرى في عام 1453م والظروف متشابهة فقد تخلى الغرب عن الكاتدرائية لمصيرها المحتوم عند رسم حدود الشرق الأوسط واليونان التي تبكي ” أيا صوفيا” تخلت عنها في يوم من الأيام بسبب مرض حاكمها الذي أنقذ تركيا من الزوال.

وسط هذا الجدل البيزنطي ، تقوم تركيا بما تريد داخلها وخارجها في سورية والعراق وليبيا لأن شرطي العالم لا يمكن أن يكون طبيب العالم ومن يخترع المشكلة لا يستطيع حلها .

أليس كذلك ؟

لا تعليقات

اترك رد