اتفاق أوربي تاريخي يحسم مستقبل المشروع الأوربي

 

استطاعت القاطرة الألمانية بقيادة ميركل إخراج أوربا من كبوتها الاقتصادية بعدما أنزلتا إيطاليا وإسبانيا علم الاتحاد الأوربي بعد أن تركتا وحيدتين معلولتين خلال أزمة كورونا، لكن أوربا ليست لديها جماعات ومنظمات ولاءاتها للخارج، فقط لديها اليميني المتطرف في آرائه والقومي، ليس كما في الوطن العربي هناك ولاءات خارجية لإيران أو لتركيا تحت مسميات الممانعة والمقاومة واستعادة الخلافة العثمانية التي دمرت دول عربية بأكملها من العراق إلى سوريا فلبنان الذي مني بأكبر كارثة في العصر الحديث على غرار قنبلة هيروشيما في مرفأ بيروت، فاليمن وليبيا وهناك دول تحت الهيمنة تود تلك الجماعات إلحاقها بهاتين الدولتين اٌلإقليميتين إيران وتركيا في الأردن وتونس والمغرب والجزائر والكويت ولم يتبقى في العالم العربي يناهضان هذين المشروعين سوى السعودية ومصر.

القارة العجوز لا تزال تعرج من أزمة إلى أخرى، وتحصل في كل مرة على مزيد ومزيد من الأدوية فنجحت أم القمم الأوربية في تحقيق التوافق بين آمال الجنوب وشروط الشمال ( النمسا والسويد والدنمارك وفنلندا ) بعدما وضعت أوربا أمام أخطر أزمة اقتصادية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وكانت القمة بقيادة المستشارة الألمانية ودعم من ماكرون رئيس وزراء فرنسا بعدما لعب دورا رئيسيا في حياكة تفاصيله وإيصاله إلى بر الأمان، حيث تعتبر ميركل الصوت الوازن والموقف المرجح في اتحاد أوربي، كان يقف أمام امتحان مصيري حتى أعتبر الاتفاق رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز خطة مارشال حقيقية يلجأ فيها الاتحاد الأوربي للمرة الأولى في تاريخه للاستدانة من أجل تمويل ومساعدة الدول الأعضاء.

فيما عاد رئيس الوزراء الإيطالي إلى روما وفي جعبته ليس فقط حزمة المساعدات والقروض التي جاء إلى بروكسل للدفاع عنها والمقدرة في اقتراح المفوضية بما يزيد على 170 مليار يورو بل حزمة إضافية قدرها 40 مليار يورو على شكل قروض ميسرة تسدد على مدى 30 عاما، وفتح معركة ضد نظيره الهولندي مارك روتيه الذي كان يقود تحالف دول الشمال المعترضة على مبدأ المساعدات والمصرة على ربط القروض بشروط تعجيزية انتهت أمام الضغوط التي مورست عليها من الدول الأخرى، ما يعني أن السيناريو الذي تكتبه برلين وباريس هو الذي ينجح في قيادة أوربا، بعد موافقة الإتحاد على صفقة قيمتها 1824 مليار يورو بما في ذلك صندوق

للتعافي من جائحة كورونا قيمته 750 مليار يورو أطلق عليه اسم الجيل القادم للاتحاد الأوربي تقترض من أسواق رأس المال.

المحرك الألماني الفرنسي التقليدي لأوربا يواجه تحديات من اتحاد دول أصغر حجما، رغم ذلك هو تأكيد على أن سيناريو المشروع الأوربي ما زال يكتب في برلين وباريس خاصة بعد خروج بريطانيا من النادي، ومعروف عن ألموقف الألماني صرامته إزاء القواعد والضوابط المالية، لكن التحول الكبير التي صرحت ميركل أن الظروف الحالية بحاجة إلى رؤية جديدة وانعطافا جذريا في القواعد المالية لإنقاذ المشروع الأوربي، مما أدهش الحلفاء التقليديين لألمانيا وفي طليعتهم هولندا والنمسا، دور أساسي في إعادة الحياة إلى المحور الألماني والفرنسي الذي كان حاسما في التوصل إلى هذا الاتفاق التاريخي حول صندوق للإنقاذ.

ربما يشير المؤرخون مستقبلا إلى أن حكما أصدرته المحكمة الدستورية في ألمانيا كان نقطة التحول الحاسمة نحو تفكك أوربا، وذلك عندما تجاهلت ألمانيا حكم سابق لمحكمة العدل الأوربية لمصلحة البنك المركزي الأوربي باعتبار أن تفسير المعاهدات غير مفهوم، وبالتالي يجب اعتباره تعسفيا من منظور موضوعي باعتبار أن الاتحاد الأوربي نظام قانوني متكامل، بعدما شكك في صلاحية البنك المركزي الأوربي في إعادة شراء الدين العام بكميات كبيرة، فأيدت المحكمة الدستورية العليا في ألمانيا في 5/5/2020 بهدف تعزيز اقتصادات اليورو منذ عام 2015 والذي شمل شراء 2.9 تريليون دولار من الفترة 2015 حتى 2018 وبلغت قيمة مشتريات القطاع العام 2.1 تريليون دولار من إجمالي مشتريات برامج شراء السندات، لكن الحكم لا يشمل المساعدات الحالية لمواجهة أزمة جائحة كورونا البالغة 750 مليار يورو وسبق أن قدمت لدول البلقان الست نحو 3.3 مليار يورو للمساعدة في مكافحة مرض كوفيد 19 يفوق المبالغ التي أرسلتها الصين وروسيا في مرحلة مبكرة من الوباء.

استطاعت ألمانيا وفرنسا بهذا الاتفاق التاريخي تبديد تساؤلات كانت تدور حول كيفية ربط الدول الفقيرة في البلقان مستقبلها باتحاد بات جل همه النجاة بنفسه، خصوصا وأن الاتحاد يتطلع لانضمام دول البلقان الست الجبل الأسود، صربيا، شمال مقدونيا، البانيا، البوسنة والهرسك، وكوسوفو وهم قلقون من النفوذين الصيني والروسي في المنطقة حيث طلبت البوسنة والهرسك الانضمام في 2016 والطلب ما زال في انتظار الموافقة، وكوسوفو بحاجة إلى إصلاح العلاقات مع صربيا من خلال محادثات

بواسطة الاتحاد الأوربي، وحصلت جمهورية شمال مقدونيا وألبانيا على موافقة الاتحاد الأوربي لبدء المفاوضات حول العضوية في مارس 2020 ولكنهما لا تزالان تنتظران الموعد الرسمي للبدء، والجبل الأسود وصربيا بدأتا مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد وحدد في عام 2025 أقرب موعد للانضمام.

حيث يعتبر الاتحاد الأوربي أنه لا يكتمل بدون غرب البلقان وقرار البدء في الانضمام دليل على الأهمية الجيوستراتيجية للمنطقة، وهي بديل للضم الأوحادي مثلما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم في 2014، ويسعى نتنياهو ضم ثلث الضفة الغربية لكن ترمب أوقف هذا الضم، فرئيس وزراء السويد السابق كارل بيلت حذر من الضم الأحادي وقال أن حدود أوربا تم رسمها بالدماء وتغييرها سيسيل الدماء مرة أخرى فقط عبر التفاوض.

تعتبر أوربا الناتو ضرورة حيوية لأن أوربا ليست قادرة وحدها الدفاع عن نفسها، لكن في المقابل لا تريد أوربا أن تقع فريسة لعبة المحاور التي تجنح اليوم نحو ثنائية جديدة بين بكين وواشنطن، وترى أوربا أن الصراع التجاري بين واشنطن وبكين تخفي الصراع الحقيقي بين العملاقين ألا وهو الصراع التكنولوجي الذي كانت المعركة حول شبكة الجيل الخامس من الاتصالات أولى تجلياته، وترى أوربا أن يكون للبلدان الأوربية سياستها التجارية المستقلة مع الصين مستقلة عن المصالح الأمريكية، ولكن كانت المستشار الألمانية المحمية بلادها بالمظلة النووية الأميركية متريثة ليست على غرار الرئيس الفرنسي ماكرون الذي قال عبارته مرة أنه نفذ صبره إزاء صمت المستشارة الألمانية بسبب عدم تجاوبها مع مقترحات ماكرون الذي يطالب بأوربا مستقلة وأن يكون لها جيش مستقل أيضا ولدى ماكرون قلق من تراجع أوربا متهما موسكو بأنها طرف فاعل وعدواني للغاية.

فإذا كانت العلاقات الأمريكية البريطانية تتسم بطابع خاص لكن علاقات أميركا وألمانيا شكلت العامل المحوري في ضمان الأمن الأوربي على مدار سبعة عقود، لذلك تطالب المستشارة الألمانية ميركل الأوربيين للتوصل إلى طريق ذكي مع واشنطن يراعي المنافسة الاقتصادية، وبعد يوم من إعلان وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو توسيع العقوبات على الشركات المتورطة في مشروع نورد ستريم 2 رد نظيره الألماني هايكو ماس ليتهم الإدارة الأميركية بأنها لا تحترم حق أوربا وسيادتها في أن تقرر بنفسها أين وكيف تستمد طاقتها، وتطمح ميركل إلى علاقات مع موسكو مبنية على الثقة رغم أزمة أوكرانيا،خصوصا وأنها تؤكد على أنها لا تود ترى رؤية قطبية

ثنائية في العالم، وتعتبر المناخ قضية وجودية وحذرت من اندلاع نزاعات اجتماعية جراء الاحتباس الحراري.

لا تعليقات

اترك رد