الحُلوُ وَالمُرُّ في أعْمَالٍ جَميلةٍ قراءة للوحات خليف محْمود المحل

 

غزارة الإنتاج وتنوع الثيمات
للمطر غزارته ، وللإبداع غزارته حين يستند إلى تجربة زاخرة بالعطاء الفني المتواصل، ذاك ما نلمسه بصدد المنجز الإبداعي لفنان عراقي موصلي هو خليف محمود المحل.

فنان بتجربة مائزة جعلته مساهما بفعالية في بناء الملمح الفني التشكيلي في العراق وفي كل الوطن العربي.

ولقد أتاحت له تجربته الثرية رسوخ قدمه في المجال الفني بعيدا عن المجاملات والمدح المجاني ،فنان شارك في مهرجانات محلية ودولية لتُقتنى لوحاته في عدد من الدول .

مبدع له بصمته ورؤيته الخاصة التي تتسم بها ملامح منجزه الإبداعي ألوانا وخطوطا ورتوشا وأبعادا جمالية رائقة. ولعل ارتباطه بوطنه بما يعج به من قضايا فرض عليه نفسه فجاءت لوحاته تجسيدا للواقع العراقي وبيئته وفضاءاته الجميلة التي تعرض بعضها للتخريب…

ومن هنا نجد أعماله الفنية مترجمة لذاكرة بصرية غنية بمفردات الماضي والراهن بكل ما تحمله من خلجات توحدها مع الإحساس البشري في كل بقاع المعمور.

منجز إبداعي يترجم أفراح وأتراح الإنسان
في لوحات خليف محمود احتفاء واهتمام خاص بالإنسان العراقي الذي توحده مع غيره ذات القضايا الإنسانية والتي تعكس طموحاته ومآسيه وأفراحه وانتظاراته …

ولا يخفى ما لصورة الإنسان في الأعمال الفنية التشكيلية والدرامية ، والاهتمام بها يندرج ضمن اهتمامات تجسيد ما يعتري نفسية وعالم الإنسان من مشاكل مشاعر انطلاقا من مجريات الواقع المعيش بأفراحه وأتراحه ، فـ”منذ البدء أحب الإنسان صورته الجميلة التي منَّ الله بها عليه وخلقه في أحسن تقويم ، فراح يتأمل انعكاس صورته على سطح الماء وأحب ذاته ، ويرسم بأيسر الأدوات رسوما تصوره على جدران الكهوف أو يصنع ما يشبهه من طين ، أو ينحت في الصخر مجسمات

تشبهه . إلى أن عرف المرآة التي أشبعت غروره لرؤية ذاته فأكثر من المرايا وتفنن في صناعتها ، ومن ثم عرف فن الرسم المحترم الذي ازدهر في القصور أكثر من الشارع لتصوير الملوك والأمراء وأنتج آلافا من الرسومات التي وثقت مراحل مهمة من التاريخ تقبع في صدور أكبر متاحف العالم وتعتبر من نفائس الفن الكلاسيكي . إلى أن عرف الكاميرا أخيرا قبل أكثر من مائة عام ونيف ، وهي التي يمكن أن يقال إنها غيرت حياته وأرضت نرجسيته وقلبت تاريخ البشرية جمعاء. ” 1

والحال أن لوحات هذا الفنان ، لوحات أوْلَى شخوصَها عناية خاصة من حيث ملامحها والفضاءات التي تقع فيها باعتبار ذلك مجسدا لسعادتها وشقائها…

لوحات تتأرجح بين السكينة والفوران والاضطراب: فهذه لوحة بألوان زاهية ومشرقة تمثل موكب فتيات جميلات سائرات في ما يشبه محفلا طال انتظاره.. وتلك لوحات تجسد الجانب التراجيدي الذي يحل بالمجتمع حين يضطر سكان لمغادرته خوفا من الأذى ،نساء بأطفالهن وقليل أمتعتهن في سير حثيث بلا وجهة محددة.. وهذه لوحة تحمل عمق معاناة الطفولة اليتمية بعيدا عن دفء أحضان الأبوين ..وتلك لوحة تحمل تناقضات صارخة حين تعرض المرأة وهي تفكر في فرحة شنقها الواقع وأبعدها عنها لتعيش في حنق ويأس…

وبذلك يكون المبدع منصفا حين يقدم عبر منجزه الفني صورة الإنسان في سعادته وفي شقائه وطموحه.

من سمات منجزه الإبداعي
لوحات تعبيرية بسمات واقعية وانطباعية تهمس بأسرار الإنسان والمكان ، وبألوان مثيرة للعين ،وبلمسات الماهر الذي يعرف مكمن الجمال في الخط واللون ،وبالاحتشادات اللونية المتجانسة …ذاك بعض ما يميز إبداعات خليف محمود المحل الذي يحرص على أن تعرض لوحاته أحداثا يأبى إلا أن يقدمها كي نقاسمه إحساسه بصددها.وكأنه يؤرخ لشخوصه وحياتهم عبر التشكيل مقتنصا دفء اللحظة التي يعيشونها مؤثرة عليه ومثيرة لعواطفه.

ومن هذا المنحى فلوحات خليف نابضة بالحياة ،تقول الكثير وتحيل على الكثير وتتضمن النقد للكائن المرفوض قصد التفكير في الممكن المطلوب ،ولتبرز الوظيفة المثلى التي يمكن للإبداع أن يؤديها.

أعمال لا تخلو من ملمح التراث:
مما لا شك فيه أن جل المبدعين في الوطن العربي مهجوسون برصد لملامح تراث بلداهم في لوحاتهم كواجب للمحافظة عليه ،ولكون هذا التراث فيه من الجماليات ما يستحق إعادة التجسيد والتقديم جماليا في المجالات الفنية المختلفة وفي مقدمتها الفن التشكيلي.

وهنا نجد خليف محمود مخصِّصا له حيزا بارزا ،ويبدو أنه مأسور بِشَرك هذا التراث العريق الذي توالت عليه حملات التخريب المقصودة والمستهدفة لمحوه محوا يستند إلى هدم صرح هذا المكون الذي لا يقتصر وجوده على العراق بل يتعداه إلى كل الوطن العربي والإسلامي. تراث جميل يبدو في الأثاث والملابس والمعمار وأسلوب العيش…

وكأن لوحاته تحذر من ضياع هذا التراث المجيد الذي يحمل تاريخا عميق الجذور في عملية البناء الحضاري العالمي.

ويبقى هذا الفنان وفيا للإبداع مطورا ومثريا للحركة الفنية في مجال الرسم و التشكيل بشتى أدواته لتنضاف أعماله إلى المنجز النوعي في العراق وخارج العراق.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هامش :
1 ـ كوليت بهنا ، مجلة الكويت ،العدد 380 يونيو 2015م،ص 98

لا تعليقات

اترك رد