فقاعات لا تحتمل شمس العراق

 
فقاعات لا تحتمل شمس العراق

الدهاء أسلوب سياسي لم نعتد عليه منذ فقدت السياسة العراقية نوري السعيد ، حينها انقطعت شعرة معاوية و اتخذت الخلافات السياسية منحى جديا و صارما على الصعيدين الداخلي و الخارجي و صرنا نرفع خناجرنا حتى لو مرت ذبابة أمام أنوفنا ، فدمنا حام لا نسكت على ضيم و لا نعرف الحلول الوسطى و الدهاء يحتاج لصبر و طول أناة . بعد الإحتلال دخلت ثقافات غريبة على أهل العراق أرادت العبث بكل شيء و استخدمت طرقا خبيثة لتغيير مفاهيمهم ، منها الدهاء بشقه الخبيث ، فالدهاء مثل الورم بعضه حميد لا يؤذي ، يميل الداهية فيه لتلطيف الأجواء و ابتكار أساليب ناعمة لحل الخلافات و الوصول الى حلول مرضية للجميع و بعضه دهاء خبيث لو اطلعت على دوافعه و اهدافه و فحصت نتائجه لعرفت كم الشر الذي يحتويه

الفقاعة الإعلامية اسلوب من أساليب الدهاء وهي أن تسرب خبرا لا تظهر صورتك فيه لقياس ردة فعل الناس فإذا تقبلوها حسبت لك و أظهرتك بمظهر البطل المنقذ و اذا رفضوها لن تحسب عليك لأنك تستطيع التبرأ منها بسهولة

في بدايات الإحتلال أطلق أسم أحد زعماء الاسلام السياسي الجدد على طريق المرور السريع محمد القاسم و هو أكبر و أطول الطرق السريعة في بغداد . استيقظنا ذات صباح و قد علقت على أعمدة الكهرباء قطع مرورية تشير لهذا الإسم . من أطلق هذا الإسم و من اجتث إسم القائد العربي و الإسلامي محمد القاسم ؟ هل يدخل إجراء تغيير أسماء الشوارع و المدن ضمن اختصاص أمانة بغداد أم محافظة بغداد و مجالس المحافظات ؟ هل يخضع لأية ضوابط ؟ و أخيرا و بعد ان أكد الناس اعتزازهم بمحمد القاسم انفجرت الفقاعة على اسفلت الطريق الذي استعاد اسمه دون ان يعلن أحد مسؤوليته عن وضع اسم هذا السياسي

متوسطة تحمل إسم الشهيد الفلسطيني الطفل محمد الدرة في حي العامل ببغداد و هو أشهر طفل شهيد في العالم تغير أسمها بعد الاحتلال الى متوسطة موسى الكاظم . كل المسلمين يعرفون الإمام موسى الكاظم و له مدينة بإسمه و ضريح يعلوه الذهب و الفضة و هو ليس بحاجة لأن يزاحم طفلا فلسطينيا على بناية بائسة صغيرة أردنا أن نذكر من خلالها أجيال الشباب التي ستتخرج منها بوحشية الإحتلال الصهيوني . الفقاعة مرت هذه المرة دون أن تنفجر و افتخرت وزارة التربية بإنجازها ولم تتبرأ منه و ترمي المسؤولية على إدارة المدرسة . انتصرت الثقافة الجديدة بعد أن أوهمت الناس أن الإمام موسى الكاظم سيسلبهم شيئا من عافيتهم او رزقهم أو نسلهم إذا سلبوه شيئا يخصه أما محمد الدرة فهو مجرد طفل ميت

بعض الفقاعات وجدت أرضا خصبة على مواقع التواصل الإجتماعي . قبل أيام انفجرت فقاعة متأثرة بدبابيس استهدفتها من كل حدب و صوب عندما قالت سيدة فلوجية على صفحتها في الفيس بوك أنها تنوي بناء حسينية في الفلوجة ( للتعريف بآل النبي ص) . انفجرت بأسرع مما تصور مخترعو شخصية هذه السيدة الوهمية لأن المصلين في هذه المدينة يصلون على محمد و آل محمد في 132 جامعا خمس مرات في اليوم ( من بين هذه الجوامع : جامع المرتضى علي بن أبي طالب و جامع المجتبى الحسن بن علي و جامع حمزة بن عبد المطلب و جامع عمار ابن ياسر) و هم يحبون آل البيت حبهم للنبي و التلميح بتعريفهم بهم يحمل نوايا خبيثة لا تخفى على أحد

بعض الفقاعات تكون أثقل من الهواء فلا تلبث أن تسقط و تنفجر من تلقاء نفسها فرغم أن العتبة الحسينية سارعت لنفي خبر وجود مساع لتغيير اسم محافظة بابل الى محافظة ( الحسن المجتبى) الا ان ذلك لا ينفي وجود نية لمسح تاريخ العراق القديم ، العظيم برقيه و جماله و أصالته و لا فرق هنا بين معاول داعش التي عملت في آثارنا في أماكن وجودها و بين سحق آثارنا تحت سرف دبابات الإحتلال أو تهريبها و بين تغيير أسم كبير مثل بابل لطمس تاريخها . الفقاعة هذه المرة أضعف من أن تحتمل شمس العراق فانفجرت و تخلى عنها أصحابها معترفين بأن تغيير أسماء المدن ليس من صلاحيتهم و هي حقا ليست كذلك لكنها على كل حال فقاعة لجس النبض تدعونا نحن أيضا لتشكيل سياج بشري حول تاريخنا لحمايته من العبث و التشويه و التغيير إذ لم يشهد حملة للعبث به كما يشهدها اليوم

1 تعليقك

  1. Avatar حسن متعب

    سلمت ودمت وسلم فكرك وقلمك.. موضوع جميل جدا .. تحياتي ايها الكاتب الصديق الرائع

اترك رد