نصف البكاء الاخر

 

نصف بيروت في مهب الريح، والنصف الآخر تحت الأنقاض، نصف الوطن في المجهول، ونصف المواطن مقسوم على ملايين الانفجارات، وعلى آلاف الضحايا، وعلى مليارات من الخسائر في الممتلكات.
بيروت تحترق، هذا ما يخلفه الفشل، والمرفأ المسفوح لا يتحدث عن نفسه، أو عن مصيره المحتوم، أو عن الفاعل “شبه” المجهول، ناصيف حتي يستقيل رافضًا حقيبته الثقيلة في “الخارجية” اللبنانية، ينسحب بهدوء من المشهد قبل ساعات المأساة، حكومة حسان بدت وكأنها في حالة حساب مع النفس، مراجعة لكل ما لم تقم به خلال شهور إدارتها للصراع على الوطن الجريح.
“النهار” قالتها بالفم الملآن: “الدولة الفاشلة تطلق النار على نفسها”، تنتحر مع سبق الإصرار والترصد، تقدم أهلها قرابينًا للشياطين، وتدفع بكل تأنٍ، وكل تفانٍ، أثمانًا باهظةً على ركاكة أدائها، وفداحة أخطائها، وندامة أفعالها، لم يكن وعدها حقٌ لشعبها، ولم يكن العجز إلا قانونًا مضطربًا غير قابل للتنفيذ، ولم يكن التردد سوى قلم مقصوف في المهد، والفصائل المستترة سوى حقٍ مشكوكٍ في مشروعيته للتوقيع على كل ما هو زائف، وكل ما هو زائل، بعد أن أخفقت الدولة في الانتشار على الأرض، وبعد أن فشلت في إقامة صلاة الغائب على شهدائها بعد فاجعة المرفأ.
قبل التفجير، وعلى بعد شهقة زفير، وبالقرب من 2750 طنًا من نيتريت الأمونيوم شديدة الانفجار، و3100 سفينة ترسو على مدار السنة فوق 16 رصيفًا في الميناء البيروتي العتيق، لم يكن الهدوء الذي يخيم على العاصمة المنكوبة نذير شؤم على شعب لم يتوقع زلزالًا بمقدار 4,5 درجة على مقياس ريختر، ولم تكن الصفعة السياسية على جباه الأحزاب “المتحاصصة” بالقدر الكافي من التوافق بحيث يمنع الاحتفاء بالذكرى السنوية لاغتيال الرئيس رفيق الحريري، قصدًا مُبَيت النية، وقربانًا لجريمة مازالت راسخة في الذهنية العربية العاجزة.
الدولة الفاشلة كانت على المرأى والمسمع من العالم كله، صندوق النقد يطلب من “المركزي” اللبناني ضمانات كافية لإعادة الحياة إلى مدخرات تآكلت، وإلى عملة تدهورت، وإلى خبز قد يختفي تمامًا بعد أن وصل تلوث التفجير إلى عشرات الآلاف من أطنان القمح المخزنة على ضفاف المرفأ المكلوم.
كل شيء بات عصيًا على الفهم، فلا حزب الله يعترف صراحة بأنه يقف وراء الكارثة، ولا سيده نصر الله أصبح جريئًا للدرجة التي تدفعه إلى الخروج للشارع كي يصارح بالتي هي أحسن، ولا حسان دياب بتصريحاته المضحكة قد فسر المُفسر وقال لنا في تصريحات أي شيء آخر، غير أن الحزب غير المغفور له من الرب يمتلك مخزنًا للمواد المتفجرة منذ عام 2014 على ظهر المرفأ الموعود.
لم يقل حسان دياب أي شيء للناس لكي يكفوا عن المطالبة بإزاحته، ولم ينفلت الشارع حتى اللحظة حيث أن الهول كان أكبر من الاحتقان، والغليان مازال أقل من ثورة البركان، والبين بين مازال ممسكًا بعصا ملوثة بدماء الأبرياء في بعبدا، وربما في دار الحكومة، وعلى الأرجح بين فصائل الأحزاب الأضعف في تاريخ بني الفينيق.
العرب عن بكرة أبيهم انتفضوا مع الكارثة، بكوا مع الضحايا، نصف بكاء، ووعدوا بالمساعدة، أي مساعدة، العرب عن بكرة أبيهم تحركوا مع الأرض، وانفعلوا مع البركان الغاضب، ولم تهدأ أساريرهم ليلة الأربعاء الدامي على ذويهم ومحبيهم وأصدقائهم في النصف الغائب من بيروت لحساب النصف القابع تحت الأنقاض.
الاستنكار لا يكفي، والغضب لا يغني ولا يُسمن، والتصريحات المطاطة قد تأتي بمرفأ آخر وهو يفجر نفسه أمام الملايين من أمة العرب، وعلى مرأى ومسمع من عالم بلا قلب.
ماذا بعد .. هل هو الشجن الذي يقود إلى التغيير؟ أم الزمن الذي يُفضي إلى ملحمة لا تكتمل فصولها في التاريخ اللبناني الحديث؟ الكثير والقليل يجتمعان لأول مرة على ضرورة رحيل النخب، مغادرة أمراء الطوائف، انسحاب ملوك الدمار الهائل، الكثير والقليل يتفقان على حكومة جديدة، ورئاسة لم يسبق لها الاستلقاء على “شازلونج” اللحظة المميتة.
الفرقاء اللبنانيون ينعون أنفسهم، يتسابقون على تأجيل واجب العزاء حتى يتضح الخيط الأبيض من الخيط الأسود، ينفون تورطهم في المأساة وأي مأساة، ويتصارعون على حق السبق في الاستقالات المدوية بدءًا بالنيابي المخضرم مروان حمادة، وانتهاءً بكل ما لذ وطاب من نواب لم يحصلوا على التأييد التام، ووزراء لم يعجبوا الشارع، وزعماء ظلوا رهينة لحزب وحيد على الأرض، وليس لجماعة وعدت فأوفت، أو لطائفة اتفقت على ألا تتفق.
البعيد والقريب من نصف بيروت، يموت كمدًا على الأحياء والأموات، على الظل وخياله المريض، على الطاعون الملعون في زمن الكورونا، وعلى النار عندما تبدأ رحلتها في هشيم الحاكم بأمره.
في لبنان، جميعهم مسئولون عن النكبة، وجميعهم مستولون على الحكم، وجميعهم مسنودون من جهات أجنبية، وجميعهم خارجون عن القانون.
لذا لم يكن غريبًا أن يتم اغتيال الحريري وسط عشيرته وقرب جدار بيته، ولم يكن غريبًا أن يتم إجهاض الانتفاضة الشعبية بوعود ما أنزل الله بها من سلطان، ولن يكون غريبًا هذه المرة أن يتم تفجير المرفأ واللجنة التي منحها الرئيس “المؤقت” حسان مهلة خمسة أيام لكشف الجناة قد توفر بكاءً آخر على تفجير آخر في أماكن أخرى.

المقال السابقالأحزاب : ” جوعوا لنشبع “
المقال التالىالانتخابات العراقية المبكرة الى اين ؟
اسامه مهران شاعر وصحفى يترأس تحرير مجلة الاهلية البحرينية ويكتب الشعر منذ سبعينات هذا القرن وهو صحفي اقتصادي معروف له اكثر من برنامج تليفزيون ، وكات عمود متخصص فى الشأن الاقصادى فى اكثر من جريدة عربية والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية في البحرين، رئيس التحرير السابق لصحيفتي «الميثاق» و(....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد