أبو نفّة و ضبية السّاج

 
اللوحة للفنان علي رضا سعيد

انتضى نصلُ الصّباح .. السّاحة فسيحة بائسة موغلة في البؤس .. سيّارات تجوب الطّريق .. لا أعلم كيف قضّيت ليلتي مرابطا هنا .. و لا أدري كيف تركني العسسُ في حالي .. خرقَ سمعي صوتٌ ألفته سنواتٍ خلت .. خطوب كثيرة مضت و ما خلّـتني .. وضعتُ الحقيبة الأولى تحت جدار يريدُ أن ينقضّ .. وتركت حقائب و حقائب في جِيدي .. شرعتُ أعالج الجدار .. مضى وقت وأنا غارقٌ في الطّين و الماء و أعواد العرعر .. أقمتُ الجدار .. نفضتُ ثوبي .. أذهلني الجدار بحلّته الجديدة .. لا شقوق و لا تخريب و لا تمائم .. ما كنتُ أحسبُ أنّني أفعلُ فيه ما فعلتُ .. بدأت العيون تتلصّصُ .. بسرعة حملت حقيبتي و دخلت المقهى .. جاء شرطيّ بادنٌ في أثري و مكث غير بعيد يتأمّل .. غانية تتفقّد مكياجها قبل أن تترجّل .. وتتلمّس وجهها وحاجبيها و شفتيها وتطيلُ النّظر في مرآة السّيارة الداخلية .. أحداق متناثرةٌ وأقداح متوارية وأحقاد موءودة ٌ .. هبَّ نسيم على القصبة .. وبدأت الأصوات ترتفعُ شيئًا فشيئًا بعد أن خفتت فجأة بالأمس متأثّرة بوعدٍ وزاري كاذبٍ .. الشّارع مهيبٌ ممتدّ يمرّ بوزارات .. الشؤون الدينية و المالية والتربية و المحكمة ودكانين ومكاتب و ناس هناك تحت الأشجار .. ارتفعتُ الشّمسُ .. المكان ظليل .. محامٍ تحلّق من حوله كهولٌ وهو يشرحُ المسألة .. نقاط الضّعف و مواطن التّقصير .. انقصَّ سلك الهاتف .. و سقط على الطّريق .. جمع من المعطّلين عن العمل يصرخون .. فجأة رأيت نملة ضعيفة لطيفة تخرجُ من تحت السّور وتهزمُ عساكر .. هالني المنظرُ .. و بقيتُ منهدشا أمام قدرة الله كيف ذلّتْ وقلّتْ عساكرُ السّوء ..السّيارات كثيرة فاخرةٌ .. و الأحذية لمّاعة تُطقطقُ .. كتائب و مواكبٌ و مقانبٌ في ساحة القصبة .. و جميلات يعبرن إلى الأسواق .. جلس بالقرب منّي رجلٌ ملولٌ كأنّما تحته مساميرٌ أو جمرةٌ ملتهبةٌ .. الذّكريات تكاد تخرج من صدره .. فقد سيطرته على الوضع .. الفقر أمامه و فلوس الكراء و الماء والكهرباء و النفاقات اليومية وراءهُ .. شيءٌ لا يُطاق .. الرّجل الملول يكاد يتمرّغُ على الأرض .. و لكنّه يخشى البوح .. و لمن سيبوح بعذابه .. من سيصغي إليه ؟ شبرٌ واحد يفصله عن الوزراء و عن رئيس الحكومة .. من المقهى مباشرة يراهم و المرافقون يحرسونهم .. لا فائدة تُرجى من القرب منهم أو البعد عنهم .. عيونهم نائمة عن الرّجل الملول وغيره .. لطم وجهه و صرخ بصوت خافت : يا ربّي متى الفرج ؟ .. لم يدخل مخّي هذا البكاء .. بكاء كثيرٌ و صراخ .. أودية بكاء وصراخ وعراك فاضت في المدينة .. شربتُ ثلاث قهوات وطلبتُ رابعة .. فقال لي النّادل وهو يضعُ المطلوب أمامي : نحن لا نقدر على واحدة وأنت تعبثُ بأربع .. أتسمحُ لي أن آخذ مقروضة .. أخشى ما أخشاه يا صاحب الحقائب أن يعجبك أبا نفّة .. فقلتُ : تفضّل خذْ المقروضة .. لا أمدَّ الله في مدّة أبي نفّة ابن زبيبة .. ما طقتُ النّوم ولا رقَد لي جفنٌ منذ 2011 .. أبو نفّة صار يحكم الأسواق .. يولّي و يعزلُ .. غَـرقَ في أمواج الدّهاء .. أمسك السّوق المركزيّة بقبضة من حديد .. و ضانكَ النّاس ثمّ جمع ثروات كثيرة .. شارك في القوافل و عيّن لصوصا في كلّ مسرب وركّز عُيونا في كلّ مسلك و سبيل .. و امترس بتُجّار البحر المتوسّط و أوروبا و آسيا و صعاليك .. تأتيه مراكب المواشي من بلدان .. امتلأت دكاكينه بالسّلع و البخور و الحفّاظات و العطور و الأواني الفاسدة و النّقود و الوعود و العهود .. و صار يبدّل الكسوات و يضعُ العطور الفاخرة تحت أذنيه تأسّيًا بسادته أرباب الأسواق هناك .. و يتردّد على الميناء و يتودّد إلى الصّيادين وأصحاب المراكب و العربات .. اشترى بغلة و اكترى غلاما لخدمته .. يحاول أن يجعل من نفسه تاجرا بين تُجّار المدينة .. و لكنّه لا يقدرُ على أفريقيا .. عَيّابٌ ، تافهٌ ، فظّ غليظ القلب، يخطئ العدَّ و يحسب أنّه تاجرٌ شاطرٌ ، ويُنفق ساعات اللّيل الطّويلة في إتقان لعبة الوجه و القفا إلاّ أنّه يتعثّر في كلّ مرّة يلتقي فيها بقدماء السّوق و ثعالب المسارب .. خرقَ مراكب الصّيادين و خيام الحالمين .. ستمسكه الأيّام في رُكنٍ قَصيّ و لن يجدَ نصيرًا .. ساعتها لا ملجأ من الفرار إلاّ إليه .. ليست بيني وبينه أيّة خلافات و لا شراكة في السّوق .. ما جاء بي لا يعلمه .. و ما يُدريكَ يا سائلي لعلّ الأيّام تعبث بالأسواق .. فلا نتسرّع إلى الخلاص قبل الميقات ، فما ضُربَ عبدٌ بعقوبة أعظم من قسوة القلب .. امتعض صاحب المقهى و صرخ : كفى من الحديث يا الهاني و اذهب إلى المخزن و اجلب أكياس القهوة و السّكر و لا تنس الماء المعدني ، اجعلها في العربة أفضل لك .. مضى النّادل حيث وجّهه الباطرون من غير إبطاءٍ .. و بقيتُ في مكاني أتأمّل الطواويس والإبل والغنم و الدّجاج و الفراريج و ارتفع الرّغاء .. وفجأة أبصرتُ أبا نفّة تخلّل الأجداء و العماريس .. و على حين غفلة برزت ضبية ، خرجت من بطن شجرة ساج .. اقتربتْ من أبي نفّة ، وصكّتهُ صكّة ذهبت بوجهه إلى أقصى المدينة .. فسقط و ما قام من علّته .. عمّ الهتاف و رفرفت الأعلام و تهشّمت أكواخ .. حلّقت صقور و نسور و خطّافات عاليًا .. و تنفّسنا الصّعداء .

لا تعليقات

اترك رد