قراءة في كتاب جني بغداد لموفق الطائي

 

يعد كتاب (فرانك لويد رايت جني بغداد) لمؤلفه المعماري الفذ موفق الطائي كتاباً جديداً في نقطة انطلاقه من حيث اختيار العنوان بطريقة مشوقة ترتبط ما بين ظاهرتين مهمتين، الظاهرة الأولى هي اسم (فرانك لويد رايت) المعماري العالمي الشهير(1867- 1959)، و(جني بغداد) وهي كلمة ترتبط بميراث وقيم خاصة ومتداولة لمفهوم الجني عند البغداديين. من هذا المنطلق فقد أثار العنوان فضول القارئ نحو سبر أغواره ومعرفة ما لعلاقة ما بين فرانك لويد رايت ببغداد وكيف أصبح جنياً فيها؟ إذ يشير المؤلف إلى وجود قصة عشق كبيرة ما بين رايت بوصفه معماريا مؤسسا لفكر الحداثة منذ بدايات القرن الماضي وبين العراق لاسيما بغداد التي ارتبط بها بعشق روحي وخيالي يأخذه إلى سحر ألف ليلة وليلة والتي عدها مدينة الأحلام عندما زارها في خمسينيات القرن الماضي، وهو ابن التسعين، وصمم مبنى الأوبرا على جزيرة أم الخنازير والحق بها تصميماً لجامعة بغداد الحالي، والذي صممها لاحقا المعماري ومؤسس مدرسة الباوهاوس العالمية (ولتر غروبيوس). ويصف (رايت) بغداد قائلاً: ((تحية لمن آمن أن بغداد جنة عدن)). استعرض هذا الكتاب المهم سيرة حافلة بالإبداع والانجازات الكبيرة لهذا المعماري الحداثوي المجدد، وقد وصفه المؤلف بأنه أهم معماريي القرن العشرين ومؤسس العمارة الحديثة والعمارة العضوية. وقد انتقل بنا المؤلف عبر محطات متنوعة لمسيرة هذا المعمار منذ بدايات ولعه بحب العراق ورغبته بزيارة بغداد تحديدا، لقد فضل أن يصمم داراً للأوبرا في بغداد واعتذر عن تصميم دار للأوبرا في نيويورك! وعندما سئل عن السبب قال انه يريد أن يصممها في بغداد لأنها ارض الحضارات، ومن هنا ظهر لقب (جني بغداد) عندما كتبت الصحف الأمريكية وبالعناوين العريضة (لقد تلبس الجني فرانك لويد رايت) وآخرين أعطوه كنية جني بغداد، ولعل أهم تعليق ذلك ما ذكرته جريدة الواشنطن بوست تحت عنوان (جني في مصباح معماري). ويشير المؤلف إلى أن رايت قد وصل إلى بغداد بالفعل في حزيران عام 1957. وحال وصوله إلى بغداد بدأ بحركة استطلاعية واسعة في شوارعها وحدائقها فضلاً عن لقائه بالكثير من المسؤولين في الحكومة العراقية آنذاك. كما زار جمعية التشكيليين العراقيين والتي كانت حديثة التأسيس والتقى الفنانين العراقيين المهمين آنذاك كجواد سليم ولورنا سليم وفائق حسن فضلاً عن رئيس الجمعية الأول آنذاك المعماري الكبير الراحل الدكتور محمد مكية. كما أشار المؤلف أيضاً إلى الجوانب المهمة الأخرى في زيارة رايت لبغداد وهي زيارته للمتحف الوطني العراقي واطلاعه على آثار العراق ومسيرة حضارته العريقة وقد دون تلك الانطباعات لاسيما إعجابه بالحضارة السومرية، إذ يرى أن السومريين قد اثروا بالإغريق وشاركوهم حيوية الحضارة العالمية ككل، وكانا مصدر الهام كبير. وهناك الكثير من الإلهام الكبير الذي يمكن استقراؤه من الفن والعمارة والدين والتي تعد روح الحضارة على حد وصف رايت. كما وضع المؤلف رأي مهم لرايت في استشرافه لمستقبل العمارة وحرصه على تطوره في حديثة مع أعضاء مجلس الاعمار في بغداد آنذاك، يدعوهم إلى أن تكون هناك رؤية جديدة وإلا سيتم تدمير العمل في غضون سنوات قليلة، لاسيما انه يتحدث مع دولة بدأت حديثاً في النهوض وقتئذ، كما أكد رايت هنا في استشرافه إلى ما سوف تؤول إليه العمارة العراقية فيما بعد إذا تغاضت عن إيجاد رؤى مستقبلية لتطويرها. أعجب رايت بالزقورة العراقية القديمة ووصفها بأنها رمز ديني ووظيفي، وذلك لان الزقورة كانت ذات وظائف متعددة: منها أن تحمي الناس من الفيضان، ويلجأ إليها أبناء المدينة للنجاة من الغرق، وكانت ساحة للتجمع والتفاعل الاجتماعي والتبادل التجاري فضلا عن وظيفتها الدينية. كما أعجب بشارع الرشيد الذي كان قد زاره آنذاك. وقد عرض المؤلف الكثير من التفاصيل المعمارية في هذا الكتاب القيم، مؤكداً فيها على حقيقة مهمة طرحها رايت في (أن الطبيعة عنصر أساس لجمالية المبنى ولا تكتمل لديه دراما الحدث المعماري دون أن يكون المبنى بمحيط جميل وخلاب لتحقيق ما يسميه بالعمارة العضوية فالكائن الحي في الطبيعة يتأثر بالمحيط ويؤثر فيه). وفي تعبيره عن فكر الحداثة يقول رايت (أن الحداثة تعني أن يكون المبنى ابن عصره، ويتبع الوظيفة التي وجد من اجلها لذلك فالشكل يتبع الوظيفة). من خلال ما تقدم فقد أجاد المؤلف المعماري الأستاذ موفق الطائي المفعم بالنشاط والحيوية وشغفه بحب وطنه وعماره بغداد، فقد عرفته ذلك الإنسان المتمسك بجذوره الأصيلة باحثاً بكل حرص في التأكيد على هوية العراق الوطنية من خلال عمارة بغداد وخصوصيتها. والجدير بالذكر أن المؤلف هو احد أهم المعماريين المعاصرين فقد أسهم في العديد من المشاريع العمرانية فضلا عن كونه أكاديمياً مقتدراً في اختصاصه، وقد تخرج العديد من المعماريين الذين نهلوا من خبرته العملية والنظرية، فهو المؤمن بان النظرية في العمارة لابد لها من تطبيق حقيقي على ارض الواقع من اجل عمارة عراقية أصيلة يسير على نهج فرانك لويد رايت جني بغداد الأول فتحية لجني بغداد الثاني موفق الطائي.

المقال السابقتَطَيُّر
المقال التالىالحب غير المشروط كيف تعطيه ولمن ؟
معتز عناد غزوان إسماعيل الشهادات العلمية التي حصل عليها في التخصص: 1- البكالوريوس- التصميم الطباعي. 2- الماجستير- التصميم الطباعي. 3- الدكتوراه – التصميم الطباعي 4- البريد الالكتروني: mutazinad72@yahoo.com الدروس التي قام بتدريسها: الكرافيك، التصميم الطباعي، المنظور، التصوير الطباعي، ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد