طبقات السطح … حركة الزمان في اعمال الفنان بلاسم محمد

 

في حاره صغيرة من حارات مدينة الكوفة ولد الفنان بلاسم محمد جسام عام 1954. وتعلق بفن الرسم والفنون الموسيقية منذ صغره رغم معارضة والده والبيئة الدينية التي نشأ فيهاوفي
عام 1968 انتقل إلى بغداد وكانت بداية الثورة التي صار يراقبها عن كثب وتركت أثرا كبيرا على رسوماته وأسلوبه الفني, فكانت تجربة بلاسم محمد تؤشر الى منهج يعتمد على الذاتي في الجانب التقني ويتكئ على بحث مغاير … فانه تجاوز المحاكاة البسيطة والسائدة في السوق الضيقة …وشرك التكرار تجربة جديدة غير مألوفة في استعمالات الخط وانكساراته المفاجأة والاشكال التي لا تشابه شيئا …حتى الرسم نفسه ..منذ وقت وهو يرسم – يريق بنظام تدويني مشفّر يومياته التشكيلية علي خامات متنوعه ..وبهذه الطريقة المتعددة الوجوه , ان فنه يتطور في الهامش ..انسحاب تام من السوق بكيفية منفردة ..يلتفت الى نفسه اكثر مما يلتفت الى العالم الخارجي باتجاهات غير متوقعة ..اليس هاته زحزحة للمعايير القائمة, فاليد التي تستعير المشهد العمل الفني غير مكتملة وبما تفكر بانسجامها مع اللون الذي تحمله الفرشاة وعليها ستكون بتبادل الادوار معها كلما استطاعت ان ترى مالا تراه العين المجردة ,يكون المجرد هنا عند الفنان استبدال الاماكن مع الذات والكن الاستعارة هنا هي الاستراتيجية وليست الغاية ,ومن هذا يأتي الادعاء بان اللون الابيض لا يمكن ان يكون ناصعا خارج الذات وهي تمنحه الصفة التي تريد كما ان اللون الابيض سرعان ما يختفي خلف الالوان المجاورة تجعله يرتدي طبقات من المواد المختلفة ….

اتحدث هنا عن لحظة التوتر التي يواجها الفنان بلاسم محمد ازاء بياض القماش ومن ثم ازاء الطمر المتوالي له من خلال الاضافة وتكرارها وبهذا يوجد تدفق حسي كبير نحوالاشياء التي يمارسها على سطح البياض فهنالك بقعة من السماء وهناك اجزاء من اليابسة ولأشجار وبقع الاخضر الممتد وهكذا تتراكم الاشياء في الذهن العملي للشعور دون حل تام .

من اعمال الفنان بلاسم محمد

ان تصوراتنا نحو الاشياء هي التي تمنح تلك الاشياء وجودا داخل العمل الفني بما يشكل قيمة مضافة لكلا الوجودين (الوعي باعتباره تصورا يضفي على الاشياء صفاتها +العالم الناقص الذي يحتاج دائما لى وعي بوجوده ) فهذا ما يضفي على الاشياء التي يلمسها الفنان بلاسم محمد ماهية من نوع خاص في اعماله الفنية فا اللون فيها لا يؤدي وظيفته المعجمية؛ الكشف عن طريق أصول الضوء التي كأنها، بل يعمل على تشبيح تلك الحيوات المكونة من خطوط لينة؛ ملتف بعضها على بعض. النسق يقوم على بناء كتلة عملاقة، بنسب اللوحة، تشبه عائلة شرقية، يتكوم نسلها، بعضه على بعض، وتتعين داخل حدود ثابتة ومكسورة، لمربعات، ومعيّنات، ومستطيلات؛ أفقيّة، ومتعامدة، لنكون بإزاء دوامات، لا يفصل بينها سوى الأطر والتنويعات اللونية. إنها نوع من التجريدات المكبوتة، والتعبيرات الإيحائية التي تغري البصر وتراوغه في آن! هناك خلاء رهيب، بين الهجرة إلى الواقع، والعبق المهجور. الهجرة إلى الواقع تقوم بمعاكسة دلالية، لأن الهجرة، فلسفيًّا، هي من الواقع إلى ما ورائه، واجتماعيا، تكون منه إلى الغربة عنه، وسياسيًا، منه إلى تغييره. إن عكس هذه الدلالة، إنما قام من أجل إنتاج الدلالة التي نحن بصددها: الواقع ذاته أصبح ماورائيًّا، ومغتربًا، وناكصًا، أقول بين الهجرة والمهجور تقع الدوامات التي هي مجموعة الكنايات التي نتجت عن استنطاق الخطوط! باختصار إن هذه الرسوم عبارة عن يوتوبيا الواقع؛ مدينة العبق التي تقطعت السبل فيها أمام الحواس.

كأن بلاسم محمد قد تخلى عن كل شيء إلا الرسم. فكيف لنا أنْ نرى هذه الرسوم المعراة من تأريخها المتشابك، الذي جئنا على طرف منه. ما المعنى الذي تخلفه تلك الأشكال؟، وما الرسالة التي يخلفها هذا المعنى؟ وهذان السؤالان الإشكاليان اللذان أحاول الإجابة عنهما، هما نتاج تجربة مشاهَدَة متكررة؛ تحاول الغوص إلى المعنى الثاوي في ذلك القاع، الذي تبخّر على شكل لوحات، وأعني بـ (تبخّر) معناها الحرفي لا المجازي، فالرائي، أو حتى المار من محيط الرؤية لهذه اللوحات، يصطدم بذلك الغبش، والانبلاج، اللذين يشيران إلى موجود في مخاض تشكله وان الفنان بلاسم محمد قام باستحضاره للحدث الذي يثير في المتلقي احساسا بحضور مكاني يتشكله قاموس عرفي يضع للمفردات مسمياتها رغم بقاء الحضور افتراضي في ظل غياب حقيقي للمكان.
يتحرك اللون في اعمال الفنان تبعا لحركة الخط في ذات الوقت الذي يمنحه الحرية في التشكل والانتشار ويستفيد الفنان من هذه التقنية في احداث التضادات المطلوبة ايضا وفي تركيز الاحساس بالكتل وانسجامها على سطح العمل الفني وتحييد وجودها، ولعل الاعمال الجديدة للفنان بلاسم جسام تحمل معها الحضور الواثق لفنان وناقد طالما اثار جدل الاختلاف .

من اعمال الفنان بلاسم محمد

فكانت اعمال الفنان بلاسم محمد لها مداخل فرعية مبتكرة للألوان على سطوح اللوحة، والتي تمنح العمل أبعادها الثلاثية، وذلك عن طريق تلصيق مواد الكاوجك والورق والخشب وحتى التراب والطين وأجزاء من الزجاج، هذه من الناحية العامة للإستخدام، لكن حسب إطلاعي على أعماله ألفنية، استخدم بعض تلك المواد ولم يستخدم بعضها من الأجزاء المتروكة والمقطعة في لوحاته الزيتية، وإنما بطريقة الخبرة التكنيكية الديناميكية بالمواد العامة الرئيسة كا مواد الزيت والاكريليك وحتى المائية.

هنالك تنوعات في اعمال الفنان بلاسم محمد ففي التطبيق المهاري لفن الكرافيك يحتاج إلى خبرة حرفية خاصة، أشبه بالصناعة اليدوية ألتي تتضمن محتويات الأسرار. ومنها مواد الكاوجك والبرونز واليثوغراف والنحاس ألذي يستخدم الحفر به بأدوات اليد المباشر.اما من حيث تطبيق وإضافة تلك المواد فهي بلاشك في أعمال الفنان بلاسم محمد الكرافيكية الخاصة، سواء في مرحلته الدراسية أو ما بعدها. وكما هو معروف إن الليثوغراف هي خامة رائعة في إنتاج الرسوم، حيث تعطى نتيجة مماثلة تقريباً للرسوم المنفذة مباشرة على الورق لدرجة صعوبة التفريق بينهما. ويتم عمل الرسم على قطعة الليثوجراف التي يتم تحضيرها بدقة للحصول على سطح ناعم ويستخدم طباشير ذو خاصية دهنية (زيتية) ومتدرج النعومة، ويتم معاملة هذه الخامة بحذر، لكي لا تعطى آثار للأصابع على الرسم، ويقوم الفنان بمعالجة قطعة الليثوجراف بمحلول الصمغ العربي وبعض حمض النتريك.

من اعمال الفنان بلاسم محمد

من خلال خوض الفنان بلاسم محمد في البحث ألذي إرتبط بإختيار المنهجية السيميائية، نجد أن أعماله ألفنية التعبيرية يتم تحليل أستنتاجها بمضمون ودلالات فكرية متمثلة، (بالسيميائية). أي أن لوحاته أكملت خارطة التعدد الدلالي في الرسم العراقي المعاصر. علماً بأن المنهجية (السيميائية) هي إحدى مناهج النقد الفني الحديث، وهي في الأصل ضمن مناهج النقد الأدبي. ومن خلال إطلاعي الواسع على مناهج النقد الفني، فإن السيميائية تعني (العلامات) وألتي تنقسم إلى ثلاثة أجزاء :

الدلالات: وهي العلاقة بين العلامات والادلات والمعنى.
التركيبية: وألتي تتم من خلال العلاقة بين العلامات والتكوين.
التداولية: وألتي تعني العلاقة بين العلامات ومستخدميها (الناس).

فعندما يتحول الون في اعمال الفنان بلاسم محمد ومساحة ونقاط وحروف وخطوط، لابد من شيء ما يوضعها ويحدد تكوينها الكلي، وتصبح القماشة الأرضية المسرحية التي ستجري عليها خيول الأفكار والألوان ، هذه اللوحة مكانيا هي ذات أفق تنظيمي ومخطط وموزع دراميا بين أجزائها ومساحاتها وعبثا نتصور أن المسرحة شيء اعتباطي لذلك يلجأ الفنان قبل بدء الرسم بتحديد مساحة قماشته، وقد يؤطرها قبل البداية. فالمساحة التي تتصاهر عليها الألوان معبرة عن فكر الفنان والمشاهد معا، وأما الألوان فهي المجالات المحسوسة التي تتداخل ألوانها ونسبها مكونة نسيجا ذاتيا لا يعرف أحد غير الفنان تراكيبه، فيما الخلطة خلاصة لرؤية الفنان في توظيف حساسيته الجمالية لاستخراج اللون المناسب لفكرته، وهناك الفنان، الذي يعيد خلق كل هذه المكونات ويصهرها في بوتقة فنية فكرية، لاستنباط رؤية جمالية للعالم. كل هذه التركيبة العجيبة من الألوان والمواد والفنان والأفكار توضع على سطح اللوحة، ويبقى على الفنان تشكيل الكيفية التي يصنع منها تكوينات قابلة للتأويل.

من اعمال الفنان بلاسم محمد

ويبدوا إن اختيار الفنان بلاسم محمد إلى المنهجية السيمائية كونها تعتمد على الفقرات الثلاث ألتي تم ذكرها بطريقة مفتوحة ومرتبطة بدلالات المعنى وايحاءاتها الضمنية بخلاف البنيوية ألتي تتم خطوات تحليلها من الأجزاء إلى المحصلة الكلية للتكوين, فضلاً عن اقتصار بعض المناهج الأخرى ضمن نطاق التاريخية، أو التفكيكية، أو الانطباعية، أو السايكلوجية، وحتى التكاملية، برغم جمع تنوعاتها المنهجية، إلا إنها قد تولد جانب من التضاديات المتصارعة والمتناقضة في سلوك التفسير والتحليل والحكم النهائي للأعمال ألفنية.

لا تعليقات

اترك رد