الأهل بين الوهمِ والخيبة

 

تُخبرنا مشاهد الطبيعة من حولنا، بأن الأرض المعطاءة إن صُبّ عليها ماء السماء، استقبلته بترحاب حتى تعطي في الغد الثمار حيناً وتخزّن الباقي لأيام الجفاف أحياناً، والإنسان كذلك الأمر ينهل من قنوات العلوم والمعارف وتُرع الثقافة، حتى تغدو المغروفات بمثابة مستودعاتٍ حِكمية تكون مصدراً لعونه عند الحاجة، وتنير دربه في قادمات أيامه، ولكن ينبغي أن لا ننسى أيضاً بأن الأرض الصلدة قلّما تستفيد من مياه الأمطار مهما جادت السماء عليها بالقطرات، وكذلك بعض الناس حالهم حال الطبيعة الصخرية من حولهم بخصوص الغَرف من مناهل المعارف، فقد ترى بعضنا يتفاخر بما تلقفه، ويتحدث كثيراً عن الذي بلعه، ولكن بعد حينٍ يظهر للمحيط والخلان، بأن حالنا أو حاله مع مشارب العلوم كان كحال مَن جاء وصفهم في أغنية الفنان سعد البياتي “يا زارعين الريحان حول خيامنا” وحيث جاء في إحدى مقاطعها “لا كل مَن طلب السعادة نالها… ولا كل مَن قرأ الكتاب فهيمُ”.

إذ بخصوص نيل السعادة التي جاء في صدر البيت الشعري، فثمة أشخاص تكون أسباب السعادة طوع بنانهم، ولكن تأرجحم على أمواج الرغبات وعدم الاستقرار النفسي والعقلي والعاطفي لديهم قد يدفعهم لقطع الفيافي والبحار للبحث عما يوازي ما كان بحوزتهم، بالرغم من عدم حاجتهم إلى تلك المغامرات إن امتلكوا شيئاً من آيات الرضى.

وآخرون قد يدفعهم الجشع إلى التعلق بما لا يمتلكون أو ما رأوه في متناول الغير، وصار شغلهم الشاغل الوصول إليه بالطرق المشروعة وغير المشروعة، وبما أن الطرق المشروعة عادةً ما لا تُحقِّق للشخص الجشع مبتغاه بسرعة البرقِ، لذا يلجأ إلى كل الوسائل اللعينة حتى يحقِّق ما وضعه في البال، سواءً أكان المقصود مال أو سلطة أو انثى، إلاّ أن طُرقه الملتوية عادةً ما تأخذه إلى زواريب لم يتوقعها دوسها مِن قبل، وحتى إن حقّق ما كان مهووساً به سرعان ما يكتشف بأنه لو امتلك التصور الذي صار إليه فيما بعد، لما سلك كل تلك الدروب من أجل غاياتٍ لا تستأهل الدوس على الذات أو الأهل أو القيم حتى يصل.

وثمة مَن سعوا ليل نهار لكي ينالوا مبتغاهم في المغتربات، عسى أن تتذوق أبدانهم مِن أقداح السعادة في الأماكن التي جهدوا للوصول إليها، إلاّ أن الفرحة بعسل الوصول لم يدم ببعضهم شهراً واحداً لا أكثر، فمنهم مَن فارقوا الحياة بعد أن وطأت أقدامهم باحات الفردوس المأمول، بعد فترةٍ وجيزة جداً وحتى قبل التعّرف على أجنحة ذلك الفردوس، ومنهم مَن أُصيبوا بعللٍ لم يكونوا قد عرفوا عنها شيئاً قبل ذلك الانتقال الميمون.

أما حيال عجز البيت الشعري أعلاه، فأحسب بأن الكثير ممن يمموا وجوههم صوب المغتربات كان قولهم الجامع والقاطع؛ هو أنهم يتوجهون إلى تلك المرابع ليس من أجل خلاص الذات، ولا من أجل التنعم بمباهجها، ولا من أجل التمرغ في حضن خيراتها، ولا من أجل ارتياد أماكن ما كان ليرتادها الواحد منهم قط إن بقي في بلاده، إنما كل تصريحاتهم كانت تقول بأن اغترابهم كان من أجل تأمين مستقبلٍ مشرقٍ لأولادهم، وربما بهدف الاستفادة اللاحقة منهم سواءً في المجال الاقتصادي أو في مجال تحصيل العلوم، حيث أنهم فكروا بكل تلك الجوانب التي تدغدغ رغباتهم، إلاّ الخيبة الكبرى فلم يقيموا لها وزنا، علماً أنها غدت الكفة الراجحة لدى مئات العوائل إن لم نزد الأصفار الإضافية أمام المئة.

واللافت في هذا الموضوع، هو أن أغلب من قالوا بأننا نرسل أولادنا لتلك المرابع، أو نقصدها برفقتهم بدواعي تأمين المستقبل لهم، هم من فئة المتعلمين، أو ممن لهم علاقة ما بالأمور الثقافية، وذلك لأن أهل الثقافة والعلم أوّل من ينتبهون إلى أهمية الحياة ويعنيهم الرفاه وملذات الدنيا، لذا يسعى الواحد منهم جاهداً لتحقيق مراده، إما بنفسه، أو من خلال أولاده، تصوراً منه بأن الأولاد سيحققون له ما كان قد فشل هو في تحقيقه، أو التعويل عليهم في إنجاز ما لم يستطع هو إنجازه في دياره.

وبما أن حديثنا ما يزال عن الأولاد ومستقبلهم المرتبط بسعي أهاليهم، لذا يؤسفنا القول بأن البعض منهم غدا حالهم كحال من ذكرهم البياتي في سياق اُغنيته، باعتبار أن أغلب من تعاطوا الشأن الثقافي قرؤوا لجبران خليل جبران، وحتى الذي لم يقرأ لجبران، فعلى الأغلب يكون قد استمع إلى أُغنية “المحبة” التي غنتها السيدة فيروز، وحيث تضمنت الأغنية أبيات “جبران خليل جبران” المتعلقة بالأولاد الذين ما من ضماناتٍ تؤكد بأنهم في الغدِ سيكونون لنا أو لهم في تلك المرابع، إنما هم أبناء المجتمعات التي يترعرعون في ظلالها، أبناء الثقافات التي غرف من تُرعها الأولاد منذ الصغر، أبناء الدول التي صُرفت عليهم الأموال، وساهمت في بنائهم منذ أن كانوا براعم إلى أن صاروا شبابا، وجبران للمتتبع سيرته الحياتية عندما ألّف القصيدة كان يعيش تفاصيل حياة المجتمع الأمريكي، ولم يقل تلك الكلمات إلا بناءً على ما شاهد وسمع وعايش.

وبالنسبة لمضمون تلك الأبيات فقد يرى الشرقيُّ التائق للانعتاق من أواصر العائلة والعلاقات الاجتماعية، والذي يأخذ ملهوفاً بنصف المعنى ويتجاهل النصف الآخر، بأن مقصد جبران كان قائم أساساً على انتقاد المفهوم الشرقي وعلاقة الأب فيه مع الأبناء، والذي يجعل من الأبناء توابع للآباء وصورةً لهم، باعتبار أن جبران نفسه عاش علاقة غير سليمة مع والده.

بينما من يقرأ الوجه الآخر من المضمون فيرى بأن جبران رغم البُعد الزمني بيننا وبينه، إلاّ أنه كان متقدماً على الكثير من أبناء هذا العصر بمدة زمنية طويلة جداً، باعتبار أنه كان من وقتها يُلاحظ آثار التفكك الأسري والمجتمعي والقطيعة العائلية في الغرب، لذا وعبر تلك الفقرات من ذلك النص الذي جاء في كتاب “النبي” انتقد جبران المفهوم الغربي للأسرة، المفهوم الذي يحرض واقعياً على الانفصال الكلي والتام بين الآباء والأبناء؛ ويشتت شمل العوائل، ويأخذ الأولاد من أهاليهم وهم صاغرون، وطبعاً ليس من خلال الخطف والعنف والإكراه، إنما بناءً على أعراف ونواميس تلك المقاطعات، وذلك بخلاف ما تصوره الكثير من مواطني الشرق، الذين اعتقدوا واهمين بأن أولادهم سيبقون أولادهم كما كان الحال معهم في بلدانهم، ولن يكونوا أولاد المجتمعات التي احتضنتهم وأطعمتهم وغذّتهم بأفكارها وتصوراتها وقوانينها، ودمغتهم بطبائع الحياة فيها.

لا تعليقات

اترك رد