هل تسمح أمريكا بمنح إيران موطئ قدم دائم للصين … لتقويض التفوق الاستراتيجي الأمريكي في الخليج ؟

 

وافقت الحكومة الإيرانية على مشروع اتفاق مدته 25 عاما مع الصين حول التعاون الاقتصادي والسياسي، ما اعتبرته إيران لحظة فخر للدبلوماسية الإيرانية، ولم تكشف إيران عن التفاصيل الكاملة للاتفاق، ولكن حسب تقرير صادر عن مجلة بتروليوم ايكوميست أشار إلى أن إيران مستعدة أن تمنح امتيازات ضخمة للصين، بما في ذلك تخفيضات كبيرة على النفط والغاز، والقدرة على تأخير المدفوعات لمدة تصل إلى عامين والدفع بالعملات الميسرة.
يبدو أن إيران تود أن تحل محل السعودية التي تتصدر موردي النفط للصين ب2.16 مليون برميل يوميا في يونيو 2020، لكن استراتيجية السعودية تهيمن بأربعة مشروعات عملاقة في الصين في قطاعات التكرير والبتروكيماويات التي تمثل أكبر نقلة في سياساتها لتملك الحصص الجزئية أو الكلية، وهو ما يجعل السعودية ليس لديها قلق فيما يخص منافسة إيران لصادراتها النفطية، وقد تستخدم الصين النفط الإيراني الرخيص في تعزيز مخزوناتها من النفط التي تبلغ حتى 29 يونيو 2020 نحو 782 مليون برميل مع امتلاء بنحو 61 في المائة من إجمالي قدرات التخزين في الصين تفوق المخزونات الأمريكية التي انخفضت 10.6 مليون برميل في أسبوع إلى 526 مليون برميل في 29 يوليو 2020.
وفي الاتفاق بين الصين وإيران منح الصين حق السبق للمشاركة في مشروعات البتروكيماويات في إيران، وإذا نفذ المشروع سيجعل إيران تعتمد على الصين بشكل كبير، وستحصل بكين على مصدر من مصادر الطاقة آمن، فضلا عن حصولها على موطئ قدم في الخليج، لكن السؤال هل تقبل الصين أن تهدد التواجد الأمريكي في الخليج أو تقوض التفوق الاستراتيجي في الخليج؟.
وما قدمته إيران للصين لمنافسة بناء الصين قاعدة بحرية وجوية في خليج جيواني في جنوب غرب باكستان على مقربة من الحدود مع إيران وعلى بعد 500 كيلو متر من مضيق هرمز، كما تقوم الصين ببناء ميناء تجاري ضخم في مدينة جوادر التي تقع على بعد 60 كيلو متر شرق جيواني عند نهاية الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني وهو ضمن ممر تصل قيمته 62 مليار دولار والتي تربط ميناء جوادر وهو المحطة الأخيرة لجوهر التاج لمبادرة الحزام والطريق في ممر الصين الذي يربط البر الصيني ببحر العرب.
ولكن حتى الآن لم يتم سوى تنفيذ ثلث المشروع، حيث هناك بوادر من أن الصين على تقليص طموحاتها، ليس فقط في باكستان، بل في جميع أنحاء العالم في كينيا وماليزيا وفي سريلانكا، فهل الصين جادة في تنفيذ الاتفاق مع إيران أم يبقى اتفاق إطاري إذا لم تنفذ مشروعها في باكستان الذي يعتبر تاج مشروعها الحزام والطريق، وحسب مركز التنمية العالمية مقره واشنطن إن ما لا يقل عن ثماني دول بما في ذلك باكستان في خطر كبير من ضائقة المديوينة.
تريد الصين تقليص الإنفاق على الحزام والطريق الذي يكلف الإنفاق عليه نحو تريليون دولار وفقا لتقرير شركة بيكر ماكنزي في سبتمبر 2019 حيث توقف الإنفاق الفعلي عند 75 مليار دولار في 2019، وبلغ إجمالي الإنفاق منذ عام 2014 نحو 337 مليار دولار حتى نوفمبر 2019، وهو ما يقل كثيرا عن طموحات بكين وهو ما يقود إلى سؤال مهم أيضا هل الاتفاق الكبير مع إيران هو من أجل الضغط على الولايات المتحدة من أجل التوصل إلى اتفاقات تجارية متوازنة خصوصا وأننا نجد الصين لا تريد منافسة الولايات المتحدة أمنيا، لكن الولايات المتحدة تتابع الطموحات الصينية بقلق بالغ.
فإذا كانت باكستان تعتبر الواصل بين بحر الصين الجنوبي وبحر العرب فإن إيران يمكن أن تكون من خلال القوقاز عبر الطريق البري إلى أوربا عبر البحر الأسود شريطة أن تسمح لها جورجيا بالوصول إلى موانئها على البحر الأسود، حيث تطمح إيران أن تضخ الصين 280 مليار دولار في اقتصادها، وخاصة في قطاع الطاقة ونحو 120 مليار دولار في البنية التحتية للتصنيع والنقل.
لكن هل يتحقق ذلك إذا لم تنفق الصين على مشروعها في باكستان حتى الآن سوى ثلث قيمة المشروع، وبشكل خاص بعد جائحة كورونا والحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة، فهل يكون الاتفاق للجانبين مخرجا سياسيا مع الولايات المتحدة فقط؟.
حيث رأت إيران في الصين منقذا محتملا ودرعا ضد الضغوط الأميركية المستقبلية بما في ذلك مجلس الأمن الدولي، لكن في نفس الوقت تستخدم الصين الاتفاق مع إيران ورقة ضغط ضد أمريكا من أجل تحسين مواقف تفاوضية بين الجانبين.
وتدرك الصين أن الولايات المتحدة ستتجاوز مجلس الأمن وستمنع إيصال الأسلحة إلى إيران، ولن تستطيع الصين خرق القرار الأمريكي، بل حتى الآن لم تتمكن الصين من كسر العقوبات الأميركية بأي طريقة ذات معنى، والاتفاق على الورق مع تطلعات تجارية لا يعادل تفادي العقوبات، بل هناك عقوبات أميركية ستكون أشد على إيران وكذلك على أي شركة صينية تتعاون مع إيران خصوصا وأن معظم الشركات الصينية لديها شراكات تجارية واستثمارية داخل الولايات المتحدة.
وسبق لإيران أن وقعت اتفاق في زمن الرئيس محمد خاتمي مع روسيا لفترة 10 سنوات ويتمدد كل 5 سنوات وحسب وزير خارجية إيران محمد ظريف تم تجديد العقد حتى الآن مرتين، وتتطلع إيران أيضا إلى توقيع اتفاقية طويلة المدى مع موسكو ولكن موسكو تغض الطرف عن ضرب إسرائيل المواقع الإيرانية في سوريا ورغم الصراع بينها وبين الولايات المتحدة لكن مصالحهما تفوق مصالحها مع إيران.
البعض يشبه الاتفاق بين الصين وإيران باتفاق آخر سئ السمعة بين المصرف البريطاني بارون جوليوس دي رويتر وملك بلاد فارس عام 1872 باعتباره أكبر استسلام لموارد بلد ما وسيادته لمخاوف أجنبية.
بالنسبة للسعودية تدرك أن مثل هذا الاتفاق مجرد اتفاق إطاري تكتيكي من أجل تعزيز إيران موقفها الإقليمي ولن توافق السعودية على أي صلح مع إيران إذ لم تحقق الشروط التي وضعتها الولايات المتحدة بعد التنسيق مع السعودية حتى تجلس إيران على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة لتنفيذ تلك الشروط أهمها وقف النفوذ الإقليمي والتخلي عن دعم وكلائها في المنطقة.

لا تعليقات

اترك رد