سمات الرسم بالتصميم في تشكيلات الفنانة التشكيلية ريما البرغوتي

 

ان الرسم بالتصميم لا يعد امرا مختلفا عن الرسم ذاته بل هو محاولة اخرى للخروج من مشاكل فنية او تقنية غايتها الامساك بملموسات ومحسوسات اكثر تصنيفا ووقعا في نفس الفنان فكانت ولا زالت محورية ذلك أن مجال التخطيط في الفن ومايمثله اتجاه الفنان نحو الرسم التقليدي او الخوض في سحابة الفن الطويلة هو عشق قبل كل شىء ،لذا ان الفنانة التشكيلية (ريما البرغوتي) تتجه في تطلعاتها الى تحقيق الاثر والتأثير في تناولها ما نقرأه من تلقي لتجسيد رمزي ودلالي لا يقتصر في التعبير عنه فحسب وانما باداة العقل او ماديته من اجل التمثيل و محاولة اخرى لا ستبعاد النمط المعروف باسس وتقنيات وعناصر التصميم او خلطها مع بعضها ،فالتحقق والتميز في رسوماتها يتوقف بلا شك على ماهية الاشياء وموضوعاتها كتلك التي عنونتها بلوحاتها (فتاة تحاكي شعرها )(فتاة تحاكي جسدها )(فتاة تتأمل ) (الحياة ) في حين تركت بصمتها في رسمها الاشياء بواقعية الترميز (جذوع اشجار )(حوريات ) (فتيات افريقيا ) (فتاة زنجية ) باستخدامها ريشة ملونة هادئة لا تخلو من الرومانسية ،وهنا ذهبت الفنانة لتقترب بدورها الفكري من دور الفلاسفة فيما ابداه “ارسطو” في التعريف بتقصي الرسم واسلوبه عبر كشفها لكيفيات التمثيل في المنجز الفني مما يتيح للمتلقي الاطلاع على المفاهيم والافكار المؤثرة في طبيعة التشكيل الصوري ومضامينه بعد الارتكاز الى علل وجود الصورة على نحوه الحالي دون غيره ويمكن تحديد ماتبنته

“البرغوتي ” في ازدواجية الرسم بالتصميم في مجموعة تضمنت اسبابها واتضحت بالاتي اولا (مادية الصورة المعبر عنها وهي ماتتكون منها ذات الصورة) اي بمعنى هنالك تخطيط وتلوين للاشكال بحيث يجد المتلقي وقارىء التصميم في لوحات (فتيات تحاكي ) هي قد رسمت بتقنية الابيض والاسود وبتقطيع لا يجسم جسم الانسان بادق تفاصيله وانما مايقترب من الخطوط الخارجية المحيطة بالشكل والتعريف به والتي تبينت هيأته على اساس اظهار بعض السمات واخفاء الاخر منه وكانت سماته واضحة في “بروفايل الوجوه ،تناثر الشعر وتطايره ،ايماءات اليد، ملابس داخلية …) ان المادية كانت في التخطيط بشكل منتظم ويشير الى حالة التقارب بين الرسم وتخطيطه وبين فعل التصميم واسسه .اما ثاني الاسباب فهو ايضا بات مدعاة للوجود في (الفاعلية في ان النساء في الصورة ماهي الا موضوعات جاذبة للمحاكاة في الاغراء والتغنج بدعوى الانوثة والتي رسمت على اساس الرغبة في انها تكوينات لا تصلح الا لدور الازياء او العرض الصالوني او لمؤسسات التجميل وهي اي “الاشكال ” تقوم بفعل الدعاية والاعلان في معطياتها الجمالية وخلق علاقة جدلية بين الرسم بدقة او الرسم بدلالة الرمز وبالتالي تسهم في رفد الساحة الفنية والتجارية بمزيد من ظهور الرؤى والافكارالتي اصطبغت بها بنية الرسم الكلاسيكي او الواقعي في الاتجاه )، في حين كان للسبب الثالث وقعه في (الصورية ويعرف دورها بما تعطيه من حضور مشخص ،وصورة المرأة او النساء او الفتاة هي تشكيل تتجه “البرغوتي ” الى اصطحابه في رسوماتها وهو يدعو المتلقي الى التوقف والتساؤل بغية فهمه
فنجد ان حب الظهور ورسم الجنس الواحد لا يعدو ان يكون حب للذات الانسانية التي طمعت الفنانة بتسليط الضوء عليها فجعلت من “الفتاة” موضوعا وليس سواه ،عليه ان هذه التصميمات تعد جهدا فنيا متواضعا تم تقديمه من خلال ماتشير اليه من ملامح لحركات في ظهوريتها تجلت كجسد حقيقي يحاكي الرسم بالريشة واللون ) كما ان السبب الرابع ما يمكن حصره في (الغائية او ما نسميه بالغرض الذي من اجله يتم تحقيق الصورة ، وتعد الغائية من اعلى الاسباب وابرزها ذلك باعتقاد ان الغرض من وراء الصورة هو الدافع الاصلي لبناء المنظومة التشكيلية ،وتأتي اهمية الاسباب مجتمعة في تحديد سمات الاشكال المرسومة كما اسلفنا وسمة الصورة في اللوحة الفنية تعد أثرا وضربا من ضروب الصورة ومصدر العلامة او الرمز فيها ،الا انها تبقى خاصية يمكن الاستدلال عليها في اعمال “البرغوتي” اذ لا وجود
لها بمعزل عن الصورة المحسوسة .

عليه ان تفسير رسومات “البرغوتي” وتشكيلات نماذجها لوحة “جذوع اشجار” مرت بمجموعة خطوات فكرية وموضوعية وتعبيرية بوصفها أثرا فنيا جماليا يعبر عن معاناة الانسان التي اقترنت بوجود المرأة في الحياة ومعاناتها المصورة على الرغم من رسمها لهذه المجموعة من الاشجار التي اشارت بها الى كل ما يدب على الارض ومنها المرأة وتمثل اغلبها الحياة في موتها الاخير او ان نهاية الاشياء هو الموت وتلك حالة لتجسيد الصورة بطابع وسمة كانت بجفاف الحياة وموتها او نهايتها وقد جعلت من كل الاشجار مجرد جذوع واقفة تنتظر سقوطها ،واظهرت ان الاشجار رمز جردته من اشكال الحياة في الغاء مظاهر النمو فيها واوقفت الالوان الخضراء او البيضاء وجعلت من اللون القهوائي والبني اصل وجودها وتركت مساحات الارض او ظلال الاشجار بلون اخضر وهنا دليل مهم على اعتبار ان الحياة لم تتوقف على الرغم من موت الجميع .فالعمل الفني يقوم على الحدس والفهم المباشر لحقيقة المصورة لدى الفنانة وهنا تشير للمتلقي في قابلية الفكرة وسيادة مقوماتها في ظاهرة قل تصويرها .

تمكنت “البرغوتي ” ان ترسم المناظر الطبيعية والبورتريت والاشخاص وتبرز ملامح عدة في تناولها المصورات الانسانية لنساء واطفال افريقيا عبر ما اضفته من لونية معبرة ولباس تراثي لتلك الفئات الانسانية من البشر وكما موضح ازاء ماموضح في لوحتها (امرأة وطفل من افريقيا ) اذ اعتمدت في تصوير الشخصيات على الاصول التي تعيشها من خلاء جاف متيبس يخلو من وجود الشجر او من الالوان الخضراء لتدلل بأن بلدان افريقيا قاحلة يغلب عليها الجفاف ،فالواقع المادي المهترأ هو نقيض الواقع الحضاري المتمدن ،فضلا عن تصويرها المرأة في وقفة استعراضية بجسمها النحيف الطويل ذو السحنة السوداء والشعر الكث المطوق برباط ملون حول الرأس ،تحمل في يدها ايمنى عصى من خشب الاشجار المتيبسة وترتدي زيا تراثيا لا زار شعبي بني شفاف وسمته في حلقات تزيينية على الرقبة والمحاجل من الارجل والخصر والزند والمعصم ذي الوان حارة من الاحمر والاصفر ،كما حجلت ساقها اليمنى برباط حمل كرات مرصوصة تشابه “الحجل” وهو ماتضعه النساء لتزيين اسفل الساق ،حيث خلت اقدامها من اي غطاء واقي وبدت حافية القدمين ،في حين كان الطفل الذي يقف الى جانبها “صبية” ترتدي ازارا اخضر اللون تحمل بين يديها عصاى صغيرة ولا تختلف الصبية عن المرأة في السمات والملامح الافريقية .

اما في لوحتها “فتيات الموسيقى او حوريات ” كان عالم الخيال والحقيقة في سردق واحد لما لهذين العالمين من حضور في اللوحة حيث تناولت “البرغوتي” امرأتان تجلسان الى ربوة في جدار موشى بالطوب “الطابوق ” اقتربت المسافة بينهما ،صورت احداهن تجلس الى الارض نصفها الاعلى بشري والاخر السفلي حيواني كأنه ذنب سمكة ، تحمل الة الكمان الموسيقية بين يديها في حالة انتشاء واستمتاع تعزف عليه ،اما الفتا الاخرى ايضا كانت في حالة استمتاع وسماع لما تعزفه سابقتها ،ونعتقد ان الفنانة استدعت هكذا تكوين انشائي لتمثيل اختين او صديقتين من النساء اضفت عليهن سمة الحوريات كونهما ملائكة تعيش في البحار البعيدة او الجنان ،وهنا تبدو الفكرة انها أخذت من الواقع الحياتي الممتزج بالخيال نوعما غايته ان تكون الغرضية هدفا لتمثيل الصورة والتي اتخذتها من عالم طفولتها او عالم اسرتها وبالتالي انها تصور كل ما تقع عليه عنايتها حتى المعاناة والالم والفقر والمأساة والموت وعدت من حواضر مرسومات الفنانة التي شغلت افكارها في التعبير المصور والملون بذات الوقت ، عليه ان الرسم بالتصميم والتلوين يعزى في تصويرها الحقيقة وكذلك البساطة الشكلية الواضحة في المعنى مما يؤكد قراءته بسهولة فضلا عن ان الرسم موافقا لمواضيع في التصميم .

لا تعليقات

اترك رد