اوباما والازمة السورية ،،، “تمرد دبلوماسي” داخل الخارجية الامريكية ، احتجاجاً… ام سيناريو جديد ؟!

 
اوباما والازمة السورية ،،،

نشرت صحيفة نيويورك تايمس الامريكية في السادس عشر من هذا الشهر فقرات من عريضة وقعها اكثر من خمسين دبلوماسي أمريكي من درجات رفيعة ومتوسطة ممن يعملون على الملف السوري او في الادارة التي يقع هذا الملف ضمن اختصاصها وهي دائرة الشرق الدنى . هذه العريضة رفعت عن طريق مايسمى ” قناة الاعتراض ” التي تم تأسيسها خلال حرب فيتنام للسماح للموظفين ممن لديهم اعتراضات على سياسات الادارة بتقديم اعتراضاتهم دون ان تترتب على ذلك نتائج تخص موقفهم المهني .

فيما يلي اهم ماورد في العريضة كما أوردتها الصحيفة :

ان السياسة الامريكية قد أحبطت بسبب العنف الذي لا يهدأ في سوريا وانه يمكن التعامل بحكمة مع حالة عدم حسم الموقف الحالية مع توجيه ضربات جوية بما يؤدي الى زيادة تركيز وتقوية الدور الامريكي في عملية دبلوماسية تقودها الولايات المتحدة .

اشارت العريضة الى ان قيام الأسد بخرق الهُدَن قد أدى الى احباط جميع الجهود الدبلوماسية لحل الأزمة لان الأسد لا يشعر باي ضغط يجبره على التفاوض مع المعارضة المعتدلة او أطراف النزاع الاخرى ؛ ان المبرر الاخلاقي لاتخاذ خطوات تقود الى انهاء الموت والمعاناة في سوريا ، بعد خمس سنوات من حرب وحشية ، واضح وغير قابل للتساؤل .

ان استمرار الوضع القائم في سوريا سوف يستمر في إفراز تحديات رهيبة وربما كارثية على المستوى الإنساني والدبلوماسي وما له صلة بالارهاب .

ذكر الدبلوماسيون انهم لايدعون الى تدخل عسكري قد يقود الى مواجهة عسكرية مع روسيا رغم ان الاخيرة قد تدخلت عسكريا في سوريا وقامت مؤخرا بتصعيد الموقف ضد الولايات المتحدة بقصفها مجموعات معارضة مدعومة من الولايات المتحدة وهي تحارب تنظيم الدولة الاسلامية .

أشار الموقعون الى انهم لا يدعون الى انزلاق قد يقود نحو مواجهة عسكرية ولكن باتجاه يتضمن تهديدا عسكريا ذو مصداقية لدفع الأسد للقبول بتسوية ، وعندما يوضع هذا التهديد على الارض يقوم السيد كيري بالتحرك دبلوماسيا على غرار تحركه في الملف النووي الايراني .

حسب العريضة فان الأسد يعيق وصول المعونات الانسانية كما انه لإيلتزم بوقف إطلاق النار الذي بدا في ميونيخ الشتاء الماضي .

يؤكد الموقعون ان عملا عسكريا ضد الأسد قد يساعد في قضية الحرب ضد تنظيم الدولة الاسلامية لانه سيدعم موقف السنّة المعتدلين الذين يشكل تحالفهم ضد هذا التنظيم أمراً ضرورياً . ( انتهى )

تشير صحيفة نيو يورك تايمس الى ان هنالك مسؤولين كبار يشاركون المعترضين رأيهم بما في ذلك الوزير كيري الذي كان يدفع باتجاه موقف أقوى ضد النظام السوري لإرغام الأسد للقبول بتسوية دبلوماسية الا ان اوباما يذهب باتجاه اخر في قراراته وموقفه مدعوما من قبل مستشاريه العسكريين .

من حيث الشكل فانه ليس من غير المألوف في الخارجية الامريكية قيام موظفين دبلوماسيين بالاعتراض او تقديم آراء مغايرة للاتجاه العام لسياسة الادارة ؛ في عام ١٩٤٦ وكانت الحرب الباردة لم تتبلور بعد كستراتيجية ورأى البعض ان ترومان لا يبدي من الحزم قدرا يضع حدا لتمادي ستالين وقد قام موظف في السفارة الامريكية في موسكو يدعى جورج كينان ، وهو من ذوي الخبرة الطويلة بالشان السوفيتي ، بتوجيه ما عرف في تاريخ الدبلوماسية الامريكية بالبرقية الطويلة ضمنها تحليلا فلسفيا سياسياً لسياسات الاتحاد السوفيتي اصبحت فيما بعد نوعا من دليل عمل في رسم مجمل الاستراتيجية الامريكية خلال فترة الحرب الباردة ؛ وخلال حرب البلقان في التسعينات قام حوالى عشرة موظفين بتوجيه اعتراض من ثلاثين صفحة حول سياسة بلادهم من الأزمة في البلقان وجرى تسريبها للإعلام مما اثار انزعاجا كبيرا في حينه لدى وزير الخارجية وكبار المسؤولين في الادارة . هذا التقليد اذن معمول به ولكن السياق العام هذه المرة مختلف فضلا عن ضخامة عدد الموقعين على الاعتراض .

طالما اثارت تطورات الوضع السوري خلافات حادة داخل أوساط الادارة الامريكية ويكفي ان نذكر ان وزيرة الخارجية كلنتون وثلاثة وزراء دفاع هم غيتس وهيغل وبانيتا قد استقالوا على خلفية تباينات في وجهات النظر مع الرئيس اوباما في عدد من القضايا من أهمها القضية السورية . فما هو على وجه التحديد موقف اوباما من الأزمة ؟!

في اول اجتماع لمجلس الامن القومي الامريكي بعد تفاقم الأزمة وفي أعقاب الأزمة الليبية وضع اوباما عددا من الخطوط العريضة للموقف تجاه سوريا أهمها :

١- ان مسرح الصراع في ليبيا مختلف تماما عنه في سوريا ، ففي الاول كان النزاع يدور في مناطق مفتوحة اما في سوريا فالنزاع يدور في داخل مناطق مبنية ومأهولة .

٢- ان الثوار في ليبيا تمكنوا من توحيد قيادة المعارضة خلال المواجهة على العكس من الحالة في سوريا .

٣- في ليبيا دعيت الولايات المتحدة للتدخل من قبل تحالف قوى غربي قاد التدخل وهذا ليس الحال في سوريا .

٤- الصراع في سوريا يتجه ليصبح حربا طائفية بالوكالة للقوى المتصارعة في المنطقة وليس من مصلحة الولايات المتحدة ان تكون طرفا فيه .

٥- الولايات المتحدة لاتمتلك مصالح محددة يتم تهديدها جراء النزاع في سوريا وان قدرتها على التدخل في الأحداث او توجيهها محدودة .

من جانب اخر كان هنالك ضغط شعبي عالمي لحل النزاع وإيقاف القتل ، فقام اوباما في مايس ٢٠١١ بدعوة الأسد لإيقاف إطلاق النار على شعبه والسماح لمراقبي حقوق الانسان بالدخول الى سوريا ، وفي أب من نفس العام التقى اوباما بزعماء بريطانيا وفرنسا وألمانيا ووجهوا نداءا الى الأسد للتنحي وهي دعوة كررها اوباما بعد ذلك عدة مرات ثم توقف عنها بعد ذلك ؛ ووفقا للسيدة كلنتون فان هذا الموقف كان ناجما عن شعور داخل بعض أوساط الادارة بان الولايات المتحدة ليست في موقف الجاهزية لتقديم دعم مسلح للمعارضة السورية مع ماقد ينجم عن ذلك من تداعيات . تزايدت الضغوط العربية على الولايات المتحدة لاتخاذ موقف أقوى من الأزمة فبادرت وزارة الخارجية وبعمل مشترك مع CIA لإعداد خطة تقضي بتدريب نخبة من المعارضين السوريين وتجهيزهم بالاسلحة الخفيفة للتسريع باسقاط النظام من الداخل رغم القناعة بان ذلك قديحتاج بعض الوقت ؛ حازت الخطة على موافقة البنتاغون وهيئة الأركان المشتركة الا ان اوباما رفضها وكان السبب يعود الى رغبته في عدم التأثير على المفاوضات النووية مع ايران ، التي بدت مؤمِّلة في ذلك الحين ، لان ايران كانت ستبادر للتدخل على نطاق واسع لدعم الأسد وقد يقود التدخل الامريكي الى طريق مسدود في المفاوضات النووية ؛ هذا الموقف أدى لحصول صدع داخل صفوف الادارة لان الخطة كانت تحظى بتأييد جميع الهيئات ذات العلاقة باستثناء الرئيس وفريق الامن القومي ، وأقصى ما ابداه اوباما كاستجابة للضغوط هو زيادة المساعدات الانسانية ودعم جهود كوفي عنان الذي عينته الامم المتحدة مبعوثا لسوريا ؛ هذا يعني ان تقوم الولايات المتحدة بدعم خطة عنان الداعية لتسوية سلمية واهم ما فيها هو بدء مرحلة انتقالية تقوم خلالها حكومة بسلطات تنفيذية واسعة لتأمين انتقال سلمي للسلطة ما يعني تنحية الأسد عن السلطة عمليا مع بدء المرحلة الانتقالية . ورغم الإعلان عن قبول الأسد بالخطة في آذار ٢٠١٢ ، بضغط روسي ، الا انه لم تتخذ آية خطوات تنفيذية للخطة وكان ذلك في نفس الوقت إيذانا ببدء التعويل الامريكي على روسيا لتمارس نفوذها على الأسد لتشجيع حل سياسي عملي وكانت تلك هي المرحلة التي بدا التفكير الجدي فيها لاول مرة بتزويد المعارضة بتجهيزات عسكرية غير ” مميتة ” مثل اجهزة الاتصالات وتحديد المواقع ونواظير ليلية مع الإعلان عن هذه النوايا من باب زيادة الضغط على الأسد وحلفائه للتوجه بشكل جاد نحو تسوية سياسية مع السماح لحلفاء المعارضة الإقليميين بتأمين السلاح لها وفق تحديدات صارمة لنوعية هذا التسليح وربما لايسمح بتغيير جوهري للوضع القائم على الارض .

على هذا المنوال استمرت السياسة الامريكية تجاه سوريا حتى الحادي والعشرين من شهر أب ٢٠١٣ حيث صعق العالم باستخدام السلاح الكيماوي من قبل جيش الحكومة السورية ضد السكان المدنيين وأدى الى مقتل حوالي ١٤٠٠ شخصا من الرجال والأطفال والنساء .

خلال عام ٢٠١٢ ، كما تذكر هيلاري كلينتون في مذكراتها ” خيارات صعبة ” ، اكدت معلومات استخبارية ان الجيش السوري يهيئ أسلحة كيمياوية اضافة الى استخدامها فعليا على نطاق ضيق حول حلب نجم عنها مقتل١٥٠ شخصا مما دفع الرئيس اوباما الى إصدار إنذاره الذي عُرف ب “الخط الأحمر الكيمياوي ” في أب ٢٠١٢ ، وفيه اعتبر ان نقل او استخدام السلاح الكيمياوي خط احمر ويترتب على ذلك خطوات عملية بما فيها عسكرية ضد النظام ؛ تكرر هذا الانذار خمس مرات على الأقل بين أب ٢٠١٨ ونيسان ٢٠١٣ .

أصدرت الخارجية الامريكية موقفها ازاء التطور الجديد مؤكدة انه ” اذا تم الفشل في الرد على هذا العمل فان ذلك سيشجع الأسد على تكرار ذلك …… وان هذه الأسلحة قد تقع بين أيدي الإرهابيين وقد يعمدون لاستخدامها ضدالمدنيين ” ؛ كما اصدر اوباما اوامره بإعداد الخطط اللازمة للرد على ذلك والتي صممت لاستهداف الوحدات و العتاد الكيمياوي والملحقات الخاصة به في ميدان المعركة حصرا وليس المخازن التي تحوي مكونات الترسانة الكيمياوية للنظام مع الأخذ بالاعتبار ان النظام بحد ذاته ليس هدفا رغم القناعة بان مثل هذه الضربات قد تضعف قدراته على البقاء كناتج عرضي . لقد كان الحماس شديدا داخل أوساط الادارة وأيد مجلس الامن القومي توجيه الضربات الجوية ، وسرت روح الحماسة للعمل العسكري لدى الحلفاء مثل فرنسا وبريطانيا رغم ان البرلمان البريطاني رفض إعطاء التخويل لرئيس الوزراء كاميرون بالمشاركة في العمل العسكري المنتظر .

ما اثار الاستغراب هو تعليق صدر عن المستشارة القانونية في البيت الأبيض كاثرين رويملر خلال اجتماع مجلس الامن القومي تقترح فيه أخذ تفويض من الكونغرس بشان توجيه الضربة العسكرية رغم اقرارها ان الرئيس غير ملزم دستوريا بذلك وان كل ما يمكن ان يترتب عن الخطوة الجديدة هو كسب بعض الوقت لامر ما !!

كانت الاستعدادات العسكرية قد تمت غير ان الرئيس اوباما وفي خطوة فاجأت جميع أعضاء ادارته ومستشاريه أعلن نيته طلب تخويل من الكونغرس حول العمل العسكري الامر الذي فتح بابا واسعا للجدال وبدأت حدة الحماسة تهفت ، وفي التاسع من أيلول / سبتمبر ٢٠١٣ أعلن كيري في لندن ، وفي معرض رده على سؤال لاحد الصحفيين حول امكانية تلافي العمل العسكري ، بان الأسد يمكنه تفادي الضربة العسكرية اذا ماتخلى عن ترسانته العسكرية وتسليمها للمجتمع الدولي ؛ هذا التصريح الذي وصفه ناطق باسم الخارجية الامريكية بانه نوع من البلاغة الخطابية واعتبرته هيلاري كلنتون نوعا من الارتجال اعتبره الروس عرضاً دبلوماسياً جاداً وأبلغوا الأمريكان قبول الأسد بعرضهم ؛ انتهت الأزمة بقبول الأسد التخلي عن ترسانته الكيمياوية ، وفي نيسان ٢٠١٤ كان معظم الترسانة قد تم اتلافها او نقلها خارج سوريا .

هذا الموضوع اثار غضبا عارما داخل أوساط الخارجية الامريكية كما اثار امتعاض الوزير كيري الا ان الرئيس اوباما أوضح موقفه في اكثر من مناسبة وأكثرها تفصيلا ما ذكره للصحفي غولدبيرغ صاحب المقالة المطولة في مجلة ( Thé Atlantic ) تحت عنوان ” عقيدة اوباما ” ؛ أشار اوباما الى انه كان يخشى ان يقوم الأسد باستخدام المدنيين كدروع بشرية وان هنالك فريقا من المفتشين الدوليين يقومون بالعمل على الموضوع ميدانيا ولم يرغب في تعريضهم للخطر ولعل العامل الأهم ، حسب اوباما ، هو ان هدف العملية لم تكن الترسانة الكيمياوية نفسها اي انها ستظل بحوزة الأسد الذي قد يتمكن من احتواء الضربة والظهور بعدها بمظهر المنتصر لانه تمكن من البقاء رغم الضربة الامريكية . كما ذكر اوباما ايضا انه جاء الى الرئاسة وفق وعد بان يكون الرئيس الذي يُطفئ الحروب لا ان يشعلها ، اما الصحفي المشهور غولدبيرغ فقد أشار الى هواجس كانت تنتاب اوباما بانه ربما كان ضحية استدراج للتورط والانزلاق في المستنقع السوري .

ما من احد في وزارة الخارجية الامريكية شارك اوباما وجهة نظره بما في ذلك الوزير كيري الا ان السيدة كلنتون ، وهي التي تولت اعلان تاجيل الضربة ، تصادف وجودها في البيت الأبيض لامر اخر لانها كانت قد تركت منصبها الرسمي آنذاك ، تشير في مذكراتها الى الجانب الإيجابي في الموضوع باعتبار ان سوريا بتخليها عن الترسانة الكيمياوية تكون قد أزاحت تهديدا مهماً عن رؤوس المدنيين السوريين و ” اسرائيل ” رغم انها كانت من المتحمسين لتوجيه الضربة العسكرية !!! وفي الفترة الاخيرة زال الغموض واصبح الموقف واضحا فقد كشف السفير الاسرائيلي السابق في واشنطن مايكل إنرون ان اسرائيل كانت تقف خلف المقترح الذي تم تمريره للروس اولا ويبدو انهم تدارسوه مع الأمريكان عبر قنوات ما ، ثم جاء سيناريو مبادرة كيري ليواجهه الروس والسوريون والإيرانيون بالقبول وليتم بعدها إتمام السيناريو ، وكاتبه الأصلي متوارٍ خلف الستار ؛ ويعزز هذا الفهم للموضوع ان رئيس الوزراء نتنياهو اعتبره نقلة ستراتيجية في الموقف العام لصالح اسرائيل ، وهكذا تمت التضحية بسلاح التوازن الستراتيجي لصالح بقاء الأسد على كرسيه وجاءت بعد ذلك قصائد المدّاحين لتصور الامر انتصارا سياسيا بل ان شريف شحادة النائب العلوي في مجلس الشعب اعتبره ازاحة لِلهَم الكيمياوي عن قلب سوريا لان الأسلحة الكيمياوية لم تعد أسلحة ردع ، فتغيرت قواعد الستراتيجيات العسكرية لتناسب بقاء الرئيس الأسد رئيسا لإدامة موقف “الممانعة” .

في تطورات الوضع في سوريا يمكن اعتبار ان هذا الحدث هو الأهم بالنسبة لإدارة اوباما فيما عدا ذلك لاتعتبر هذه الادارة ان هنالك مصالح حيوية تهددها الحرب الأهلية المستمرة التي حصدت مئات الآلاف من الأرواح ، الا ان تطورات اخرى قادتها الى إعطاء الموضوع مزيدا من الاهتمام وهي بالتحديد ظهور تنظيم الدولة الاسلامية واجتياحه مناطق واسعة من العراق وسوريا وتهديده جديا العاصمة العراقية بغداد اضافة الى أربيل واجزاء هامة من المناطق الكردية في البلدين ، فقامت بدعم المليشيات الكردية بالسلاح والخبراء اضافة الى الضربات الجوية ضد مواقع التنظيم كما عملت على تجنيد بضعة عشرات من عناصر الجيش السوري الحر لتشكيل وحدات سورية من المعارضة مستعدة لتوجيه سلاحها حصرا نحو تنظيم الدولة وتأجيل مواجهتها مع النظام ، لكن الدعم الامريكي للأكراد ازداد بشكل ملحوظ تحت ذريعة كفاءة الأكراد في مواجهة تنظيم الدولة الاسلامية وصلت حد التغاضي عن قيام وحدات حماية الشعب بجرائم تطهير ضد السكان العرب شمالي سوريا في محاذاة الحدود مع تركيا . وهكذا وصلت تجربة تسليح المعارضة العربية الى طريق مسدود رغم كلفتها المادية العالية التي بلغت نصف مليار دولار ؛ على الارض عاد عناصر هذه المعارضة الى توجيه سلاحهم لقوات النظام لان معركة داعش هي تحصيل حاصل بالنسبة لهم طالما ان الاخيرة تصنف الجميع في خانة الأعداء .

في سبتمبر ٢٠١٥ جاء التدخل العسكري المباشر والكثيف لروسيا تحت ذريعة محاربة تنظيم الدولة الا ان معظم ضرباته الجوية كانت تستهدف قوات المعارضة خاصة بعد تقدمها وسيطرتها على أدلب وشروعها بنجاح واضح في معركة السيطرة على سهل الغاب وقد بدت الأمور وكأن النتائج ستحسم قريبا لصالحها لولا التدخل الروسي الذي لم يواجه بأية اعتراضات أمريكية جادة بل على العكس اتسمت المواقف الأمريكية بالإعراب عن الرغبة في التنسيق مع الروس والعمل سويا لانجاح جولات المفاوضات العبثية في جنيف ، ورغم ان مبادرة مشتركة بين الطرفين قد أطلقت في ميونخ الشتاء الماضي الا ان ضغطا حقيقيا على الأسد لم يتم من اجل دفعه للتفاوض الجاد وكان اداء وفده للمفاوضات يتسم بقدر كبير من العجرفة بل وعدم مراعاة ابسط أصول التعامل المؤدب المتمدن مع الخصوم .

بالإجمال بقيت الأوضاع منذ بدء التدخل الروسي حتى هذه اللحظة جامدة باستثناء تقدم للنظام هنا وهناك دون حسم للموقف كما لم يتم الالتزام بوقف إطلاق النار من قبل القوات الحكومية او الروسية كما لم يتم السماح لقوافل المساعدات الانسانية بالدخول الى السكان المحاصرين منذ سنوات . هذا الوضع اصبح موضع حديث متكرر على لسان الناطقين بلسان المنظمات الانسانية الدولية والمبعوث الدولي للازمة السورية السيد دي مستورا .

خلاصة الموقف الامريكي هو الجمود ، عدا الدعم الواضح للأكراد ، رغم انه الوحيد الذي بوسعه عبر تدخل فعّال بدبلوماسية مسلحة وضع حد للازمة وانهاء معاناة الشعب السوري وفق تسوية باي اتجاه ، الا ان امريكا لاتبدو راغبة في لعب هذا الدور رغم دواعيه الاخلاقية التي توجبها ادعاءات امريكا المتكررة بالزعامة العالمية وهو حديث له مايبرره بل ان الرئيس بوتين أقر قبل يومين بمثل هذا التصور عن امريكا التي وصفها بالقوة العظمى الوحيدة فما الذي يمنعها من ذلك ؛ وما عدا ما بدا لكي تتحرك ضمائر اكثر من خمسين دبلوماسي أمريكي وتدفعهم لرفع العريضة التي هي موضوع بحثنا ونشرها على الملاٌ دون ان تثير انزعاجا لدى الوزير او الادارة التي أعرب الناطق بلسانها تفهما لها دون تغيير في الموقف الرسمي المعلن ؟!

لا اجد جوابا واضحا ولكن يقفز الى ذهني دوما نص ورد في تقرير أعده فريق من كبار الداعمين لاسرائيل من الأمريكان مزدوجي الجنسية برئاسة دوجلاس فيث الذي سيُصبِح وكيلا لوزارة الدفاع الامريكية اثناء غزو العراق ومعه شخص اخر من معدي التقرير هو ريتشارد بيرل الذي كان يعمل مستشارا لنتنياهو ثم سيُصبِح رئيسا لهيئة التخطيط في البنتاغون خلال نفس الفترة ، الاول دخل وزارة الدفاع وتحت إبطه مخطط ” اجتثاث البعث ” وهو من الناحية العملية اصبح اجتثاث العراق من خارطة توازن القوى في منطقة الشرق الأوسط ؛ اما التقرير فقد حمل عنوانا مشهورا هو ( A Clean Break : A New Strategy for Securing the Realm ) وقُدِّم للعالم عام ١٩٩٦ باعتباره ثمرة دراسة لمجموعة بحثية لإعداد ستراتيجية إسرائيلية للألفية الثانية ؛ تم في العراق لاسرائيل ما ارادت وفق التقرير بتواطؤ إيراني بات اليوم معروفاً وموثقا للمتابعين ، والدور التالي وفقا للتقرير ذاته هو على سوريا التي يهدف التقرير الى” اضعافها وبالتالي تهديد وحدتها الاقليمية” وحصة اسرائيل واضحة في نهاية المطاف ؛ في العام القادم ستكون قد مرت خمسون عاما على الاحتلال الاسرائيلي لهضبة الجولان وقد أفلحت اسرائيل حتى الان بجعل هذا لاحتلال أمرا واقعا لايتعرض للنقاش كثيرا .

هل يمكن النظر لعريضة الدبلوماسيين الأمريكيين في إطار الموضوع ذاته ؟!

اذا ما نظرنا الى الطريقة التي تم فيها نزع السلاح الكيمياوي والدور الأساسي الذي لعبته اسرائيل ، والذي لم يفتضح الا مؤخرا ، فانه من غير المستبعد ان يتكرر ذات السيناريو في موضوع الجولان ، اي مقايضة كرسي السلطة بالجولان . في موضوع الكيمياوي قبل رئيس الدولة الأعظم ، ولأجل عيون اسرائيل ، بالتضحية بمصداقيته وسمعته كرئيس قادر على اتخاذ قرارات حاسمة … فما الذي يمنع امريكا من القبول بتكرار ذات السيناريو مع قضية اكبر واهم بما لايقارن ؛ مايشجع على هذه الرؤية ويثير القلق عدد من الأمور أهمها :

١- هنالك بوادر تنسيق روسي أمريكي حول مجمل الوضع السوري ويتردد ان الزيارة المفاجئة لوزير الدفاع الروسي هدفها ابلاغ الأسد للتهيؤ لايام صعبة لان التعهدات الامريكية بعدم التعرض لوجوده في السلطة على المستوى العملي على الارض عمرها من عمر ولاية الرئيس اوباما ولا احد يضمن ماهو موقف الرئاسة القادمة التي من المرجح ان تكون من حصة السيدة كلنتون وهي من دعاة التشدد مع الأسد .

٢- على مستوى العمليات العسكرية بدات قوات المعارضة المسلحة بتحقيق تقدم في عدد من المناطق وخاصة في ريف حلب وفي الجبهة الجنوبية ضد قوات الجيش الحكومي ومن الواضح ان وجبة من الأسلحة النوعية الامريكية قد ظهرت في الميدان .

٣- التظاهرة التي قام بها نتنياهو من خلال عقد اجتماع لمجلس الوزراء في الجولان والتباهي بذلك بشكل غير مالوف ثم إعلانه انه سيبحث موضوع اعتراف المجتمع الدولي بضم الجولان الى اسرائيل رسميا وانه سيبدا مع الروس .

٤- اعلان جون كيري قبل ايام قليلة ان صبر امريكا على اختراقات الأسد لوقف إطلاق النار له حدود ، وإعلان تأييده لما ورد في عريضة الدبلوماسيين الأمريكان رغم تأكيده ان تغييرا على السياسة الامريكية غير وارد في الوقت الحالي .

كل ذلك يوحي ان هنالك طبخة جديدة يتم في نهايتها استيفاء مزيدا من أثمان البقاء على عرش سوريا يدفعها الأسد ، وليس هنالك في المنظور ما تبقى في سوريا غير الجولان ، ولن تعوز النظام تبريرات مناسبة لذلك ؛ ان الذي اعتبر تسليم السلاح الكيمياوي نصرا لن يتردد من تكرار ذات الأسطوانة القديمة : مخطط الأعداء هو نظام الممانعة وبقاؤه هو جوهر النصر ، والتضحية بشيء من الارض لتفادي ضياع الكل مع سقوط نظام الممانعة هو النصر بعينه لان المهم ان تستمر المعركة مع العدو الصهيوني ولو بقول ” لا ” وهو اضعف أشكال النضال ، ولكنه نضال .. وتبقى القضية حيّة وما ضاع حق وراءه مُطالَب والعبرة في الأمور بخواتيمها …. ولن ينتهي قاموس الممانعة حتى لو كان على أنقاض اوطان باكملها قادت اليها شهوة حاكم لكرسي السلطة لانه مبعوث القدر .

عريضة الدبلوماسيين الأمريكان هي المشهد التمهيدي للسيناريو القادم والايام لناظرها قريبة !!

3 تعليقات

  1. Avatar حسن متعب

    ايضا جهود كبيرة ورائعة في اعداد هذا المقال المهم والذي يلقي الاضواء على الاحتمالات المتوقعة في الوضع السوري قريبا.. تحياتي استاذ فائز السعدون

  2. Avatar غسان العسافي

    مقال و تحليل رائع كالعادة استاذنا العزيز. السؤال الذي يطرح نفسه دائما. هو مقارنة كيفية تعامل المجتمع الدولي و بالذات الامم المتحدة و روسيا و اميركا مع كل من موضوعي العراق منذ عام ١٩٩١ و حتى الاحتلال. و الوضع السوري خلال السنوات الخمس الاخيرة. نحتاج الى دواسة و تحليل معمق لذلك. تحياتي و تقديري.

  3. Avatar هشام عبد الرزاق

    تحليل ممتاز لما يجري في سوريا ، وتوقعات لها مصداقية منظورة في الأفق القريب ! أحسنت أخي الأستاذ فائز السعدون على هذه المقالة الرائعة والممتعة حقاً ، مع أطيب تمنياتي لك بالتوفيق والمزيد من العطاء والإبداع.

اترك رد