اخفضوا صوت الأنا واصغوا لبوح الأحبة

 

مؤخراً تعب الرجل من المكابرة وضاق صدره من كثرة الكتمان؛ بعد أن امضى ثلثي عمره وهو يكابر ويمثل بإتقان وبراعة دور القوي أمام الجميع، خشية من أن تتأذى مشاعر من حوله؛ أولئك الذين يتكئون بقلوبهم وإحساسهم على حائط قوته وصبره ويخاف من أن يسقطوا لو سقط سياج قلبه.
حلمه الكبير وهاجسه الوحيد هو أن يجد الأذن التي تُصغي لحديثه والقلب الذي يتسع لبوحه وشكواه، ليتعرى من جلابيب المكابرة الخشنة والثقيلة ويفضفض وينزع عنه قناع القوة المستعار ويعيش لمرة في عمره على حقيقته وسجيته دون مكابرة أو تمثيل.
بحث في قائمة الأسماء الطويلة واختار من بينها صديقاً مقرباً ليفضفص له ويبوح بما تراكم من هموم.
اتصل بصديقه وما أن انتهت مراسيم التحية والسلام وديباجة كيف الحال والأحول؛ همّ الرجل المخنوق ليفضفض لصديقه، لكن صديقه على الفور قاطع عزف كلامه بجملة نشاز اعتراضية وسحب منه بساط الحديث وبدأ بالحديث عن نفسه وهمومه ومشاكله وتفاصيل حياته صغيرها وكبيرها ولم يمنحه متنفساً للكلام عن نفسه ولم يفكر من باب الإحساس أن يسأله: وماذا عنك أنت؟
انتهت المكالمة دون بوح أو فضفضة وعاد صاحبنا الكتوم بخفي حُنين يجر وراءه أذيال الصمت، لبسَ جلابيب الكتمان من جديد وعاد إلى قناع القوي والمصغي لشكوى الآخرين؛ هذا الدور الذي ألبسه لنفسه ولم يعد باستطاعته أن يخلعه بعد أن عوّد الجميع أنه المصغي والمنصت لشكوى الجميع؛ لكن من ذا الذي ينصت ويصغي لشكواه؟
حتماً من حولكم العديد من الأصدقاء والزملاء والأقرباء، الذين يتصدرون مجالس الكلام ويجعلون الكلام كله يتمحور عنهم وحولهم وكأنهم هم مركز الكون؛ بسبب أنانيتهم الكبيرة والصوت العالي لأناهم وتضخم الذات؛ أغلبهم يفتقر لذكاء التعاطف وفن الإنصات والاصغاء بإحساس لكلام وهموم الآخر.
لكن، ثمة نوع آخر هو أشد عمقاً وإحساساً من التعاطف والإنصات بدرجات إنه <<التقمص العاطفي>> إذ أن الإنسان يتقمص شعور وحالة وموقف الآخر إلى درجة الانصهار مع مشاعره ونبرة صوته وهذا النوع من العواطف أكثر رقياً وإنسانية من التعاطف؛ فالتعاطف يحدث عندما نظهر للمتحدث ما يوحي أننا متعاطفين معه كإظهار علامات الحزن في حال كان كلامه حزينا أو أن نظهر على وجوهنا علامات الفرح إذا كان حديثه مفرحاً.
ولو تأملنا وتعمقنا في مفردة << نظهر>> نجد أننا في مثل هذه الحالة قد لا نكون بمشاعر شديدة الصدق والإحساس إنما مجرد تعاطف من باب المجاملة والحياء؛ بينما في حالة التقمص العاطفي نحن ننغمس وننصهر في حالة الأخر ونعيش حالته وكأننا نحن من يعيش موقفه وشعوره؛ فتذوب وتتلاشى الأنا فينا وننصهر إحساساً ووجداناً وعاطفة مع حالته.
قلائد حب وامتنان للقلوب التي تفتح بوابتها وتسمج بعبور آلام الآخرين وتصغي إليهم دون أن تقاطع عزف بوحهم وتتلون بألوان أفراحهم وأحزانهم. وتتناغم مع عواطفهم فتنصهر معهم وتتقاسمهم رغيف الآلام ولحظات الفرح.
تحية للقلوب الشفافة التي تعطي من إحساسها ومشاعرها وضميرها أكثر مما تعطي من جيوبها؛ إنها القلوب التي تحنو وتهتم بصدق لكل من حولها إلى درجة إنكار ذاتها وكتمان أحزانها، تبتلع الكلمات الأليمة والمحبطة إلى درجة الغصة بالحروف؛ لكيلا توجع إحساس غيرها ولا تحبط بنبرة صوتها الحزينة أولئك الذين يجلسون عند قارعات الحلم ينتظرون أن يمر من أمامهم من يحمل لهم بشائر الأمل.

المقال السابقالعقل الحرّ وشجاعة التّفكير
المقال التالىالإنتخابات المبكرة ، انذار قبل الكارثة
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد