المغامرة الجماليّة بين المراوغات ورهانات الكتابة في قصيدة ” صباح الخير.. أصدقائي شعراء السّودان ” لحميد سعيد

 

مثّلت اللغة أرفع درجات التعبير عن الذات والموضوع وقد توسّعت دائرة النّظر إليها لتتجاوز كونها مجرّد قاموس للمفردات إلى اعتبارها مجالا أشمل هو جماع بين جملة من العلامات تتجاوز الألفاظ إلى الإشارات والإيماءات، تنطق بصمتها وتسكت بكلامها، فتنشئ مداليلها الخاصّة. واللغة الشّعريّة منتهى هذا التزاوج والجماع بين جل هذه العناصر التي تشكّل اللفظ وتحمّله بما تفيض به من معنى. فالكلمة رسم وصوت وإشارة يؤدّي كل عنصر من عناصرها وظيفته فيها فينجلي المعنى وتفيض به الانزياحات وتتعدّد الدّلالات. هو النص الشعري الحديث بكلّ طاقاته اللغويّة التعبيريّة وقدرته على إنتاج المدلولات. خطاب مثقل بالرّموز، فيه يقول الشّاعر وكأنّه يستعد للقول. يراوغ ، يتخفّى، يمارس لعبته، فاللغة بكل ذلك ضرب من الرقص بالكلمات، كما يقول بول فاليري (Paul Valéry) ونظام من الأفعال لها هدفها في حدّ ذاته. وهو ما يقودنا إلى الإقرار بأنّ اللغة الشعريّة لغة ذاتيّة، كلٌّ ينشئها بحسب تصوّره ورؤيته للفكرة وكيفيّة التعبير عنها وطرائقه في ذلك، وقد ذهب جون كوهين (Jean Cohen) هذا المذهب حين يعتبر أن الشّاعر يُعرف ” بقوله لا بتفكيره وإحساسه، فهو خالق كلمات، وليس خالق أفكار، وعبقريّته كلّها تكمن في الإبداع اللفظي”.

ولحميد سعيد خصوصيّته الشّعريّة، وله رؤيته في الفن واللّغة، كما له رؤيته للواقع والوجود، إنّه صاحب المراوغات الشعريّة أمام كثافة المعنى وتعنّت اللغة، وهو ما يمنح قوله أثرا جماليّا مخصوصا، يمكن أن نميّز به أسلوبه وطرائقه في الكتابة، وهي في مجملها تنشد التجريبَ، وتتوغّل فيه حدّ الهوس بالتّجاوز، ينشئ خطابه على غير نموذج وهو يتوخّى حيله الإبداعيّة بين مخاتلاتهاللغويّة وألاعيبه البصريّة ومشاكساتاه الأجناسيّة التي جعلت النّصّ نصوصا والنّسيج اللغويّ أصواتا وهو يتحفز للفراغ والصمت ويجعله لغة أخرى مخالفة، وعلى القارئ أن يبتدعها ويعيد خلقها من جديد، رحّالة بين حقيقة ومجاز. وبين واقع وخيال. يمارس لعبة التخفّي بين البياض والسّواد فيجعل من النصّ فضاءه الرّحب. وبين أيدينا نموذج استوقفنا لما يعجّ به من أصوات في لوحة بانوراميّة الألوان والأشكال الفنيّة، فينبعث صوت الشاعر ومن صداه نقف على أصوات أخرى، كما يدوي من وراء كل ذلك صوت قاص، يكسّر أفق توقّع القارئ في كل مرّة يحاول أن يحدّد لهذا النسيج الفنّي صفةً. نصّ يزخر بالمشاعر والأحاسيس، ولكنّه يضمر أكثر ممّا يصرّح، يوحي ولا يفصح عن حقيقته ، مخادع ينبئ باستراتيجيّة الشّعر الخاصّة فيربكنا ونحن نبحث عن أبعاده فيه وحقيقة الأصوات المنبعثة منه ، وهذا في حدّ ذاته مغامرة جماليّة قد لا تكون جديدة في لعبة التخفّي بين الحضور والغياب التي ألفناها في الشّعر العربي الحديث، ولكن الطريف فيها لعبة التقمّص في اللعبة نفسها، فإذا بنا نواجه ميتا-النص فنضطر لمشاركته لعبة المخاتلة.

وأول مظاهر المراوغة الفنيّة التي حلّقت بالنصّ وارتفعت به إلى فضاء رحب ما ظهر في العنوان كعتبة ننفذ منها إلى المتن “الشّعري”، ” صباح الخير.. أصدقائي شعراء السّودان ” انطوى على جملتين مختزلتين جعلتاه ينفتح على بعد خطابي، يتحدّد من خلالهما المخاطَب (أصدقائي شعراء السّودان)، وبه تنكشف العلاقة التي تربطه بهذا المخاطَب ، وكذلك تميزه من حيث الانتماء إلى فئة الشّعراء، فضلا عن إبراز الأصل الجغرافي والهوية بهذا تتوسّع دائرة المخاطَب التي تتجاوز حدود الوطن، في ضرب من التعميم. قد يكون ذلك من ضروب الأمانة في نقل الواقع،فيوسّع دائرة الصّداقة التي تمتدّ إلى السّودان، ويبدو أن حميد سعيد قد رسم توجّهه الخاص في أشعاره جعلها منفتحة على فن الترسّل. ولعلّها تندرج ضمن سلسلة القصائد التي أفردها كإهداء للأصدقاء. وهنا يمكن أن نستحضر قصيدته “النهر” التي شفعها بإهداء إلى صديقه خيري العميدي، وفيها صوّر “المكان الذي يلهو فيه الأصدقاء-النساء اللائي يأتين النّهر يملأن منه أواني الماء والليل وسفائنه…”. لكن ما يظهر لنا أن هذا الحضور للأصدقاء إنّما هو مصدر من مصادر الصّورة في شعر حميد سعيد. أو لعلّه شكل آخر لشعر الإخوانيات، هو من ضروب التناصّ الذي يستثمر فيه الشكل القديم ويجدّد فيه وفق رؤاه الخاصّة ولا شيء أجمل من جدّة القديم، بهذا قد تكون استراتيجيّته في الّتعبير والتصوير، لاصطياد القارئ وإشراكه في لعبة القراءة فيتحوّل الخطاب إلى مجرّد قناع ومناورة فنيّة فيها إيهام بالتّعريف. فيفارق وظيفة الإيضاح واختزال المعنى في المتن إلى وظيفة أخرى هي التمويه والمخاتلة. فيكشف عن غير ما يرغب ويريد من معان ومقاصد. بهذا الخطاب يمتزج الشعر بالنثر ويُوارى في أعطافه الترسّل ليؤجّج المشاعر ويثير الوجدان. وهو ما ندركه في المتن الشّعري، كل ذلك قد يضعنا أمام ثنائيّة السردي والغنائي في هذا النسيج الفنّي، فالسردي حاضر من خلال نظام القص الذي ينهض على الحدث والشخصيّة والفضاء المكاني والزماني بكل عناصرهما المؤثّثة. ينطلق من وصف تفصيلي لعناصر هذا المشهد، يرسم من خلاله الفضاء الزماني (الليل، المساء، السهرة) والمكاني ( مكان عام:السودان/ مكان خاص: في ظل شجرة التبلدي) وكل من الإطارين يحتضن الشعراء، إضافة إلى الشخصيّات(عبد الله- حبيبة عبد الله السّمراء):

في ظلّ تبلديّة حيث يظلّ الشّعراء
ينتظرون حضور النيلين.. لتكتمل السّهرة
يكتب عبد الله قصيدته
وعلى إيقاع السنط الأبيض.. ذات مساء
سيعلّمها لغة الماء

بدا أسلوب الشّاعر في هذا القسم من النص أقرب إلى التّقريريّة والمباشرة التي وسمت الخطاب بميسم قصصي حكائي، أطّر فيه الأحداث وجعلها تدور في فضاء خاصّ، اقترن باستحضار عنصر طبيعي، قد يعلن عن خصوصيّة لا تخفى عن الشعر السوداني، وهي صورة شجرة التبلدي التي حضرت في أشعار شعرائه حتّى باتت جزءا من الموروث الشعبي . وقد اقترنت هذه الشجرةبالانتظار والحبيبة شأنها شأن الليل كلاهما عنصر ثابت في الشعر والنّص:

تمُرُّ حبيبة عبد الله السّمراءْ
عاصفةٌ من أبنوسٍ وبخورٍ عربيٍّ وعطورٍ جامحةٍ..
ونداءْ
يحترِقُ الصّندلُ في حنّاءِ يديْها
يلتفِتُ الشّعرُ إلى ليْلِ الكُحْلِ بعينيها

وما يلفت الانتباه في هذا المقطع هذا التواتر لصيغة المضارع (تمرّ، يحترق، يلتفت) هي حاضر ساعة ملفوظه، سيّان هما في الوقت، مفتون بها وإن راوغ، امرأة تمرّ كالطّيف، لا نسمع من هديرها إلاّ لحن نفسه، وليس بعيدا أن يكون عبد الله قناعه في احتفال تنكّري، كعرس أسطوريّ تنبعث منه رائحة البخور ، وتعبق من أنفاسها العطور، هو عبق الشرق وأحلام تقاوم ظلّها في قلب عبد الله . كلّ ما في أنثاه قوّة ومواجهة، عاصفة وجموح، احتراق وليل بعينيها. لعلّها رمز للثورة وما اسمرارها إلا صورة للأرض والجذور تنطلق جامحة، معربدة، تخضّب الحناء فيها من احتراق الصّندل، ينبثق مشهد النار وما ترمز إليه من تطهير وهذا من شأنه أن يجعل الصّورة الشعريّة متفجّرة تنطلق طيّعة ثم تعلن عصيانها فتتمنّع عن الفهم والوضوح، وتجعلنا نبني الاحتمال على الاحتمال.

وفي المقابل يحضر الغنائي، وقد نتجاوز في ذلك ما حدّده منظّرو الشّعريّة الكلاسيكيّة وصولا إلى ما حدّده جينيت ( Gérard Genette) ومصطلح جامع النّص. وبارط (Roland Barthes )في مفهوم الكتابة. وهذا يمكن أن ندركه من خلال نظام علامي تصريفي للضّمائر في الخطاب،وهو نظام حاصل في استخدام ضمير المتكلّم الذي هيمن في الجزء الثاني من النّص، وما حضور الضمير الغائب في بدايته إلا ضرب من المخاتلة أقامها الشّاعر بصلات حواريّة خفيّة بين صوت “الأنا” وبقيّة الضمائر الأخرى، وفيها تتكشّف الصّلة بين الباث والمتلقّي،الذي تحوّل من متلقّ معلوم وهم الأصدقاء، إلى متلقّ جديد حضوره في السّياق النصّي بمثابة الولادة الاضطراريّة، هي الأنثى الحاضرة –الغائبة ومن خلالها يشحن النص بالمشاعر والأحاسيس المتولّدة عن خطاب الشّاعر وهو خطاب انفعالي ، ممّا يخلق فيه الوظيفة التّأثيريّة، ويجعله يتجاوز حدود السّرديّة والغنائيّة إلى اللاّ جنس، كل ما ندركه منه هو أنّه ملفوظ ومضمون يمتاز بالتكثيف والإيجاز تصدر عن الـ”أنا المبأر” Focalise ويبني عبره نصّا حداثيّا ينهض على مقومات تذوب فيها الحدود بين الأجناس، يكون فيه السّردي نسيجا من أنسجته المتنوعة بين تقنيات التبئير والتفضئة،فتتسلل بذلك الحكاية ويستضيف فيها التراث في ظل بانوراما التنوّع . بهذا لا تخفى على القارئ لعبة الشّاعر في خطابه المخاتل، الذي يتحوّل فيه كامل النص إلى كيان أشبه بصورة استعاريّةكبرى ذات فاعليّة مؤثّرة، هي “تمثيل للإحساس”. لعلّه ضرب من التقمّص الرؤيوي الذي يستعير فيه الشّاعر عيني الواصف ويرسم المشهد برؤاه الخاصّة.

ويتحوّل بعد كل ذلك إلى وصف تعبيري انفعالي يلج فيه إلى أعماق المستعار منه ويتقمّص دوره العاطفي، فيكون بذلك ذا رؤية من خلف (Vision par derriére)، ندرك عبرها معرفته بجملة الحركات النفسيّة، الشعوريّة والعاطفيّة، فيتحول معه السياق الشعري إلى خطاب تأثيري مباشر يجعله يأخذ على عاتقه الدور كاملا. وهو ما يجعله خطاب مكاشفة ولكّنه يبطن الكثير من البوح:

سيحبُّكِ عبد اللهِ بعيدًا عنكِ..
هو الحبُّ
اقتربي من جمرِ قصائدِهِ
وابتعدي عنهُ..
يخْشى عليكِ من الشِّعْرِ
فابتعدي عنهُ..
يخْشَى علَى الشِّعْرِ منكِ

هو تقمّص يصل حدّ الانصهار والتماهي مع الآخر عن طريق التداعي، يجعل الذات الشّاعرة تنوب عن عبد الله فيبوح للحبيبة بكل معاني الوله التي سعى إلى إخفائها عبر اللغة، ولكنّه في لحظة من لحظات البوح، يثوب إلى الشّعر فيستعيض عن اللّغة بالصّمت ويحول السواد إلى بياض في نقاط متتالية تمتدّ لتشغل سطرين، ولكن هذا الصّمت لم يعد “الهواء الذي يتنفسه النصّ كما ذهب إلى ذلك بول كلوديل (Paul Claudel)”، وإنّما هو سكوت وهروب عن المعنى الحقيقي، فتكون لعبة البياض والسّواد “مجالا يقلّص من إمكانات التعبير واندفاعات الكلام”. فيستحيل به المسكوت عنه بُنًى صامتة تنتظر قارئا جريئا يفجّر ثوابت الخطاب فيملأ الفراغ ويسائل المعنى. وهذا من شأنه أن يكشف مراوغات الشاعر مرة أخرى التي تتجاوز حدود التمظهرالبصري إلى مستوى الصّورة الشّعريّة، وهو ما يظهر أساسا في طرائق توليف المعنى، قد تبدو هذه الصّور في مستوى تشكيلها بسيطة في ظاهرها لكنّها تدعو إلى التفكّر والولوج إلى أعماق المسكوت عنه في الخطاب، وأول مظاهر ذلك في أسلوب الإنشاء من خلال عمل الأمر الذي يخرج عن معناه البلاغي الأصلي ليفيد معنى التحذير في أسلوب الترغيب والترهيب الذي انتهجه في مخاطبة الأنثى، وهو تحذير يبطن عكس ما يظهر، وهنا يقرّ بقوّة تأثير هذه الأنثى على الشّاعر والشّعر، وخاصّة حين يرتبط الشّعر بالجمر والنّار وهذا يعني أنها أنثى فوق العادة ، كلّها قرائن تدلّ على أنّ شاعرنا يتقن فنّ المخاتلة ومهما تكن واقعيّة عبد الله وانغراسه في الأرض والتاريخ فهو ليس سوى قناع وعلامة فارقة يتحوّل معه الخطاب من التقريريّة والمباشرة إلى التخييل والتمثيل فيخلق بخياله هذا المشهد الدرامي

لا تعليقات

اترك رد