أكرم حمزة يشعل السجال العذب بين فعلي الخلق و القراءة

 

حين كان أرسطو يرى في الفن محاكاة للأفعال الإنسانية ، و أفلاطون يرى فيها محاكاة للمحاكاة كان أكرم حمزة ( 1963 ) كله آذان صاغية ، ينصت إليهما جيداً ، مع الإرتقاء في هذا الإصغاء ، فهذا الإنتباه بهذه السعة كان لا بد أن يوقظ ذاكرته ، و أن يزيد تركيزه العقلي فيصبح حينها أكثر قدرة على التفكير المنتظم ، و أكثر مهارة من الناحية الحركية ، و يصبح تفاعله مع المثيرات الجديدة متاحاً على نحو كبير ، فهذه الحالة البيولوجية و السيكولوجية بغض النظر عن طبيعتها أو عن إستمراريتها التي يدخلها حمزة ما هي إلا شكل من أشكال الشعور بالمتعة الجمالية

و هذه خاصية مميزة للإنسان على نحو عام و للفنان على نحو أخص ، و مرتبطة بالسلوك الإستكشافي المرتبط بدوره بمراحل كل من النضج الجمالي و النضج الإبداعي ، و حمزة يكرس معظم طاقته ، و يتوجه بها و أحاسيسه نحو الضوء ليجره بمرونته المعتادة إلى أنماطه البصرية المختلفة و يرسل فيها رموزه التي تشتمل على أحداث غير محددة تتحدث عنها أشياؤه و أشخاصه ( وجوهه ) تبعاً لحالتها المزاجية المعتمدة أصلاً على المكان التي تحيط بها ، و عند إدراكنا للجمال الكامن فيها سنرى أن تمثيلاتها عبارة عن مثيرات لعقولنا كمتلقين يستقبلها أو يرفضها كإنطباعات تركيبية يمكن إلتقاطها حدسياً ، فالتعبير هنا داخلي ، و الخيال جوهره لا يهدف إلى التوصيل أو التخاطب فحسب ، بل إلى الإستغراق في الحالات المختلفة ، الحالات المصحوبة بالأسى و الزفرات ، بالتنهيدات العميقة ، أو بالأحلام المتكسرة على سخريات الواقع ، المتنقلة في شكل الحيرة المكسوة بعشب يابس ، المهادنة في تحرير نفسها من هيمنة القمع و سلوكياته ، و بموازاة التعاطف مع همومها النوعية ، الفاعلة و المؤثرة ضمن شبكتها التي تفضي بها نحو عمليات الزمان و المكان و التقارب بينها لتكتمل وعيها بذاتها من خلال تمثيلات تشكلها .

لا يمكن إغفال الحالات التي تتطلب رهافات جمالية و التي يدرسها حمزة إستجابة لحاجاته المفتوحة على حياة أخرى تحمل عناوينه و المسافة الداكنة و الهاربة فيما بينها و التي تحمل زخماً من معطياتها الفنية و هي في أوج عزلتها ، مستمراً في التجوال في أمكنة مقسمة الأشلاء ، لا الوصول إليها رطب و لا الصرخة فيها قادرة على تحدي القدر ، يدرسها حمزة إستجابة لقدراته القابلة للتحول بنسغها مثل همس اللون حين يلامسها أنامل العشاق ، إستجابة لقدراته في إجتياح الرغبة بأمانة و بما يتملكه من عمق إبداعي قد يكون كافياً لتفريغ الشحنة و ما يسطع منها من ممارسات تحتويه و تحتوي تلك الملامح التي تجعل الصمت يحترم كحق شرعي ، فأعماله ليست رسومات بها / فيها يكتشف نفسه و لا ليبين إلى أي نهر ينتمي ، بل هي بقايا لأشياء غير حيادية لها العلاقة كلها بالمكان و الزمان و الإنسان ، هي بقايا لذاكرة تهز أحاسيسه المرتبطة بالعالم كله على نحو مواجهة مع النفس و ما تحمله من الحياة و عظمتها ، و من لملمة الآثار التي محتها السنون ، فالأمكنة عوالم كبيرة تلتقي بروح المشهد مهما كان صاخباً في صمته و مهما كانت المحطات مثيرة ، فالذي يعلن معركته مبكراً لا بد أن يتم تأجيل تفاصيله الصغيرة إلى جسد آخر سيتم حمله لاحقاً ، و الأزمنة أسماك صغيرة تعوم فينا و في أكثر اللحظات قلقاً ، أكثرها تداخلاً ، و الإنسان موسيقا عزفها الرب أولاً كي يسمعها للعالم أجمع ، ثم يأتي الفنان ليعيد ذلك العزف بنفسه هو ، بلغته هي ساعياً به إلى لوحته بحثاً عن السر الذي بعثره الرب فيه ، فالأمكنة رؤى ، و الأزمنة رؤى ، و الإنسان محور هذه الرؤى ، بالتخيل وحده قد نوفق مع الفنان في إختراق هذه الرؤى و إعادة ضغط مشاعرها في مناطق يمكن الإعتراف بذاتيتها ، و دائماً هناك ما هو مفتعل و على نحو أخص في تلك المناطق التي تحيط بها معوقات ترجع إلى الموروث ، إلى الجامد فيه على نحو أدق .

لا يمكن تبسيط الفعل الذي ينهضه حمزة في منتجه عبر التجليات المتوازية و المتجاوبة في وقائعها الدقيقة ، كما لا يمكن إختزاله ، فكل حركة منه هي إنتقال من حدته المتصاعدة في سر غامض وفقاً لمنظور مغاير إلى دلالات غير مباشرة في إشارة منها إلى إستعادة السجال القائم بين فِعْلَيْ / فعل الخلق و فعل القراءة / ، السجال العذب عبر سلسلة من الإستلهامات و التأثيرات المتبادلة و التي تربط بينها ، و التي ستلعب دوراً مهماً في الوصول إلى نتائج إبداعية لم يكن الوصول إليها متاحاً لولا حالة التفاعل الخصيبة هذه و المستمرة بين تحولاته التي تجعل كل منها ، كل حالة من حالاته تلك في موقع المؤثر و المتأثر ، فالسجال لا ينتهي بينها و على نحو أخص بين الفعلين ، بين الأول ( فعل الخلق ) بوصفه فعل كن فيكون ، فعل الحماس و العاطفة الملموسة بحرارة حراك بنيته المفتوحة على العديد من التقنيات و أدوات التعبير التي يعتمدها ، فعل يبعد النهايات و لا يكتفي بالبدايات و ما تخطه ريشته من خارطة النشوة و اللذة البعيدة ، و بين الثاني ( فعل القراءة ) بوصفه فعل إستعاب لمداه المعرفي بما يسمح له بكشف تعدد المعايير فيه مع كشف تعدد آفاق التلقي برصد ترابطاتها الزمنية ، فالفرصة هنا هي الإفادة من المعطيات التي تشير إلى التأثيرات التي تستحضر من ذاكرة مغمسة بأوجاع النفس و الجسد معاً ، فما نلاحظه هنا من وجود إمكانات تعبيرية أكثر غنى و تأثيراً مع وضوح أحداث التجربة الشخصية له ، و قد يشكل ذلك مفتاحاً لتوازي الأزمنة و المشاعر و الأحاسيس في التجربة و تداخلاتها ، فهو و بعناد و بمهارة تقنية يستدرج لونه و تدرجاته ، يلمس تدفقاته على سطوحه ، يستغرق في البحث عما يجعل مشهده متقداً و متوازناً في الوقت نفسه ، فيتعامل مع مفرداته برشاقة و ذكاء ، موظفاً إياها في المكان الذي يليق بها .

لا تعليقات

اترك رد