استراتيجيتا الشعب واعدائه ووسائل حسم النهايات

 

إنّ أيَّ معالجةٍ، لقضية الاستراتيجية، لا تبدأ من دون وجود تحديد للقوى المقصودة وللظرف الزمكاني وعناصر التفاعل إيجاباً وسلباً، مما يُعنى بتلك الاستراتيجية المختارة ومفرداتِ أدائها القريب والبعيد، على وفق تنظيم تسلسلها وترتيبها. وفي إطار التحديد المشار إليه؛ فنحن نتحدث هنا عن الشعب وثورته بمقابل طبقة الكربتوقراط وكل عناصر النظام الطائفي قواعد وقيادات ومركزها أو مرجعيتها جميعاً وتهديديها خيارات الشعب ومطالبه في السلم الأهلي ومسيرة البناء والتنمية والتقدم. هنا تتضح القضية العقدية للاستراتيجية من جهة كونها الخطة العامة التي تحكم صراعاً بعينه وإدارة ذلك باتجاه انتصار للاستقرار أو الوقوع ضحية المناورة والخديعة ومن ثمَّ الهزيمة في المعركة..

إذن، فالاستراتيجية تقتضي وجود (القيادة)، صاحبة الخطة البعيدة، والخبرة في التعامل مع المتغيرات الطارئة ومع احتمالات توظيف العناصر المتاحة في الحراك وعليه فإننا إذ نتحدث عن انتصار الشعب العراقي في الصفحة الأولى من صراعه ضد مستغليه الذين استطاعوا تكريس نظامهم الطائفي: المافيوي (الكليبتوقراطي)، بوجهه اللصوصي والفاشي الدموي بوجهه المليشياوي، لم تنتهِ بعدُ من معركتها في الانعتاق والتحرر، وفي إمجاز مهام المرحلة الانتقالية باتجاه مرحلة بناء الدولة بأسس العلمانية والديموقراطية لا الانعطاف نحو زيف السلمة السياسية ودكتاتوريتها.

وإذا استطاعت انتفاضة الشعب التحول إلى ثورة للتغيير الكلي الشامل بقيادة تنسيقيتها الوطنية فإن تقدمها نحو مهام المرحلة الجديدة، لم يعد متاحاً فيها مزيد خطى، بسبب من وجود الخبرات العميقة لقوى التحكم الميداني وعنفها المفرط المدجج بالدعم اللوجستي الخطير من قوة إقليمية باتت موجودة باستباحة تامة للأرض \ الميدان أو العراق.

أما كيف استطاعت وتستطيع قوى أعداء الشعب وثورته إدارة معركة الاستراتيجية وحسم النهايات فتقوم على ما كرَّسته طوال حوالي العقدين، من: تحييد العقل بتجهيله بخاصة في مناهج التعليم ومقرراته ونظامه وضبطه بفلسفة ظلامية مع إشاعة منطق الخرافة بديلا يُضاف إليها فرص إثارة العواطف ومغازلتها بخاصة منها هنا الدينية \ المذهبية حيث التحكّم بـ (انفعالات ورغبات، أو مخاوف ونزعات) تشكل سلوك أو نهج القطيع واستدراجه للخنوع الأمر الذي سهَّلَ توظيف أدوات: الإلهاء والمشاغلة بصرف أنظار الناس عن الرئيس الذي توصلت إليه ثورة أكتوبر وتَنضَّجَ عبر مسار نموِّها وتحولها من حركة احتجاجية مطلبية لانتفاضة ثم ثورة شعبية من أجل التغيير وضعت مفاهيم ((الإصلاحية)) الترقيعية خلف ظهرها.. لكنَّ نظام أعداء الشعب يفعل ذلك (أي المشاغلة) بمشكلات مفتعلة يصطنعها حتى لو كانت مكرورة مثل: قضايا الماء والكهرباء وتفاصيل اليوم العادي من اختطاف واغتصاب واغتيال لا يليها سوى ردَّات فعل تفرّغ الاحتقان لا أكثر…

وينبغي أن نتعرف إلى أن حقيقة اختلاق المشكلات، يجري بصورة مقننة باشتراطات بعينها، تدفع المحتقنين نحو مطالب بمقاس يريده النظام، مثل حرق المزارع وبصورة أوسع وأكبر إلصاق تلك المحارق وغيرها من جرائم ببعبع الداعشية التي تمرر (مطلب) الاحتفاظ بالميليشيات وانتشارها في المدن.. ومثل استغلال تدهور أسعار النفط في تمرير عدم دفع الرواتب لمشاغلة مخصوصة بطرق حلها بمقاس السلطة والمتاح بظل مخططاتها واستراتيجياتها..!

والاستراتيجية في الصراع بين الشعوب جميعاً ومستغليها تجد عند الطرف الأخير فرص انتهاز إمكانات المماطلة والتسويف في اتخاذ قرار حسم يريده الشعب بحجة التأني وعدم حرق المراحل وبذريعة الخشية من هول رد فعل الميليشيات وإمكاناتها في التخريب على وفق الادعاء!! وقد يتم تمرير المماطلة بإجراءات مجتزأة بإيهام أنّ الأمور تسير على ما يرام وبالتدريج الذي (قد) يعيد سطوة النظام بجعل المواطن يقبل بتأخر راتبه أو يمرر اتفاقات استدانة (قروض) خارجية تكبله وتستعبده فيما تواصل المافيا نهبه.. وطبعاً سيقرّ المواطن المتشظي الإرادة والمطالب بأمور من قبيل البطالة والتجهيل وتخريب التعليم بسبب ذاك التدرج المتعكز على غرس التأميل سواء منه الدنيوي بلعبة الفبركة أم الديني بعبث الدجل والأباطيل التي ما أنزل بها دين من سلطان..

لكن استراتيجيات النظام الطائفي العراقي ودولته العميقة تواصل استراتيجيتها بوجود السلطة بين أيديهم يتحكمون بها ويديرون الصراع بفوقية سطوة إرادتهم وخطابهم الممتلك لأدوات التسويق بعشرات الفضائيات ومئات المواقع والصحف دع عنك كل طرق الاتصال تحديداً منها إكثار زجه في ممارسة \ تلبية مناسبات (حزن) وبكائيات مع تمرير إنترنت التفريغ النفسي المرضي من أفلام إباحية ونشر مخدرات وسلوكية سلبية مثيرة للشعور بالذنب بدل اختيار الثورة فعلا إيجابياً للحسم.. هنا سيكون خطاب من جعلوها أداة تحكّم بالعقل وتعطيل له وإشاعة الخرافة وعظياً فوقياً يدفع المواطن لمحاصرة تثير إحساس النقص والدونية ومن ثم يأتي الرد تمرداً عبثي المخرجات مقيَّداً بالانفعال العقل ولا أي منجز نقدي مميز له…

وبينما يشتغل النظام بتخطيط من مرجعياته بمعرفة تامة بآليات توجيه المواطن والسيطرة عليه يُترك المواطن لردود فعله بسبب عدم وجود قيادة بديلة نوعياً وإن وُجدت متشظية فهي بأفضل قطاعاتها لا تمتلك الأدوات للتأثير والتوجيه كما يمتلكها النظام ومن وراءه…

ولكن لمزيد قراءة الاستراتيجية مفهوماً اصطلاحياً ناجحاً مفيداً لحركة الشعب؛ علينا الإشارة إلى شروط رسمها مما يشير إلى انتباه على رسم برامج العمل بما يشكّل قدرة التوجيه الكلي الأشمل حيث دمج موارد الحركة الشعبية بقصد توحيدها وتفعيل سلوك التعاضد بين الأعضاء جميعاً بلا تردد وممارستهم الفعل بصورة مشتركة الأمر الذي ينبغي أن يتضمن قدرة استهداف تقليل الخسائر وأشكال العراقيل وكبح أو ردع مصدات القوى المعادية.. وفي إطار توحيد القوى وجذبها إلى بوتقة العمل المشترك الموحد فإن رسم الاستراتيجية يتضمن ممارسات تُكسِب المهارة والخبرة وقبولها من مالكيها، بقصد زيادة دربة الأعضاء وفاعلية اشتغالهم الكفاحي من أجل التغيير. ولا يمكنني هنا سوى أن أحيل إلى صياغة البرنامج الرسالة بما يكفل وضوح الرؤية لدى قطاعات الشعب بصورة حاذقة منسجمة وفعل التغيير.

إنّ ظاهرة تعدد محاور الحركة الشعبية بين اليسار الديموقراطي والليبرالي والقومي التقدمي ومعها انقسام تلك المحاور المكوِّنة على مجموعات صغيرة أكثر تشظٍ وتبعثر بمسميات غير مستقرة المصطلح او واضحة الرؤية الفكرية السياسية مازال يقضي على إرادة الفعل النوعي للتقدم نحو المرحلة الجديدة التي وصلتها الثورة في الصراع من أجل التغيير…

القضية ليست مجرد ضَعف في بناء نسيج القيادة الوطنية التنويرية الموحدة ولكنه يمتد أعمق نحو إعادة الشرخ التدميري للحركة الشعبية باستهداف الرد الشعبي في وحدته من جهة وفي إلغاء وجود الخطة (الاستراتيجية) لديه أو التشويش عليها ووضعها بمنطقة ضبابية تقلل من فرص اجتذاب القوى صاحبة المصلحة في التغيير..

وعليه فمن أجل أن تكون الاستراتيجية مكتملة ومتمكنة من حسم النهايات أو قادرة على مواصلة مسار التقدم في حركة الثورة الشعبية بقصد تحقيق (الهدف)، فإنَّها أيّ الاستراتيجية تتطلب وجود قيادة تنويرية موحدة وتمتلك هذي القيادة الموحدة برنامج عمل ناضح واضح وهنا فإنّ الحركة الشعبية بكل الفئات المتنوعة المتعددة ستنجذب حتما لتلك القيادة الموحدة وتتيح وصول الاستراتيجية لأوسع جمهور وإدارك عناصرها بصورة أكثر تمكناً…

على أن القيادة الموحدة التي تستوعب الأحزاب العلمانية الديموقراطية ستجد نفسها قوية فاعلة فقط عندما تستقطب النخبة من رجال الدولة المؤمنين برسالتها وباستقطاب العقل العلمي الوطني من المتخصصين الذين يستطيعون النهوض بمهمة (الإحصاء) ورصد الظواهر المتفشية مع رسم الخطط العامة البعيدة أو الاستراتيجيات التنموية وقبلها الانتقالية التي تؤهل قيادة حركة التغيير من الاقتراب من الهدف المرسوم..

إنّ بقاء قيادات الأحزاب التي تتبنى أهداف الشعب بمنطقة خارج الفعل تطلق زئير بيانات المؤازرة والدعم والتبني من خارج الميدان أو من فوقه وكأنها تسكن الأبراج العاجية لا يمكنه أن ينجز مهمة تغيير ولا حتى مهمة إصلاح من الترقيعات المتحنطة بظلال أوهامها التي تسوقها وعود قوى الدولة العميقة عبر الحكومة الانتقالية!

إن مباشرة الفعل تبدأ بالقناعة برسم الاستراتيجية التي تقتضي وجوبا وبالحتم وجود القيادة الموحدة الآن وليس غداً وليس بأي تأجيل مما يتساوق وتأجيلات السلطة ومناورتها وتمييعها الوقت..

ولا يمكن لتعدد (الخطط) ولا أقول الاستراتيجيات لأنه لا استراتيجية بلا قيادة تحملها والقيادة بمستوى التغيير المنشود يجب إلزاماً أن تكون موحدة وطنيا وبخلافه ستكون مجرد زعامات وقيادات متشظية تحمل بيد راية استسلام بيضاء تعلن عن خضوع لاستراتيجية أعداء الشعب التي تملك وحدتها وقدراتها على المناورة كما اسلفت هنا بأدواتها المختلفة من عنف مسلح دموي ومن دجل التدين الضلالي وإلغاء للعقل وامتلاك لصهوة الخرافة وتفشيها ومن أمور أخرى جرت الإشارة إليها..

إننا بين استراتيجية شعبية للتغيير وأخرى لنخبة الفساد واجترار نظام الجريمة نحتاج إلى تلك المناظرة ومقابلتها بما يدفع للاقتراب من الحتمية المؤملة في جهدنا..

وهذا ما لا تفيه اجتماعات عابرة تنعقد بردود فعل مشروطة تديرها قوى السلطة ولا إصداره بيانات بشأن هذه الخديعة أو تلك مما يُختلَق للمشاغلة من جهة ولتكريس سطوة من جهة أخرى فتلك ممارسة تمهيدية مضى عهدها إذ اليوم عهد ما تحتم وبات يلزمنا وجوبا بإنجاز (الوحدة) ورسالتي موجهة إلى كل (قيادات) أحزاب وحركات ومنظمات ونقابات وجمعيات تحسب نفسها على فئات الشعب علمنة ودمقرطة لمسار الانعتاق والتحرر..

إنّ وعي هذه الحقيقة، سيمنحنا فرصة اتخاذ القرار للمتابعة الصائبة باستراتيجية ذات مغزى في تقليل المخاطر والتهديدات وجذب أو استقطاب قوى التنوير جميعا وخفض الخسائر المادية والبشرية والنهوض بمهام هي في صميم ما نريد تحقيقه بالانسجام مع إرادة الشعب في وقف نكباته وكوارثه وتحقيقه السلم الأهلي ودولة المواطنة وعلمنتها ودمقرطتها بما يطلق مسار البناء والتنمية..

هل وصلت الرسالة الموجهة لمرات ومرات من قبل؟ أم أن الماهي مع الأعذار والمبررات سيبقى ردحاً آخر يماطل ويسوّف ويجتر وهو ما سيوقع الشعب حتما بهزيمة منكرة!؟

انهضوا بنات الشعب وأبنائه، فلقد اقربوا من محق دولة لكم يمكنها تحقيق الأنسنة والتقدم ومن ثم إحالتكم وأخيال بعدكم إلى مجرد عبيد وخراف جاهزة بالتسلسل للذبح في مقاصل أطماعهم وشهواتهم ..!!!

القضية بين أيدي من أسس التنسيقيات القيادية للحركة الاحتجاجية وأعضاء الأحزاب والمنظمات التنويرية كي تلجم التعاطي المتكاسل مع الحركة وتدفع نحو الحتمية ومتطلباتها والاستجابة لها.. ولا مانع اليوم من اجتماع ينعقد عبر النت مما لا يسوغ أموال القاعات والصالات المكلفة وهي أصلا مما لا يدخل ولا يليق بقيادة مكانها الميادين الشعبية ورسم استراتيجياتها جاء من خطى عناصر الثورة ومواردها التي أشرت ما هي مكوناتها وها نحن ننادي مجدداً مثلما دائماً

ما الإجراء الذي تتخذونه الآن؟ لا إجراء إلا انعقاد مؤتمر وحدة قوى التنوير ورسم تلك الاستراتيجية وإيجاد منصة لرجال الدولة والعلماء المتخصصين ينهضون تكامليا بالمهام …

وتحية لمن يؤازر هذا النداء وتحليله وتشخيصه ومعالجته التي يوصي بها من أجل تلبية مزيد ضغط من أجل تحقيق الهدف الأسمى

2 تعليقات

  1. Avatar Tayseer Al Alousi

    تجربة، يبدو أن هذا الحقل لا يعمل برجاء غيجاد حل مع كبير التحايا لإدارة موقع الصدى نت واشتغالهم البهي المميز
    Test? Best greetings

  2. Avatar Tayseer Al Alousi

    شكرا جزيلا نجحت التجربة وحقل التعليق يعمل مجددا ودائما تحايا للصدى نت وإدارتها وفيقونة الصدى د. خيرية المنصور فنحن معا نتابع لنشر ثقافة التنوير والتغيير حيث الحوارات بهية مهمة .. أتطلع للتفاعلات بتنوعاتها

اترك رد