قراءة في أعمال الفنان علي شاكر نعمة

 

في عام 1972 ولد الفنان علي شاكر نعمة في مدينة بابل الاثرية من عائلة فنية فهو ابن الفنان الكبير المرحوم شاكر نعمة الذي استوفى دراسته فنّ النحت في إيطاليا 1973 ، وكان شغوفاً بالمسرح، فأدّى عدداً من الأدوار المسرحية في مدينة بابل، وفي ما بعد، أسس نقابة الفنانين فيها مع مجموعة من فناني المحافظة الذي كان له باعا طويلا في مجال الفن. من خلال مشاهدة اعمال الفنان علي شاكر يظهر لنا مدى تمكنه من ادواتة واستخدامه لبعض المواد التي كان بارعا في توضيفها وادخالها ضمناُ في اعماله الفنية من خلال نشأته في بيئة فنية استطاع الحفاظ على بصمة واضحة كان لها دور كبير في تنمية الذائقة الجمالية تلك التي حظي بها منذ نشأته ولد لديه الشغف الاول بعالم الفن الأثيري والمتناغم مع ميوله الفنية الفطرية والتي تنامت فيما بعد من خلال المشاهدة والتعايش اليومي لما ينتجه والده من اعمال فنية ومن مشاهدات فاحصة وحوارات ونقد للأعمال الفنية

من اعمال الفنان علي شاكر نعمة

اذا اراد الفنان علي شاكر نعمة ان يرسم لوحة في غاية لا بداع والجمال فقد يقوم بتجميع كافة الالوان ولأدوات واللوحات التي يمكنه ان يستخدمها حتى يحصل على نتيجة التي يسعى لها وان فوضى العمل على السطح كما هو بما (هو اعادة تنظيم غير مدروس تماما )ستجعل العمل يشرف على تراكيب جديدة للشكل ,وهذا التنوع في الارتجال الذي لا يمكن حسمه بالنسبة الى الفنان علي شاكر نعمة يثير حساسية من نوع خاص على مستوى القراءة النقدية ,فبقدر ما تمنح العفوية من براءة في الاداء في تساهم كذلك في تراكم المرجعيات الصورية لتبدو غير متجانسة في اكثر الاعمال التي تقاسمت الضرورات الملحة لكسب الاشكال المرسومة هويتها الشخصية في ضوء الانتقال من الذات الى الموضوع ومن ثم المحيط ومفهوم الاثر وتجلي الغائب فيما يشبه الترانيم الحسية للون, فكانت تجربته الفنية تتسم بطابع زمني تبدأ من مشاركاته الفنية الأولى في معارض في الداخل والخارج. ولكننه إذا أرده تصنيف أسلوبه، فأنه كان يميل إلى التجريدية، على أنّ ذلك لا يعني تقوقعه وانصياعه الكامل لمقولاته الفكرية العميقة. إذ أناور الكثير في الحراك بين مستويات التجريد لابتكار تقنيات وأدوات تمكّننه من إبداع تشكّلات جماليّة تتّسم بأصالتها من جهة، وتتناسب مع تراكم الخبرة وغنى التجربة البصرية بالمشاهدة، وتعرف حقائق جديدة بفعل التأمل، واقتراح أساليب أكثر ملاءمة في تمثل الموضوعيّ ثمّ تجسيده.

فيلاحظ إنّه حاول الاشتغال على منطقة الشكل الخالص الذي يقترب من العمارة والموسيقى على حدّ سواء، على رغم التناقض الحاد بين هذين الجنسين من الفنون، نظراً إلى بنيتيهما التكوينية، وإلزامات تشييد النصّ الإبداعي فيهما. فالعمارة تفرض المادة وقوانينها، وعلى المصمّم المعماري أن يراعي إرادة المادة التي تحدّ من رؤية الفنان. بينما نجد أن قوانين الموسيقى ترتبط بالزمن دون المادة. بمعنى، أنه حاول الاشتغال على التداخل المفاهيمي وما يشرح من خلاله من مقاربة فكرية وتقنية من خلال تبنّي أساسيات الكتلة والفضاء في العمارة، والوحدات والفترات التي تشكّل بنية الايقاع الموسيقي وتقنياتها في العزف المنفرد الصولو والباكراوند.

من اعمال الفنان علي شاكر نعمة

و لدى علي شاكر نعمة تطبيق مبكر لمفاهيم الجمالية في اللوحة حتى وان لم تكتمل واقصد بعدم الاكتمال هو الأفكار المبثوثة مسبقا لديه يدرج مفهوم النص في تصوراته عن الفن، فيرى أن تحديد النص يعتمد على المكونات ضمن آلية التعبير، التحديد، الخاصية البنيوية .

من اعمال الفنان علي شاكر نعمة

وظيفة الفن من وجهة نظر علي شاكر نعمة باختصار، قضاء علاقة جميلة ممتعة بينه وبين اللون واللوحة هكذا بدأ ثم بدأ يشعر بوجوب رد الجميل للتي الهمته بهذه المتعة البيئة التي عاش فيها. وتطورت الغاية ليكون اهتمامه أكثر منه متعة مثل الجوانب الثقافية التي فرضت نفسها عليه وبقوة العادات، البيئة، جماليات المباني القديمة والقلاع حتى أصبحت الغاية هي الوصول بالمجتمع للرقي في كل جوانب الحياة.
لو اتيح لنا الدخول الى عالم اللوحة التي يرسمها علي شاكر نعمة لاستطعنا ان نلتقط من كل شي حبة فبداخله يكون العمل الفني قد التقط حركة الذاكرة أوانه مارس دورا مزدوجا ,في تدوير المقاطع الزمانية ,وبهذا يصبح الزمان منبسطا كمكان يفترش الاشياء ويعيد تركيب مفارزات الذاكرة الحية وهي تمرر سرد الحكاية بطريقة الرسم ف يبرر علي شاكر فكرة المأوى بالاقتراب من الاحياز التي يبنيها والتي تبدو كأنها مشاهد هاربة من الذاكرة- مشاهد يجري فتحها بصريا فتظهر مدخلا يفضي الى مكان داخلي، او يجري التعتيم عليها بخطوط مسحوبة الى الخارج ، فتبدو ان المقصود هو شيء آخر ، فضلا عن زوائد من الاشكال العاطفية التعبيرية التي تبدو منفصلة او مكتفية بنفسها. والحال تلك هي لعبة الفن المزدوجة بوجه عام ، اللعبة التي تظهر وتخفي ما نظن انه دال، وربما تضيّعه من اجل قيمة جديدة تظهر فجأة.

من اعمال علي شاكر نعمة

إن رسم علي شاكر ينتمي للعواطف والخيالات والحالات المرتبطة بها ، من هنا فهو مرة يختصر، ومرة يطنب ، ومرة يواصل وعيه البوح على نحو مثير متمسكا بأشكال واضحة نسبيا ، ليعود الى التعتيم على ذلك الجزء الذي خرج الى النور. وفي كل الاحوال يبدو ان المأوى الذهني يجد معادله البصري مرارا في لقاءات تجري في العتمة، او هي في خارج لا نرى منه غير كوة ضوء باستخدامه التخطيط في بناء اعماله يلتقي علي شاكر نعمة تلقائيا بأشكال تبدو منبثقة من دون ما تصميم. فالتعبير بالخطوط يميل الى بث احتمالية من طبيعة عاطفية وحركيةإن ما يشيده الفنان كبؤرة للعمل يبتعد عنه بمعالجات عاطفية يصبح فيها الخط سطحا معتما، او يفتح له احيازا بيضاء يبقيها كعلاقة من طبيعة فنية جمالية ، وقد يجد لها ما يعادلها من سطوح معتمة او ملونة تتحرك فيها اشكال شبحية,وقد ربط الوجود الشخصي بالعمل الفني والرؤية بالكمون الداخلي للطاقة الابداعية لكل فنان باحثاني عما توارس عن نظره ونظر الاخرين ,بل يتجاوز الاخرين انطلاقا من فهمه لطبيعة الانا وعلاقتها بالعالم.

من اعمال الفنان علي شاكر نعمة

عمل الفنان على الاختزال الشديد في مفرداته المتوزعة على المساحات التي اشتغل عليها وتراوحت في الاستخدام الشفاف للون واطلاق طاقة الخط ليلعب بحرية غير محدودة في تشكيل كتله و للوهلة الاولى تعمد ان تكون الوانه هي الهدف وهي الموضوعة الرئيسية في العمل وهي التي تمنحه تأثيره، وتبدو محاولة الفنان في استثمار طاقة الخط على التعبير وتوزعه الحر على مساحة العمل وتشكيله للكتل الموجودة هو كل ما سعى اليه في الوقت الذي لم يعد للمتلقي رغبة في تقويل عناصر اللوحة الاخرى ولا مبررا لتقويلها، ولكن المتأمل لاعمال علي شاكر نعمة يجدها تفيض باستذكار شفاف لاماكن يستعيد الفنان تشكيلها ويترك للخط حرية تحديدها، اماكن تعيش في حلم يتنام باستمرار ويحرص على نسخه كل يوم ويعيد تركيبه ليعطيه بناء متجددا في محاولة دؤوبة للقبض عليه بشكل دائم حتى في حالات يقظته ويشكل منه مادته للسرد ويتبادل فيها الادوار مرة كخالق ومرة كمتلقي وليشكل بذلك معادل موضوعي للواقع المفترض، فأن تتلبس حلما بمكان يستحوذ على مفردات اليوم يستدعي اداة مناسبه لتمثيله وتتساوى في الاهمية التي تتطلبها بيئة العرض ومناخاته ومقدار تحديها، والاداة التي حرص الفنان على استدعائها هي استخدامه الحر للخط الذي اعطى تمثيلا كافيا تكون فيه استمرارية وتواصل امدته بقيمه فعلية ومقدرة على استعادة الحلم وتمثيله.

لا تعليقات

اترك رد