مبدئيا .. عاشت ايدك

 

بين الواقعي والمبالغ فيه، والحقيقي والمفبرك، والمغرض بنية سيئة والمدروس بحسن نية، يدور الحديث عن احتمالات تعرض رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي إلى انقلاب أو اغتيال، وتتصاعد خيوط الدخان بكثافات متفاوتة، تزيد تارة وتقل أخرى، تشي بمحاولة إسقاط الكاظمي بغية إبعاده عن منصبه، يقوم بها المتضررون من نهجه وسياسته وحملته في مقارعة المفسدين.

ولما كان هناك مثل يقول: “ماكو دخان من غير نار”.. فإن لهذه الأحاديث الشائعة نسبة من الصحة إلى حد ما، بل إنها أٌقرب الى النار منها الى الدخان، إذ استجد صراع في الساحة العراقية بين الكاظمي من جهة، والأحزاب والمتنفذين وحيتان الفساد من جهة ثانية. ولو بحثنا عن دوافع الانقلاب أو الاغتيال، فإنها متوافرة بكل تأكيد في الطرفين، ولاسيما الأحزاب والمتنفذين، حيث الطرف الأول -الكاظمي- قد ينصاع في نهاية المطاف إلى ضغوط الطرف الثاني. أما الأخيرون، فهم (حادّين سنونهم) وهم متمسكون بتلابيب المناصب التي تدر عليهم أموال السحت، ولعل تمسكهم بإصرار يجسده مثلنا القائل: “أعمى وچلّب بشباچ الكاظم”. لذا نراهم بين مستقتل ومستميت على ما استحوذوا عليه، وكيف لا! وهم الذين قيل عنهم: “بطون جاعت ثم شبعت”. وهم أنفسهم الذين قالوا: “ماننطيها”.

أعود إلى صاحبنا الكاظمي وأقول له: مبدئيا.. عاشت ايدك. ولكن ثمة ملاحظات أرى أنها جديرة بالوقوف عندها، مع أني متيقن أنها من غير المعقول أن تفوت رجلا بمنصب رئيس وزراء. أول تلك الملاحظات هي وضعه جميع بيضه في سلة واحدة، وهي أول سلة يمارس فيها جمع البيض، أقصد أنه لم يسبق أن دخل نزالا مع أحد المفسدين الكبار منفردا، فكيف به وقد وضعهم جميعا دفعة واحدة نصب عينيه وبين يديه؟ وهنا أخشى أن يكون مخدوعا بمعيته، ويظن أنه ليس لوحده في الحلبة، وقد يصدقهم إن ناشدوه قائلين: “فوت بيها وعالزلم خليها”. فـ “أبو رغال” لم يمت، وشخصه يتجسد في العصور جميعها، وله حضور دائم في الظروف كلها، والخيانة ليست جديدة على الشخوص التي تسنمت مقاليد حكم حساسة في العراق -الحديث منه والقديم-.

وعلى ذكر الخيانة، فإن سور الصين العظيم الذي يبلغ طوله 2400 كم، والذي يعد مشروعا دفاعيا عسكريا قديما بارزا ونادرا في التاريخ المعماري البشري، تم اختراقه أكثر من مرة رغم حصانته، إذ أنه يحتوي على حصون وثكنات وأبراج حراسة وأبراج مراقبة، تصطف على الخطوط الرئيسة للسور، ومع كل هذه الإجراءات والاحترازات، فقد تمكن المغول عام 1449 من هزيمة سلالة المينغ على الناحية الجنوبية من السور. ومع حلول عام 1644، وقع السور تحت سيطرة عشيرة مانشو، بعدما فتح الجنرال المينغي المحلي بوابة الشرق الأقصى “شانهايغوان” للغزاة. أما أسباب هذه الخروقات، فإنها لم تكن لضعف في بنائه او لقوة خيالية يمتلكها المهاجمون عليه، بل هي الخيانة وحدها كانت السبب في اختراقه، ووحدها الخيانة هي التي فتحت الثغرات أمام العدو وسهلت مهامه.

الخيانة إذن، قادرة على إحباط مهام الكاظمي، إذا علمنا أن ماسكي زمام أمور البلد منذ سبعة عشر عاما، باتوا (أسطوات) بطرائق التسقيط وسبل الإيقاع بمن يعترض طريق سرقاتهم، وهم لا يألون جهدا ولا يستثنون حلا يزيح من يمنعهم عن المضي بهذا.

بذا، على الكاظمي أخذ الحيطة من أقرب المقربين له، ولا يغره تأييد هذا وتشجيع ذاك، فحسب المواطن الساذج والبسيط ما مضى من سنين تجربة وموعظة، أليس حريا برجل مخابراتي سابقا ورئيس وزراء حاليا، أن يستشف الدروس ممن سبقوه، وكما قال أبو الأسود الدؤلي:

فما كل ذي لب بمؤتيك نصحه
                         ولا كل مؤتٍ نصحه بلبيب

لا تعليقات

اترك رد