غادرتك فنزح قلبي حدود صدري

 

مزقت الحرب قشور طمأنينتنا كفراخ الحمام، واندلعت النيران في عشّ البلاد. بات الموت حدثاً يومياً يُرقق مع رغيف الخبز، ويصيح كديك الحيّ كل صباح، لنكون شهود عيان على انفجار، ونتعثر في الطريق بأشلاء مبتورة نهرول مبشرين لنجاتنا بأعجوبة.

اعتكفت غرفتي أستمع لأزيز الرصاص، إلى أن تأقلمت مع عزلتي، تحولت نافذتي لمنفث عن ثقل تكات الساعة، أرنو للأفواج البشرية وكيف تتعانق الآلام على خاصرتهم وفي محياهم تولد ألف حسرة، يطاردون الحياة، والموت الممرّغ بالجوع يطاردهم، نساء ببطون منتفخة تحملن تحت إبطهن رضيعاً يتبعونها ثلاثة أطفال يكسوا أبدانهم قطع قماش مرتقة وأحذية ممزقة، وكأن التكاثر خلاصنا والشيء الوحيد غير المكلف في مدينتنا.

في الثامن من أيار نهضت من مضجعي بملل، شرعت نافذتي كالمعتاد لكن على غير العادة سقط وتين قلبي مني ودهسه عابر طريق مثل كسرة خبز تحت قدمه.
أحببتك وأنا ما بين الغفوة والصحوة.
تحولت نافذتي إلى معبر سري يجرني الشوق كل صباح من ياقة قميصي، لأتسلل على رؤوس أصابع قلبي وأمعن في تقاطيع وجهك.
زرعت ياسمين أمنياتي ورحت أسقيها بعيون هتون الدمع وأنا أرصد ظلك، عشش عطرك في ثنايا بتلاتها واتخذت من عريشتها مسكني وملجئي ونبيذاً يسكر آخر نقطة من صبري.

أول اعتراف بانزلاقي في وكر حبك حين رفعت رأسك للأعلى لتمعن في زرقة السماء الممطرة وكأن الغيم تزحلق إلى عيني وأمطرت دمعاً يغسل شوارع أشواقي.
التقت عيناي بعينيك واحتضر الجوى بيننا.
تمرغت كجرو مجروح في وحل الحب وقلبي ينبح بحثاً عن عطرك.
احتدمت الاشتباكات في الحيّ في ليلة مقمرة، وسارعت أمّي تحاول الفرار لتنقذ أجنتها، تسمرت في الأرض كسنديانة افترشت جذورها تحت التربة أمتاراً وما زالت أغصان الشوق تتشعب في جذعي، فمَن سينقذ قلبي من الاشتياق يا أمّي؟

استعجلني والدي وهو يجرّ قلبي المنتظر على النافذة لتطل بلقاء الوداع، تعثرت،
سقطت،
بكيت، وقلبي يئنّ من الحنين
باعدتنا دول وقارات جغرافية، غادرتك ونزح قلبي حدود صدري
اصفرت نبتتي حنيناً لعينيك وذبلت ناصية النافذة
رحت أجرّ حقيبتي وقلبي لأعبر حدود الحب وأهجر موطني الذي يمطر بالرصاص،
لكن الحنين للوطن ولعينيك نصل في حلق ذاكرتي
كيف حالك يا ترى؟ وخلف أيّ وطن تتوارى؟
أمتعب أنت كحال الأفواج التي لاذت يوم القصف بالفرار، أم عدت للبلاد تحتسي الدموع وتتمسك كطفل متعب بطرف ثوب الحياة؟
كن بخير أينما كنت علني ذات يوم في تقويم الحب ألقاك.
زارني طيفك في الحلم الليلة الماضية، كنت مكابراً كعادتك، ولم تبالِ لوجودي ممزقاً خلف درفتي النافذة.
كنت أقف ليطل قلبي كطير حزين عليك وأنت تمشط الأرصفة
كان المكان مهجوراً ومخيفاً كمستعمرة منسية كحال روحي
لم أبالِ وصمدت أترقب مرورك التاريخي على قلبي
دون أن تأتي وتحول الحلم لكابوس أفزعني.
نهضت بتثاقل هذا الصباح، وكأني قطعت القارات بيننا سيراً على صدري أحبو علني ألقاك
والذكريات تلفح وجه ذاكرتي
نظرت في وجهي المتعب في المرآة لأجد بثوراً عشوائية نبتت على وجهي وكأنها حمى الاشتياق
أهي أحلامنا معبر سري لحسراتنا العالقة وللممنوعات المخدرة للوجدان؟
تساءلت كيف يقفز وجهك فوق سياج النسيان ليداهم غفلتي.
عزمت أن أحمي حدودي من سطوك الموجع، ولن أعيد فتح نافذتي ليهب هواء الحنين في باحة أيامي
عزمت ألا أنام هذه الليلة، ورحت أصنع حشداً من أكواب القهوة الفارغة أملؤها في جوفي بنخب نسيانك
بدأت أصارع الحائط والساعة المعلقة
وكأن البن حال مفعوله خذلني كما الرصاصة والنافذة، بدأت أنتشي ثملةً من كؤوس الماضي
تحول قلبي إلى حانة قديمة وبدأت أتنفس برئتي الشوق لعينيك
أتخمت منفضة ذاكرتي بأعقاب الحب المشتعلة
ارتخى قلبي، دوران في رأسي وتقيأت تكابري
بدأت أنحب حتى رأيت وجهك في ثفل الفال
بعيون ذابلة ووجه شاحب كالبلاد
فصرخ قلبي لاهثاً:
تباً! إنها لعنة الغربة والفراق، جراحاً لا ضماد له، ستنزف حتى يجف دمك الخاثر ألماً.
ومهما تعاطيت النسيان ستصحو يوماً وستأتيك سكرات الحب ذات مساء.

المقال السابقالاستسلام لرائحة الحزن
المقال التالىالكوارث التي تسبق الاعياد في العراق
أفين اوسو، كاتبة سوريه كردية، تكتب الرواية والنصوص النثرية. ولدت عام 1991م في مدينة عفرين، التابعة لمحافظة حلب، دخلت كلية الآداب والعلوم الإنسانية – قسم الترجمة الفرنسية، ولم تكمل دراستها؛ بسبب ظروف الحرب في سوريا، فنزحت إلى تركيا. تقيم حالياً في ألمانيا.....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد