مكوكيات تحت المجهر

 

سألتني الفضائيات إذا ما كانت زيارة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الأخيرة إلى روسيا والعراق، تزامنًا مع زيارة “الكاظمي” للسعودية وإيران تهدف إلى رأب أصداع، وإلى تخفيف توتر، أم أنها تجيء بردًا وسلامًا محفوفًا بالمخاطر، تهدئة ووئامًا إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا؟
لم أجب لأنني أدرك بأن المشروع الإقليمي الإيراني لم تسكت مدافعه، وأن الأطماع الفارسية المرتدية عباءة الدين والممسكة بعصا المذهب، مازالت تكشر عن أنيابها في وجوه الجيران المسالمين، وأن الجزرة التي تعفنت من طول أمد الإمساك بها لم تعد تخدع أحدًا، حيث المملكة العربية السعودية تستقبل بشكل شبه دوري وبصورة يمكن تلقيبها بالمنتظمة الصواريخ الحوثية المرتدية كمامة إيرانية، والطائرات المسيرة المستخدمة جلبابًا ملوثًا بدماء الأبرياء.
المملكة العربية السعودية شأنها في ذلك شأن مصر ودول “المربع الذهبي” العربي، “السعودية – مصر – البحرين – الإمارات” تدرك بأن الأمن القومي للإقليم لا تهدده سوى مليشيات قادمة من الجوار العربي الممتد من إيران شرقًا حتى تركيا شمالًا، إلى إسرائيل في الوسط المتوسط المأسوف على أمنه وسلامة مياهه، وبشاشة أراضيه.
“المربع الذهبي” العربي مازال يعاني من هيمنة مشاريع وافدة، وغطرسة سلاطين حاقدة، وأطماع جيوش بالوكالة ترمي بغير رامٍ على مقدسات صامدة.
السعودية أو مصر تعانيان الأمرين، من تركيا وإيران، من الأفعى الإسرائيلية فوق هضاب سد النهضة، والبشاعة القطرية وهي تصطف بجوار الأعداء تمول لهم مشاريعهم العدوانية وتحلق معهم في سماوات الغضب عليهم، وتخطط في ثكناتهم على كيفية خوض المعارك ضد الأشقاء، والنيل من الاستقلال الوطني لهم بكل حماقة واستعلاء.
أجبت في النهاية على محدثي بأن المنطقة تعاني بفعل مخططات إيرانية، بأصابع وبصمات للأسف الشديد قطرية، بمباركة ودعم وعدوان مترافق من والي الباب العالي الجديد أردوغان في عثمانيته المنسية، الكل على قلب رجل واحد ضد أمتنا العربية، وأمتنا تحاول لملمة الكلمة الموحدة من فوق “مناضد” الماضي المتبعثرة، تسعى لوطع الكتف بالكتف، حتى نستطيع أن نقولها بالفم الملآن: العين بالعين، والسن بالسن، والأنف بالأنف.
رغم ذلك مازالت بعض الدول العربية تغض الطرف عما يحدث للمملكة العربية السعودية من حوثيي الجنوب، وما يُحاك من إرهاب مفخخ يختبئ تحت الجلد السيناوي السميك محاولًا تفجير ما تبقى من شرعية، وترويع ما تؤمن به القبائل من وحدة وطنية.
العراق يحاول بجهود الكاظمي “الجديد” أن يعيد بلاده إلى الحظيرة العربية، إلى حضنها الدافئ مرة ثانية، لكن المقاومة المعممة في إيران تحاول بسط نفوذها بأيادٍ لا تؤمن بوحدة العراق، ولا تسعى إلى لملمة أشلاء البقايا المتناثرة من أياديه العربية الطولى باتجاه أمته، أما المؤامرة فقد امتدت حتى فينيقي لبنان، إلى أرضه وشواطئه ووديانه الخضراء، إلى شعبه وعزه واستقراره ونهضته، نزل حزب الله إلى الشوارع ولم يستكين مثلما وعد منتظرًا العدو الصهيوني على الحدود، إيران تدعمه وتموله وتزوده بالعدة والعتاد والمصحف “المفصل”، الغرب لا يساندون لبنان بالكيفية التي تهدئ من روع الشارع الباحث عن كهرباء، والمتكالب على رغيف الخبز، والمعذب بفعل عملة لبنانية لا تغني ولا تسمن من جوع، الدولار يتجاوز أسقف ما أنزل الله بها من سلطان، يشتري نحو تسع آلاف ليرة بأسعار صرف الأيام الماضية.
إيران خلف التوتر في لبنان، وأمام التقسيم في العراق، وعلى مرمى حجر من صواريخ الحوثي في اليمن، فكيف بالله عليكم نثق في نظام يصافحنا بيد، ويضع بالأخرى سمًا في عسل، وخنجرًا مسمومًا في خاصرة؟

المقال السابقلقد جاء تراباً
المقال التالىمايكل لينك و ” إسرائيل “
اسامه مهران شاعر وصحفى يترأس تحرير مجلة الاهلية البحرينية ويكتب الشعر منذ سبعينات هذا القرن وهو صحفي اقتصادي معروف له اكثر من برنامج تليفزيون ، وكات عمود متخصص فى الشأن الاقصادى فى اكثر من جريدة عربية والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية في البحرين، رئيس التحرير السابق لصحيفتي «الميثاق» و(....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد