سَأُحاجِجُكِ عِندَ ذي العَرشِ أُمَّاهُ

 

{ القَلَمُ إحياناً هوَ من يَتَخَيَّرُ عَبَراتَهُ ويَختارُ خَلَجاتَهُ على هَواهُ , رَغمَ أنف أنَامِلٍ تَحمِلُهُ وتُسقيهِ مِنَ المِدادِ وتَرعاهُ . فحينَ نَوَتَ الأناملُ أن تَخُطَّ مقالةِ تربيةٍ في فِكرِ أبنائِنا وخَفاياهُ , مُؤطَّراً عنوانُها ” صِراعُ صَاحبي الحَمّال مع بَشْرَلَونَة والرِّيال ” وتفاصيلُ دعواه , تَفَلَّتَ القلمُ من حبسِ الأناملِ وفَكَكَّ عُراهُ , فهَوى فَزَوى إلى قَدَمِ صاحبهِ فكانَ أسفَلَ الطاوِلَةِ مَرماهُ , ثُمَّ ضَوى إلى ظَهرِ إبهامٍ ذي وَشمٍ فيروزي طويلٍ مَجراه , ثُمَّ لَوَى القلمُ لِسانَهُ بهذه الحروفِ وَرَوى شجاه } :
أُمَّاهُ ..
ها نَحنُ في عَرَصَاتِ ذِي العَرشِ المجيد وَكُلَّ شَيّءٍ عَدَّاً عَدَّهُ وأحصَاهُ , وإن يَكُ قِطميرٌ أو فَتيلٌ فإنَّهُ أحصَاهُ إذ نحنُ نَسيناهُ . سَأُحاجِجُكِ عندَهُ في أمرٍ حَدَثَ على ظَهرِها في عُمُرٍ سَوِيَّاً مَخَرنَاهُ ياأُمّاَهُ . فِي شِتَاءِ آخِرِعَامٍ مِن سِتينِينَاتِ قَرنٍ خَفِيَّاً رُبَمَا إِختَطَفَنا , ورُبَمَا نَحنُ إِختَطَفناهُ . قَرنٌ شَطرُ خِتامِهِ كانَ مِن نَصِيبي ونَصِيبُكِ مِنهُ شَطرَاهُ . قَرنٌ كُتِبَ عَلينا وألجَأنَا قَصَّاً نَقتفي أثارَ خُطاهُ , أَوِتَذكُرِينَهُ أُمّاَهُ !
هَزهِزي بِرأسكِ , أو..
رَجرجي برَأسي وكأنّي بِحُضنِكِ أيامَ دَهرٍعِشناهُ ومَرقناهُ . هُزِّي بِرأسِكِ أُمَّاهُ أن : نَعم أتَذكَّرُ كَبداهُ .
أفَتَذكُرينَ وإذ نحنُ في مَقطَنٍ الطّينِ هنالكَ في الدُّنيا سَكنَّاهُ , مَقطَنٌ على أطرافِ بغدادَ كانَ مُرساهُ , مَقطَنٌ يَضيقُ بهِ الصّدرُ مُستَقَّراً والجُرذُ مُتَأنِّفاً يأباهُ , فَنَهارهُ صِراعٌ بينَ حَوايا البُطونِ وإِسدالِ الجُفونِ ! وكانَ مَريباً دُجاهُ , ونِزاعٌ بينَ زوايا السّكونِ وسَرابِ الظّنونِ ! وكانَ غَريباً مَأواهُ . لَكأنّي شَعرّتُ وإذ كنتُ في ذاكَ السرابِ كَسُنبلةِ قَمحٍ تُسحَقُ بينَ رُحاهُ ؟ ولكنّكِ كُنتِ بهِ مَسرورةً كانَّهُ قَصرٌ مُمَرّدٌ من قَواريرَ لِشاه , ومُزخرفٌ بزينةِ عُرسٍ لِيَعرُسا فيهِ الليلةَ وَلَدَاهُ . أفَذاكَ كانَ عن رِضىً مِنكِ أُمّاَهُ أم هوَ لِهِجرةٍ مِن بأساءَ ريفٍ أصمٍّ وضَناهُ ؟
أَتَذكُرِينَ مَقطنَنا ! تَعِسَ المَقطنُ البئيسُ التَّعيس اللئيمُ إيّاهُ؟ وإذ أَتمَمتُ سَبعَ حِجَجٍ في تلكَ الدارِ أُمّاَهُ , وإذ يَمَمتُ وَجهيَ صَوبَ مُستَنقَعٍ آسنٍ كانَ خلفَ الدّارِ مُرساهُ , وإذ وَلَجتُ فيهِ ساعةَ نهارٍ مُشمسٍ بِبَهيجِ شَغَفٍ وشَغَبٍ كانتِ النّفسُ تَهواهُ , ذاكَ إبتِهاجٌ أمّي غَيرُ مألوفٍ إلّا عِندَ الأباطرةِ ألِفناهُ , أو رُبَما تَآلَفَهُ قَيسٌ إن أقبَلَت إليهِ بِتَمايلٍ ساعةَ ضُحىً لَيلاهُ , وإذ مَرَجتُ ماءَهُ فإختَلَطَ عَفَنُ قاعِهِ بِزبَدِ لَوثِهِ وأشباهُ , فأمسى ثقيلاً خَوْضُهُ على غَضاضةِ ساقينِ إلّا بِإكراه , لكنَّ شَغَفي أبى تَقَهقُراً وحَذَرَاً وإنتِباهُ , فكانَ جزاؤهُما إلتِواءُ إبهامٍ فَتَوَرُّمٌ عليهِ بَناهُ , فماذا كانَ عِلاجُكِ يَومَئذٍ أمّاهُ ؟
وَخْزٌ بإبرَةٍ ؟ أذاكَ زَرعُ الطّبِ عِندكُمُ وذاكَ كانَ جَناهُ!
وَيْ ! كيفَ عَلِمَ غُلامي بذاكَ ومَن ذا الذي أنباهُ! وأنّى ليَ نِسيانُهُ ياصَغيري الذي هو في كُلِّ خَوضٍ لاهٍ ؟
أيَّ بُنيّ , ساعتئذٍ طَهَّرَتَاكَ أختاكَ مِمّا حُمِّلتَ مِن أطيانٍ وأدرانٍ لَقيناهُ , ثُمَّ طَرَحَتَاكَ أرضاً على تَمرُّدٍ مِنكَ وإكراه , وجَهَّزَتَا إبرَةً وسخَاماً من مَوقدِ نارٍ بِترابِ الدّارِ دَفَنَّاهُ ثُمَّ..
إنطَلقَ قصفُ إبرتي مُتتابعاً على طولِ خَطِّ قَدَمِكَ عن إبهامكَ ايّاهُ .
نَعم أمّاهُ , فلا إِسْتِجَارَتي نَفَعَت من نَهزٍ وَوَيلاهُ , ولا إِسْتِعانَتي شَفَعَت من نَغزٍ وَأوَّآهُ , ولا إِسْتِغَاثتي دَفَعَت من وَخزٍ وَوَجعاهُ!
بَيدَ أنّكَ شُفيتَ من الوَرَمِ بُنَيَّاهُ!
بل شُفيَ بذاتهِ من أورَامهِ وبِلاه , وما كانَ في وَخزِكِ شِفاءٌ من إنتفاخٍ وبَلواه ! أَمَا كانَ من علاجٍ أخفّ وطئاً لِمُصاباهُ ؟ أما كانَ آنئذٍ من مَشفىً قريبٍ لإبهامي يِتَبَنَّاهً ؟ ألم يَرِقّ فؤادُكِ يومئذٍ لصَرخاتي والآه ؟ يا لِتَحَجُّرِ ذاكَ القلب بينَ جوانحِكِ أمّاهُ ؟
وَيْحَكَ ياصغيري وما حَدَّثتَ بهِ من أمرٍ مشينٍ وعيباه!
ما عُدّتُ وغداً أمّاهُ وقد بلغَ الشّيبُ مُنتَهاهَ , وها نحنُ عندَ أبوابِ ذي العَرشِ وكلَّ شيّءٍ عدَّاً عدَّهُ وأحصَاهُ , في كتابٍ لا يُغادرُ صراخَ إبهامي ولا نَغزَ مَخيطِكِ ولا سِواهُ .
لا تَغضبي , سَأحاجِجُكِ على الصراخِ أمّاهُ , ولا يَظلمُ ربُّكِ أحداً وكلُّ مِنَّا سَيرضى مُطمَئنّاً بِفتواهُ ؟
وَيْحَ عيني ! وَغدٌ شَقيٌّ أذاقَني عَلقماً في صِباهُ وفي دُنياهُ !
وهاهوَ يكشفُ الحُجُبَ أنّهُ مازالَ وغداً في أُخرَاهُ ! نَغزاتُ أبرَتي – بُنَيَّ – مَرَّت بِخافقي قبلَ إبهامِكَ إذ كانت تَتَوخاهُ !
لا شَأنَ لي بِخافقِكِ وما تَألَّمَ , أَوَحَسِبتِ ذاكَ علاجاً أمّاهُ ؟
لاعُذرَ لكِ في عَذابِ مَخيطِكِ وصَدى وَجْعَاهُ , عَمَّا قليلٌ سَتَزَأرُ المَلائكُ بفتحِ بابِ الحسابِ ولكُلِّ نَبَإٍ مُستَقرّهُ وعُقباهُ ,
سَتُرفَعُ رايةُ عدلٍ وسَيدُفَعُ بميزانِ قسطٍ بحباتِ خردلٍ حِسابُهُ وجزاهُ
وإن تكُ مثقالُ ذرةٍ من شَرٍّ لن تَندَرِسَ ولن تُهملَ في مَداهُ ؟
الحَقُّ بُنَيَّ أقولُ: كان دهرُنا : ساعةً نلوكُ فيها رغيفَ خبزٍ وساعةً الرّغيفَ فيها نَنعاهُ , فانَّى لنا دراهمَ أجورَاً لمَشفىً نَقصِدُهُ ونحظاهُ !
أوَحَقّاً أنّكَ فاعلٌ وللجَبَّارِ يَبُثُّ صدرُكَ شكواهُ ؟ أوَحَقّاً مُحاجِجي؟ فوَا ثَكُلاه ! أفَأغفَلّتَ أم تَغَافَلّتَ عن لَذيذِ لبنِ نَجداي يامَحلاهُ ! أوَجفَلّتَ أم تَجَافَلّتَ من همسِ صَدري ولمسِهِ ويالهمساهُ ! أم أنّكَ جهِلّتَ أم تَجَاهلّتَ سَكَنَ حُضني ودِفأهُ وبهاهُ , وإذ ظهري من البَردِ مُرتَجفٌ وفَخِذايَ وكَتِفاه ؟ أَوَقد نَسيتَ أو تَناسيتَ حَلوى خَبَّأتُها أياماً حَذوَ قلبي وجُنحاهُ , فَلَوَّحتُ بها لكَ:
(حَيهلا الشّقي وحَيهلا بخُطى النّبضِ وسُقياه )
إنَّ وَلَدي يُحاجِجُني وهوَ مُشتَمِلٌ ! ماهكذا ياغُلامُ تَرمي عجوزاً وَلَدَتكَ بِسَوْآه !
رُبَما غَضَّ طَرفَهُ عن نَفخي بآياتٍ على جَبينهِ حينَ يُصبِحُ وحينَ مساهُ ؟
ربما فَضَّ عُرفَهُ عن هَوَسَي وإضطرابي حينَ إصفرارِوجنتيّهِ وعندما تَحمرُّ عيناهُ؟
أوَحَقّاً مُحاجِجي هُوَ؟ يا لِسَوءِ مُنقَلَبي عند ربّي وسُوءِ عُقباهُ ؟
أتَوَسَّلُ اليكَ الّا تَفعَلها , وتَرَجَّلْ من حصانِ زَعمِكَ ودعواهُ , وأعفُّ عنّي وأصفحْ , وتَذَكَّرْ حنانَ أمِّكَ في صيفَه وشتاه ؟
أما حنانُكِ فَغَريزةُ خَلْقٍ لَبِسناهُ بِوحيِ الخلّاقِ وهُداهُ . خَلقٌ وجِبِلّةٌ فينا فَعَلتُها مع ذُرّيَتي فلا تَنظري جدواهُ , وأمّا العَفو فَنَعَم لكنّهُ عَفوٌ مَشروطٌ مُقتَضاه؟
لاضيرَ . سمعاً وطاعةً وهاتِ ماعندكَ كَبداهُ؟
أمّاهُ..
*أشهدُ لكِ أنَّ دعاءَكِ كانَ مُستجاباً وما ذهبَ يوماً سداهُ ,
*أشهدُ لكِ بتمنّي النّاسِ منكِ دعاءً ولو لمرةٍ بِنَداهُ ونِداه ,
*أشهدَ لكِ أنّكِ كنتِ تَستَسقينَ للنّاسِ فَيُغِيثكِ في ومضةٍ من سماه , فَتَسألِينَهُ دَيماً فيأتيكِ عللاً بعدَ نَهلٍ شذاه ,
*أشهدَ أنّ ثناءَكِ على ربِّكِ كان أشبهُ بثناءِ الأولينَ في فحواهُ .أوَلَستِ أنتِ صاحبةُ عبارةِ حَمدٍ أعجزَتِ الملائكةَ عن تسجيلِها :
( اللهمَّ لكَ الحمدُ من قَلبِ قَلبِي حتى جَلالِ ذَاتِكَ) وكبريائه وسناه !
*أشهدُ أنّ دُعاءَكِ كانَ بَليغاً جامعاً -رغمَ أمِّيَتِكِ – بِرجاه , وما دَندَنَ إلّا في فَضاءِ الغفرانِ والرضوانِ وخَلا مِمّا يَسالُهُ الناسُ إلحَافَاً من مالٍ وبنين وأشباه..
كنتُ أنهَرُكِ بِغَليظِ قولٍ فلا تَسأمي : وَاأفَفَاهُ
أكادُ أجزِمُ أنّكِ سَتَمرِّينَ على الصِراطِ بَرقَاً أمّاهُ , فَدَعِيني أحُاجِجُكِ لا أنالَ من حَسَنَاتِكِ شَطراً يُنقِذُني من جَحيمِ ربِي و لَظَاهُ , أو أن تَشفَعي ليَ عندَهُ وتَدعِيهِ بِما عَهِدَ عندكِ ألّا يُخزِني هاهُناه ؟
إذهَبي ..
إذهَبي أمّاهُ فإنَّ الملائكةَ أقبَلوا قاصِدينَكِ مُستَبشرينَ أمّاهُ , وتَوَسَلِي بِهِ لَهُ بِإلحَاحٍ ولَهفَاه :
( أنَّ وَلِدي من كَبدي ذاكَ هوَ يَدعُو : واثُبوراهُ , وأنِّي أعُوذُ بكَ ان اسألكَ ماليسَ لي بِهِ عِلمٌ رَبَّاهُ , وإلّا تَاذنَ لي فلن أسالكَ من أمرِ غُلامي شَيئاً وَوِزراهُ . ذلكَ الذي يُحَملِقُ بوجهٍ واجفٍ وبصرٍ راجفٍ هوَهوَ بِقامتِهِ وسيماهُ : وَلَدي كانَ مُغبَرَّالأثامِ في عُتِيِّهِ وكانَ أغبراً في صِباه , إستَجارَني فَأجِرني فيهِ من خَطاياهُ , ونَقِّهِ مِنها ومِن سَوْآتِهِ وأدخِلْهُ الجِنَانَ معيَ رَبَّاهُ , هوَ ذاكَ هنالكَ وَغْدٌ غَبيُّ شَقيٌّ شاردُ الفكرِ سَاه ! هوَ ذا الذي خاضَ في ذلكَ المُستَنقَعِ إيّاهُ ! وإنّي ربّاهُ …
أشهدُ لهُ أنّهُ أقَلَّني من بغدادَ حتى بئرِ زمزمَ فأرتَويتُ بيديه من سُقياهُ , وشَهِدَ ليَ أنّ نبضَهُ – في رمضانَ وبينَ الركنِ والمقامِ – عانقَ نَبضِي حينَ نَجواهُ , ولقد صَلَّينا سَوياً في لَيلةِ القدرِ في حِجرِ إسماعيلَ الزَّكيّ ذِكراهُ . ولقد سَخِرَ من عَرَقٍ في جَبيني — بينَ الصّفا والمَروةِ – ضاحِكاً يَعَضُّ بِشِفاهِهِ ويَدلُكُ بِلِحاهُ ..
كانَ يَنهَرُني؟ نعم , ولكن لاحقوقَ و ( أنا مسامحاهُ) رَبَّاهُ ! يارَبَّاهُ !
بَل كانَ يَشتمُني ؟ نعم , ولكن لاعقوقَ و ( أنا مسامحاهُ) رَبَّاهُ ! يارَبَّاهُ !
إنّهُ ما صَبَرَ على وَخَزَاتِ ابرَتي أفَيَتَصَبَّرُ على سَقَرك وسُعراهُ ؟
إنّهُ ومِن هولِهِ يَبتغي مُحاجَجَتي آملاً في حقِّ إبهامٍ أرتَجاهُ !
فأنًّى ليَ تَركَ هذا الوغدِ المُغبَرِّ هاهنا بينَ الخلائقِ يا الله !
أنّهُ كانَ يُحِبُّكَ و يُزَمجِرُ مُبغِضاً من أَنكَركَ وأبغَضَ رَسولَكَ وعاداهُ , وأنّي لأطمعُ
في قَبَسٍ من رَحمَتِكِ أن تَظلَّهُ وتَغشاهُ . أسألُ رَبِّي الجبّارَ وبهِ أستجيرُ ومَن يُجيرُ سُواهُ )؟
بغداد – بقلم : علي الجنابي
( ما ظَنُّكَ أيُّها القارئُ الكريمُ ؟ أَفَسَيَحظى بِقَبَسِ رحمةٍ فَيَنجُو بها صاحبُنا ذو الأبهامِ مِن الجَحيمِ وَلَظاهُ )؟

المقال السابقالشمس في بلادي
المقال التالىالقراءة في الزمن المعاصر بين مفهوم التنوير وثقافة التسامح
ماجستير هندسة ميكانيك - التخصص الدقيق/ محركات احتراق داخلي. - الجامعة : كلية الهندسة /جمهورية التشيك -سنة التخرج :1987 - حاليا كاتب مقالات ونصوص أدبية نُشِرَت في: * مؤسسة الشرق للصحافة والإعلام ( جريدتي الشرق والعراق) * مؤسسة الكاظمي للصحافة والإعلام ( جريدة الدستور ومجلة فن الفنون الادب....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد