القراءة في الزمن المعاصر بين مفهوم التنوير وثقافة التسامح

 

القراءة من الوسائل الأساسية إن لم تكن الركيزة الأهم لعملية التعلم بعد اتقان حروف الأبجدية ،وفن تحويلها إلى جمل ذات معنى.لأن اكتساب المعرفة في جوهره هو التعَرف على ثقافات الشعوب المختلفة ،بما فيها تاريخهم وأسرار لغاتهم وغنى عاداتهم وثراء علومهم.أي أن القراءة تظل أفضل الطرق لإثراء الذات وتنمية المهارات الفردية والعامة على السواء. فبواسطة القراءة يكتسب الفرد المعلومات المختلفة التي تضيف إلى ما يعرفه مسبقا عما حوله من عادات وعقول ،فتحوله إلى شخص أكثر وعيا بما يحدث في العالم الواسع ،وبهذا يكتسب الثقافة التي هي المطلب الأساسي لأي تنوير ممكن للمجتمعات ككل ،فتوسع آفاقه ومداركه وتجعله أكثر قدرة على فهم ومجادلة شتى مواضيع الحياة ،ومن تم تقبل الرأي الآخر المخالف على الخصوص.

فما يكتسبه الفرد من ثروات المعلومات ،هو في النهاية عبارة عن كنز يفتح أمام عقله العالم بأكمله ،ويفسح له الطريق السحري نحو أبواب المعرفة والثقافة.وبهذا تخلد القراءة عادة لا يضر أبدا إدمانها ،ولا لإدمانها الممتع آثار جانبية سلبية أبدا.

وفي عصرنا الحديث اضحت القراءة وسيلة متاحة ،لا تكلف الكثير من الإمكانيات المادية كالسابق ،لأن ولود مجالها لم يعد صعبا ولا شبه مستحيل على الإطلاق.لأن ما كان يتطلبه الحصول على الكتب في السابق ،من تضحيات مادية كانت فيما مضى ترهق كاهل الإنسان البسيط ومتوسط الدخل لم تعد اليوم بذلك الثقل ولا بتلك الصعوبة رغم خزائنها المكتظة بالنفائس الإنسانية سواء المعنوية منها والتنويرية ،وبكل ما تحمله إلى يومنا هذا من متعة الاطلاع على تجارب الآخرين

وسير الشخصيات المحاربة في شتى المجالات ،ودول فاقت الأمم تقدما وحضارة ،أو تلك التي لازالت تجاهد لتحقق لمواطنيها ما يصبون إلى رفاهيته كحق إنساني.

فلا نحتاج اليوم سوى إلى هاتف أو لوحة رقمية أو حاسوب ،أو ولوج قاعات خاصة بوسائل التواصل الافتراضي.إضافة إلى البرامج الوثائقية التي تحفل بثرائها العديد من القنوات الفضائية العالمية المختصة ،بإيصال ما نحتاجه من معارف إلى أدمغتنا ،ونحن جالسون في أماكننا نستمتع جماعيا بروعة الاطلاع رفقة أفراد أسرنا ،أو وحدنا في عالم ساحر يزيح بعض غيوم جهلنا الطبيعي ،بالعديد من أسرار الكون الواسع.

ولا يمكننا أن نتغاضى عن دور العالم الرقمي جميعه ،في إتحافنا بروائع الكتب القديمة والحديثة.وتلك التي قد تتطلبها مناهج التعليم المحلي نفسها من علوم وتوسعة لمدارك التلميذ والطالب ،والأساتذة والموجهين على السواء.فنجد مكتبات لبيع الكتب بأثمان مقبولة ،منها كتب العلم المختلفة منابرها حول ميادين الهندسة والرياضيات والطب ،وروائع التشييد وعبقرية الأبحاث على اختلاف منابعها.كما كتب الأدب بشتى أنواع الإبداع من روايات ومقالات وخواطر وأشعار وسير ذاتية وتاريخ وجغرافيا ،كما أخلاقية وتعليمية وسياسية وفلسفية وإعلامية.سواء منها الأدب المحلي حيث نتواجد في أي بقعة من العالم الواسع ،أو الأدب العالمي المترجم إلى لغات مختلفة ،كي يتيح للجميع حرية الاطلاع على اختلاف أجناسهم ومواطنهم.ونجد مواقع أخرى تنزل كل هذه التحف العلمية والمعرفية مجانا بإذن مؤلفيها طبعا مساهمة منها في الرقي ،بالذوق العام وبعقلية الفرد كنواة محورية لسمو المجتمعات ككل.كما تتحفنا العديد من المواقع بآخر صيحات الفنون ،من لوحات ثمينة وأفلام تعتبر من تحف الفن السابع والشاشات الصغيرة والمسارح ،وغير ذلك من تصميمات أزياء يزيدنا بعضها بهجة ،ويتحفنا

الآخر بما وصلت إليه عادات الشعوب من تغيير هو الأساس لكل تقدم.مما لا يغفل عنه ايضا علماء العصر الأسوياء ،من توجيه الطفل عبر كتب خاصة بكل فترة من مراحل عمره الغض ،عبر كتب مصورة بعد الرسوم المتحركة على الشاشات ،وصولا إلى مجلات خاصة بالمراهقين وكتب تقرب إليهم ،ما يفيد مجتمعاتهم وذويهم والأجيال القادمة بعدهم.خاصة إذا ما أسهم الكبار من الأهل والموجهين ،في نماء المجال التثقيفي بالاستفادة بدورهم من أنواره ،كي يصبحوا مؤهلين لممارسة رقابة ذكية على كل يصل إلى مسامع وأيدي الأجيال الصاعدة ،وما يلج عقولهم العطشى إلى المعرفة ،بحكم النزعة البشرية الفطرية الفضول من فوائد تستحق تنميتها لديهم ،أو أضرار يجب تفادي توغلها قبل فوات الأوان.

لا ننسى أن التطوير الشامل نوعا ما يحتاج تطويرا في كل مجالات التعليم ،خاصة مناهجه التي يجب أن تتوافق متطلبات العصر ،بالتركيز على تحديث المدارس والمؤسسات التعليمية المجانية بالأساس.لما يتطلبه برنامج التطوير البعيد المدى ،من إجادة اللغات المطلوبة لولوج دراسات عليا وأكثر عمقا.والتخفيف من الاكتظاظ بتوسعة المؤسسات العتيقة وتشييد أخرى جديدة ،تسمح آفاقها بإعادة الإشراق إلى صقل المواهب الفنية والأدبية والعلمية لدى المتلقي.عبر أنشطة متنوعة تحببه في التعليم والاندماج في سلك الهيكلة الأخلاقية بوسطية نافعة ،تبعده عن كل أشكال العنف والتطرف والانحراف.دون إغفال نقطة مهمة تتلخص في ارتقاء فرص العمل التي لم تعد محلية دائما نحو ارتباط عالمي دولي ،كما الحقوق الإنسانية نفسها وقوانين الدول جميعها.

فأول لبنة التطوير نسف بنيان التعليم الحالي ،أو على الأقل البدء بإعادة ترميمه من الأساس ،للتشوه الذي طال زواياه وجدرانه ،والخلل الذي وسع الثغرات داخل صواريه.بانتشار وباء الغش وآفة الدروس الخصوصية ،التي يتلقى

مناعته الخاصة بالتفاف حامليه على أي قانون يحاول الحد من مساوئه ،ولاعتماد غالب المناهج على الحفظ والتلقين ،عوض توسعة آفاق الفهم وإتاحة المساحة للعقل كي ينشط ويتطور وينبغ.

يقول غيلبر تهايت: الكُتب ليست أكوامًا من الورق الميت ؛إنها عقول تعيش فوق الأرفُف.واليوم العقول النيرة تجتاح كل الأرفف المتاحة بين أيدينا ،في كل زمان ومكان.

لأجل كل هذا أضحى التعليم الرقمي ضرورة قصوى ، حيث متطلباته المحلية ،بتنمية بشرية مستدامة على الصعيد التكويني ،من حيث حب العمل وعشق الاجتهاد ،وترسيخ قيم المواطنة تحت عباءة الوطن القدسية ،في سمو متواصل نحو رونق الانتماء للأرض جميعها.وبهذا تحقق المجتمعات في طور النمو مقاصدها من التربية على التسامح والمحبة ،ونبذ ثقافة العنف والكراهية.وربما تنتهي الحروب العبثية سريعا ،حين ينعدم من يرويها بسواد القلب ويجدد بذورها بسماد التفرقة ،لحصد الخراب وظلال الموت.

فالتغيير نحو الأفضل وجهة كل القلوب والعقول ،على اختلاف مداركها وتوجهاتها وتياراتها وأفكارها.لأن الإنسان مفطور على الحركة بطاقته الروحية والذهنية ،في سعيه نحو سبل الرزق والأمان والتألق.مثله مثل الكوكب الذي ينتمي إليه ،في دورانه المعتاد حول ما ينيره من كواكب ،وما يعدل نظامه من هواء ونجوم ،وطاقات نجهل غالب أسرارها إلى يومنا هذا.

التغيير هو الشيء الثابت الوحيد المطلوب لصيرورة الحياة ،والأداة المرنة بأيدي الشعوب حكاما ومحكومين ،يجب عليهم مسكها بعناية فائقة وعدم تركها للفراغ والجمود ،في أي وقت من الأوقات.

لا تعليقات

اترك رد