وطن نحمله بين طيات أحلامنا

 

أنسدل نور الحياة على طفولتنا، ونحن الأجنة الذين ولدنا من رحم نساء كرديات. كنا بمثابة جدار فاصل بين حرب تدور رحاها بين حكومة تحاول جعلنا مسدساً معطوب الرأس وعائلتي التي تحشي أدمغتنا الفارغة ذخائر وطنية وتعلمنا خلسة لغتنا الأم.

خرجت للعالم في أول يوم مدرسي، وأنا أتدحرج بحماسي الصبياني، دخلت الصف وابتسامة عريضة تبهج وجهي. تعالت، واختلطت جعجعة الكلمات، ورحت أتخبط بين رموز اللغات.

جميعهم كانوا يتحرّكون كأمواج بشرية خاضعين لأوامر المعلمة، لكني الوحيدة بقيت جامدة الحواس، لغتها تقف عند مدخل رأسي يعجز ذهني على إدراك مقصدها، حاولت معلمتي بكل براعة تلقيني جملة عربية، لكن الفشل يحوم حولي، أعجز عن ترديدها، لم أسلم من نظرات السخرية لتعطيل محرك عقلي طيلة اليوم.

مضيت إلى البيت، ورأسي يترنح فوق كتفي، ذيل الخيبة يجرني، بنطالي مبلل لأني خشيت أن أستأذن دخول الحمام بلغتي، أعجز النطق بلغتهم الغريبة عني، أترنح بين الأزقة منتشية بكثبان من التساؤلات عن هذا الفاصل بين عالمين، أي خلل تسلل إلى جهازي العصبي وأجهض تواصلي مع المحيط؟

كنجمة تسللت سماء الوحدة، تاهت بين مصابيح الفلك، عجزت من إمساك النوم والصور القاتمة عن المدرسة كوابيس تهرس أحلامي.

صباح اليوم الثاني يدي الصغيرة متشبثة بما آتي من ضعف بذراع أمي ونحن في غرفة الإدارة. هتفت سيدة تجلس خلف مكتبها وهي تزمجر بنبرة صوتها الخشن

سيدتي:
ابنتك لا تجيد اللغة العربية، مبهم كل مَن يحيط بها.
فلمَ تحاربون لقضية مستميتة وأطفالكم أولى الضحايا؟ ما الذي سيأتيكم نفعاً من لغة لا دولة لها ولا هوية؟

وقفت أمي كصمود سنبلة في وجه بطش المنجل وقلبها ينحب بالنبض، رزخت تحت لعنة كلماتها التي كانت كالقشة التي قضمت ظهر البعير، سقطت من علو صمودها الشاهق، اغتسلت أخاديد وجهها بالعبرات.

هكذا مضت سنواتي الدراسية أبلع الكلمات دون مضغها في عقلي، والفشل الدراسي يضرب بنعله جدار أحلامي.

أمي المناضلة نجحت في تسليحي، وزرع ألغام الوطنية بين مساماتي، رغم نظرات الكراهية لعرقي. تمسكت بلغتي، لم تعد سخرية الأصدقاء لركاكة تحدّثي بالعربية تحرجني، لم أتنازل يوماً عن الشريط الملون «أخضر أحمر أصفر»، التي كادت تلتحم بمعصمي ألوان علمي، وقضية شعبي الكردي.

لا تعليقات

اترك رد