وما يستوي الأعمى والبصير

 

أملك كمّاً هائلاً من الإنسانية وأتعاطف مع الإنسان بمعناه المطلق دون تمييز ولديَّ البراعة في قراءة أبجدية الوجدان؛ لكني لا أجد مبرراً منطقياً للشعور بالشفقة حين أرى شخصاً أو مجموعة أشخاص يعملون في الحفريات أو نقل أكياس الرمل والإسمنت على أكتافهم إلى طوابق مرتفعة لكني أتمنى لهم طرق وأساليب أكثر سهولة من نقلها على الأكتاف.
احترم إنسانية عامل النظافة وأتعاطى معه بكل وجدان وضمير؛ لكني لا أشعر تجاهه بالحزن الشديد والأسى.
أحب كل البلاد العربية من محيطها إلى خليجها وأعشق وطني؛ لكني لا أتبادل مع حاضرها بمشاعر الفخر والتبجيل لمجرد أني أحمل هوية عربية.
قد يستغرب أحدكم أو أكثر من نبرة العبارات الباهتة والمشاعر المتحجّرة؛ لكن الإجابة على تساؤلات المتستغربين والمندهشين قد تكون أبسط بكثير مما يتصورون.
عندما كان الشخص المجتهد يجلس لساعات طويلة يلتهم الكتب والمعلومات ويحرم نفسه من اللعب ولا يرضي رغبات نفسه الملحة ويعاني من الأرق والقلق ورهاب الامتحانات. ينشف ريقه وهو يحفظ قوانين الفيزياء والكيماء ومقدمات وبراهين الرياضيات ولا يتغيّب عن المدرسة يوماً واحداً في السنة الدراسية كلها حتى وإن كان مريضاً؛ بينما العامل الذي يحمل أكياس الرمل الثقيلة كان يجلس على الأرصفة يعبث مع الوقت والفراغ، يدخن في سن مبكرة ويتغيب عن المدرسة متى شاء مزاجه ويرمي الكتب الدراسية حول حاويات القمامة أو يمزق أوراق الكتب العلمية ليصنع منها طائرات ورقية يلهو بها مع رفاقه الكسالى.
كيف تساوي الحياة بالتقدير والاحترام والمكافأة ما بين الشخص العالم والمتعلم وبين الجاهل؟ وما بين إنسان فرط بالوقت وأنفقه باللهو والمتع والراحة وإشباع النفس بكل ما هو فارغ وسطحي مع إنسان أتلفت خلايا عقله واحترقت أعصابه من شدة التفكير والتعلم والعمل الجاد؟
وهل من العدل أن تُعطى الحصة ذاتها لإنسان كان يتدثر تحت لحاف الكسل والتقاعس ولم يقدم للحياة إلا الغباء والجهل والسلوك الرديء؛ مع إنسان لم ينعم من دفء الفراش ومتع الحياة إلا القليل وحاول بكل ما يملك من صبر وعزيمة وحلم وطموح أن يحقق المعنى الحقيقي لوجوده ورسالته في هذه الحياة؟
كيف نساوي ما بين دولة يسهر رجالها في المختبرات تحت المجهر وعلى شاشات الحواسيب وفي المعامل والأنفاق، يبحثون ويدرسون أدق وأصغر جزئية في هذا الكون؛ فقط ليكتشفوا للعالم علاجاً لمرض أليم أو اختراعاً يمنح الإنسان الرفاهية والترف؛ مع دولة ينبطح رجالها على الآرائك والمجالس يشاهدون القنوات الإباحية وألعاب الفيديو، يغطون في سبات الماضي السحيق ويتغنون بأطلال ودواسر الجاهلية ويعيشون في حروب أهلية وصراعات طائفية عمرها آلاف السنين وينفقون الوقت كله في المهاترات والجدل العقيم حول كل شيء وفي أي شيء حتى في الفارغ والفراغ؟
شعوب يجلس شبابها في المقاهي يلعبون الورق والطاولة وينفثون دخان السجائر والشيشة بغرور ويثرثرون طوال الليل بكلام سطحي وفارغ مثل عقولهم؛ بارعون في الانتقاد لهذا وذاك ويقللون من قيمة الأشخاص الناجحين ويفبركون لهم الحكايا الكاذبة؛ فقط لينتقموا لأنفسهم من نجاحاتهم المبهرة؛ فيضحكون ويقهقهون بصوت صاخب ولا يدرون أن الحياة تضحك وتسخر منهم وتضحك للناجحين بمحبة وتمدهم بأسباب الرغد والتميّز.
الذين يحاربون الإبداع والمبدعين بعين الحسد ؛ كلما لمحوا شخصاً ناجحاً ومتفوقاً في مجال عمله اتستعر في صدورهم نار الغيرة ويوهمون أنفسهم بأن الحياة ستطرق زجاج نوافذهم لتناولهم أطباق النجاح والتفوق مجاناً، يتقاعسون عن التدرب واكتساب مهارات جديدة ولا يجيدون مهارة التسلق على سلم المتغيرات يعيشون على في خداع نفسي يبررون فشلهم ويشترون مشاجب كبيرة ليعلقوا عليها جلابيب الأخطاء.
بلاد العُرب والأعراب يتشدقون بالكلمات الرنانة والكبيرة؛ بينما أفعالهم مثل واقعهم صغيرة، يتهمون اليابان بالكفر والإلحاد؛ لكنهم يتفاخرون ويبرمون الشوارب حين يشترون المنتج الياباني.
فلو تأمل الشخص الملحد قبل المؤمن في حقيقة الله وماهية إدارته للكون وتفاصيل الحياة؛ لتلمس العدل والإنصاف والرحمة وشفافية التعامل والمعاملة، فهو سبحانه وتعالي لا يعطي للذين يركعون ويسجدون ويسبحون باسمه المكافأة والنصر دون أن يعملوا ويتدبروا في حقيقة وجودهم وخلقهم؛ بل يكافؤ الذين يلحدون بوجوده ولا يسجدون له؛ فقط لأنهم يعملون ويسهرون ويجتهدون ويتأملون في آيات الخلق ويمنحهم درجة أكبر ومكانة أعلى في الحياة من درجة المتقاعسين والكسالى.
الحياة منطقية لا تفكر بعاطفة مفرطة دون وجه حق؛ فلا تشفق على أمم عقولها ضحلة من العلم والمعرفة وأشخاص لا يملكون في جعبة عقولهم أيَّ طموح، ينامون بلا أحلام وحجم جهلهم أكبر بكثير من حجم علمهم؛ ولا تتردد في ركلهم بأقدامها دون أدنى شعور بالتعاطف أو بالشفقة فتجعلهم أمم هزيلة ورخوة، تحتلها الأمم الأقوى منها والمتقدمة عليها في كل شيء وتحولهم إلى عبيد وتفرض عليهم قوانينها وتبسط سطوتها وتسلب ثرواتهم وخيراتهم” ما أقسى على المرء أن يعيش عبداً ذليلاً غريباً في بلده؛ مخلوع باب عقله ويسأل من أين يتسلل إليه الجهل والغباء؟

المقال السابقبينوكيو السياسة أو البحث عن عصفور نادر
المقال التالىحرية المرأة بين الجهل والنفاق الاجتماعي
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد