نَواميسُ الصُدفَةِ

 

إن وَصَفَكَ شيّخٌ حكيمٌ , أَنّكَ كائِنٌ مٌسيَّر على ظَهرِها فَأعلَم أنّهُ ما قالَ طُرفَة.
وإن قَصَفَكَ فيّحٌ عظيمٌ , أَنّكَ كائِنٌ مٌخَيَّرٌ على ظَهرِها فَأعلَم أنّهُ ما مالَ حَرفُه . كِلا الفريقينِ حقٌّ , وكلٌّ مِنهُما لهُ راياتُهُ وعُرفُهُ..
فذاكَ الشّيخُ الحكيمُ وبعدَ أَن عُمِّرَ ونُكِّسَ في الخلقِ , نظرَ فَبَصُرَ فَعَلَمَ أَنَّ عروضَ الدَّهرِ كانَت كلُّها عَرَضاً وصُدفَة , وما كانَت فَذلَكَاتُهُ في بُطونِ أَقدارِها إِلّا تَخَرُّصاً بِمَنطِقٍ أو تَشَبُّثاً بِحِرفَة , ومن ذلكَ أنّهُ حينَ نَوى يوماً أن يدرُسَ الطِّبَ في (لندن) مُتَكَلِّفاً عَناءَ غُربَةٍ ودِينارِ صَرفَه , لَقِيَهُ صاحبٌ لهُ في عَتَبَةِ دائرةِ الجَوازاتِ صُدفةً , فبادَرَهُ بتَوبيخٍ ثمَّ بِنُصحٍ وَدُودٍ وَأُلفَة : (دَع عنكَ لندنَ وصَخبَها ولسانَها اليسير نُطقَ أَلفَهُ , وتَرَجَّل مِن بَغلَةِ الطَبِ ونَهيقِها العَسير خَطفَهُ , وإمتَطِ حِصانَ هندسةٍ سأُنزِلُكَ بِمِضمارِهِ في دولةٍ جَنبَها وسأُغزِلُكَ بِخيوطِ كشفِه , حصانٌ لَهِيبٌ ألوانُهُ رحيبٌ جنانُهُ ونجيبٌ في وَثبَاتِهِ وَلَفِّه , ولن تَتَأَبَّطَ كُلَفَ مَعيشةٍ ولا تقتيراً في جمعِ دينارٍ وصرفِه , وإنَي لأراكَ مُتَفوِّقاً ومُحقِّقاً لشروطِ السّلطانِ في بَعثِكَ لامتطاءِ كَتفِه , فَبِمَ تَرُدُّ عليَّ يا عاشقَ الطّبِ ومِشرطِهِ وصُحُفِه ؟
بَلِ القولُ ما قلتَ يا(عبدَاللهِ) وإنَّ المرءَ الطموحَ لا يُقَيِّدُهُ عِشقٌ ولا يُحَيِّدُهُ فِسقٌ بل سُموُّ هدفٍ وسبيلُ خَطفِهِ . إليَّ بملفِ حصانِ جيرانِ لندنَ وضوابطِهِ ووصفِه.
وإن هيَ إلا سنينَ مرَّت حتى أمسى فارساً في مضمارِ الهندسةِ ونسيَ بغلةَ الطبِ وشغفِه .
كلُّ أولئكَ كانَ عَرَضاً وكانَ صُدفةً .
وأمّا وإن قَصَفَكَ فيّحٌ عظيمٌ , أَنّكَ كائِنٌ مٌخَيَّرٌ على ظَهرِها فَأعلَم أنّهُ ما مالَ حَرفُه , وإنَّ سِجلاتِ الاقدارِ مَطوياتٌ بيمينكَ نهاراً ومن الليلِ زُلَفَهُ , مادمتَ فتىً مقبلاً على الحياةِ بعنفوانٍ وقوةٍ وحِرفَةٍ , ما لأحدٍ عندَهُ عليكَ من حَجزٍ في كَسفِ مرامِكَ وخَسفِه , ولا في نَجزِ مهامِك عنكَ لا بتمامِ جُهدٍ ولا بنصفِه , عليك الكفاحُ وَقَعَ , وعليكَ الصمودُ أمامَ تقَلّباتِه وعصفِه . لن يقومَ أحدٌ بمهامِك , عابداً كان أم كان معبوداً رغم جلالِهِ وتوفيقِهِ ولُطفِه .
وستعلمُ يا ذا حِجرٍ بعدَ نَفَحَاتِ خريفِ عُمُرٍ ونَفَخَاتِه وإنبلاجِ ضَعفِه , ووسوسةِ سَكَراتِه وعسعسةِ بَكَراتهِ وتَيَبُّسِ سَعفِه , أنَّ صاحبَنا مَا ضَلَّ وما غَوى في نَبضِ بَيانِه وفَيضِ بَنانِه وكَمالِ كَشفِه (صلى الله عليه وسلم) , إذ أنبَأنا :
(إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ ، فَيَدْخُلُهَا..) وفي جَحيمِها مُنتهى فذلكاتهِ وتَقَلُّبِه ونَسفِه.
(..وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَيَدْخُلُهَا) خالداً ومن كَوثرِها سَينالُ طيبَ رشفَة.
هكذا حالُ كلُّ فؤادٍ إن أسَرَّ القولَ أو جَهَرَ بهَ في قُعودِه وفي مَضجعهِ وحينَ وقفِه , وأعلَم أنَّ النفسَ معادلةٌ رياضيةٌ من ثلاثةِ مجاهيلٍ ومعلومٍ , فأمّا المعلومُ فعالَمُكَ الملموسُ المهمومُ , وأمّا المجاهيلُ فَعَالَمُ أجنةٍ فبرزخٌ فعالمٌ أبديُّ مقضيُّ ومَرقوم, وتلكَ عوالمٌ غُلِّفَت بغيبٍ مطلقٍ مُحكَمٍ مَختوم , فلا تعلمُ نفسٌ شيئاً كيف كانت نظراتُ خافقِها فيها وعبراتُه وخلجاتُه وكيف ستكونُ في عَالَمٍ مَعصوم . عوالمٌ لا تُلقي النفسُ لها بالاً وغيرَ ذي شأنٍ عندها مَفهوم , لأنّها جُبِلَت على أن تُقَيّدَ مُتَعَها ومَتاعَها بِقيّدِ يومٍ مُجَسَّمٍ مرسوم , تعيشُهُ مابينَ شروقِ شمسٍ وغروبٍ مُقَدرٍ مَحتوم , مُتعٌ ومَتاعٌ ما بين شطيرةِ لحمٍ مُؤَمَّنَةٍ وعصيرٍ من برتقالٍ مدعوم , أو بصيرةِ علمٍ مُخَمَّنَةٍ وحصيرٍ تحتَ ظلالٍ مبروم , وفَصَلت بحِجرٍ حَجَرَ بَينها وبينَ تلكَ العوالمِ مُبهمٍ ملغوم , وأستلطَفَت الدورانَ في فلكِ عالَمٍ محسوسٍ مفهوم , تحسُّهُ وتلمسُهُ أوهكذا خُيِّل إليها أنّها تعلمُه فركنَت إليه بفَمٍ مَكموم , وقد تكونُ النفسُ ذاتَ مرّةٍ دَنَت فدَلَّت بدلوِها في بئرِ تلكَ العوالمِ فَكَلَّت ومَلَّت بَسَأمٍ مذموم , ثم حَلَّت عندَ البئرِ كرةً أخرى فَغَلَّت فَضَلَّت فَمَلَّت فَكَرَّت عَوداً لعالَمِها المقسوم , فإستسلمَت فأسترخَت رغمَ أنّهُ عالَمٌ زائلٌ مأثوم , أمَدُهُ في سجلِّ الزّمانِ يومٌ أو بعضُ يومٍ مهضومٍ ومظلوم , عالَمٌ وَقَعَ ترتيبُهُ الثاني في متواليةِ عوالمِ حياةٍ أربع وذاكَ ترتيبٌ موجودٌ غيرُ معدوم , عوالمٌ كأنّها أستحوذَت وأستلطفَت لنفسِها الرقمَ الأعلى (تسعةً), رقمٌ مُكَرَّم محشوم : تسعةُ أشهرٍ, فتسعونَ عامٍ , فتسعةٌ بأصفارٍ مجهولٍ عددُها لكنّهُ مُحَدّدٌ ملزوم , ثم تأتي تسعةُ الختامِ التي يَمَّمَت فتحاتِ نَوافِذ أصفارِها شطرَ بحرِ السرمديةِ في عُمُرٍ أبديّ رغيدٍ أو مَغموم . ترتيبٌ تَتضاعفُ آمادُهُ بتصاعدٍ رهيبٍ مُقَدَّرٍ محسوم ..
ومادامَ أمرُ الحياةِ الدنيا صُدفَةَ يومٍ أو بعض يومٍ مَرحومٍ أو مَرجوم , فأرمِ الخطى هوناً ونقِّب عن كأسِ الفضائلِ فيُسقيك , وعَقِّب في لحظاتِ استرخائِكَ آثارَ طيبِ القولِ فيشفيك..
إذ أنتَ عندَ شاطىءِ بحرِ الحياةِ تَرمي البحرَ بِشكواكَ فيبتليك ..
وإذ انتَ تَرمي بسنّارةِ صيدِك خلفَ أمواجِهِ لتنالَ منه ما يَكفيك..

لا تعليقات

اترك رد