الدروز .. الطائفة الغامضة

 

ماسألت يوما عن الدروز إلا وحصلت ممن سألتهم عن إجابات متضاربة أغلبها إن لم تكن جميعها إجابات غير صحيحة أو غير مقنعة وهذا ما أثار فيّ الرغبة عن البحث عن تلك الطائفة وعن كلّ مايمكن أن يرشدني إلى شيء من حقيقتها .
وقد اكتشفت عبر ما كنت أبحث من خلاله عن تلك الطائفة بأن جهل الآخرين تلك الطائفة وعدم معرفتهم بها وبعاداتها وتقاليدها كان أمرا طبيعيا جدا لأن تلك الطائفة من أكثر الطوائف الحريصة على خصوصية تعاليمها وتقليدها وشؤونها وإخفائها عن الناس فهم لايريدون لأحد أن يعرف عنهم شيئا لأسباب كثيرة سنتطرق في هذا البحث المتواضع.
بعتبر الدروز من الفرق والطوائف الباطنيّة التي دائما ماتكون عقائدهم مبطّنة أو سرّية لايباح بها لغير أهلها .وتعتبر السريّة والكتمان أساسين مهمبن من أسس تك الطائفة .
ولايقتصر الكتمان على غيرهم بل حتى عليهم أنفسهم حيث لايمكن لأي درزي أن يعرف أسرار وخبايا طائفته إلا بعد بلوغه سنّ الأربعين الذي يعتبره الدروز سنّ العقل والرجاحة.
الدروز أصحاب مذهب ديني اختلفت فيه العديد من الآراء فهناك من يذهب برأيه إلى إنّ الدرزيّة فرع من فروع الإسلام أو طائفة من طوائفه .وهذا ما يقولونه عن أنفسهم .
وهناك بطبيعة الحال آراء مخالفة لهذا الرأي فهناك من يقول بأنّهم ديانة خاصة مستقلة تعتمد التوحيد .
وقد اعتبرهم الكثيرون كفّارا أو مرتدين وهذا ماذهب إليه إبن تيميّة.
ولو بحثنا عن أسباب اتهامهم بالكفر أو الزندقة لاكتشفنا بأنه يعود إلى عدم إيمانهم بأمور كثيرة جاء بها الإسلام وتحريمهم لعدد المحللات التي حللها الدين الإسلامي .
يستوطن الدروز الذي يفوق عددهم في العالم أكثر من مليون ونصف المليون نسمة في كل من سوريا ولبنان وفلسطين والأردن مع إنّ أصل نشأة المذهب الدرزي كان في مصر أصلا في عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله سنة 1020 ميلادي.
وقد أطلقت هذه الفرقة على نفسها اسم الدرزية تيمّنا بمحمد اسماعيل الدرزي رغم إنهم يعتبرونه زنديقا لأنه كان يعتقد بأن الله سبحانه وتعالى يتجسد بشخص الخلفة الحاكم بأمر الله.
ولهذا السبب فقد رأت تلك الطائفة بل أنها فضّلت أن تطلق على نفسها توصيف الموحدين أو تسمية {بني معروف} حيث إنّ االتوحيد هو معتقدهم الأساس الذي تبنى عليه بقية معتقداتهم. ويعتبر الدروز بأن المؤسس الحقيقي لطائفتهم هو { حمزة بن علي بن أحمد الزوزني }.
يعد التعليم الدرزي تعليما باطنيّا يؤمن إيمانا مطقا بأن للنصوص الدينيّة معان باطنيّة غير معانيها الظاهريّة.
ويؤمن الدروز بالقرآن وبالشهادتين وبالقضاء والقدر وبذات الوقت لايعتبرون الصوم والحج من الفرائض ولا يحتفلون بأي عيد إلا بعيد الأضحى المبارك ولست أدري سبب هذا التناقض الغريب بين عدم اعتبارهم الحج فرضا بينما يحتفلون بعيد الأضحى الذي يتلو فريضة الحج مباشرة.
يعتبر الدروز نبي الله شعيب شخصيّتهم المحوريّة التي يبجلونها ويحترمونها ويعتقدون بأنه مدفون في مكان ما قريب من قرية حطين في الأراضي المحتلة بفلسطين. ويزورونه في كل عام من الخامس والعشرين إلى الثامن والعشرين من شهر أبريل.
ومن الشخصيات الأخرى التي تعتبر مقدسة لدى الدروز الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله ومؤسس طائفتهم حمزة بن علي بن أحمد .
أما تعاليمهم حين تدققها تجد أنها خليطا من تعاليم الديانات السماويّة الثلاثة ..الأسلامية واليهودية والمسيحيّة.
كما ولهم اعتقادا عميقا بالتعاليم الفلسفية لإفلاطون وأرسطو . وتعتبر {رسائل الحكمة } النص الأساسي لمعتقداتهم.
ويقول الدروز بأن تعاليمهم لاتختلف عمّا جاء في القرآن الكريم وإن رسائل الحمكة ليس إلا تفسيرا باطنيا لما وردت فيه من النصوص.
يعد تناسخ الأرواح وإيمان الدروز به من المؤشرات التي تميّزهم عن غيرهم من الطوائف . ومعتقد تناسخ الأرواح يتلخص بأن الله سبحانه وتعالى قد خلق عددا محددا من الأرواح تتناسخ جميعها منذ بدء الخليقة .وإن الإنسان عندما يموت فإن روحه تدخل على الفور في جسد جنين آخر.
وهذا المعتقد ليس جديدا على الإنسانية فهو يشبه كثيرا معتقد الهندوس والبوذيين والزرادشتية لكن الفرق بين معتقد الدروز ومعتقد الهندوس وغيرهم بأن الدروز لايؤمنون بأن نسخ روح البشر يمكن أن يكون للحيوان والنبات وهذا مايؤمن به الهندوس وغيرهم .حتى إنهم يعتقدون بأن روح الدرزي لايمكن أن ينسخها الله تعالى إلا بروح درزي آخر على وجه الخصوص.لذا تجدهم يقدسون شخصيات غريبة الى حد ما.
وعلى أساس ايمانهم بتناسخ الأرواح فإنهم يعتقدون بأن هناك خمسة أنبياء فقط أما بقية الأنبياء فهم منسوخون من هؤلاء.لذلك فهم يعتقدون بأن روح النبي شعيب هي روح السيد المسيح .
لايرغب الدروز بنشر تعاليمهم ومعتقداتهم وليس لهم بالدعوة كما المسلمين ولا بالتبشير كما المسيحيين لأنّهم يعتبرون بأن باب الإيمان بمذهبهم قد أغلق نهائيا منذ أيام الحاكم بأمر الله الفاطمي.لايسمحون لأحد منهم بالخروج منه ولا يسمحون لأحد غيرهم بالدخول من خلاله.
ويتبع الدروز في تعاملهم مع الآخرين مبدأ التقيّة أو الحذر من خلال إخفائهم عن الناس معتقداتهم ومايؤمنون به حقيقة.وهم حريصون جدا على سريّة تلك التقاليد والمعتقدات وهذا من وجهة نظرهم يحمي الطائفة من سوء فهم الناس لها وتقييمها بالسوء من قبل غيرهم.
فحتى من ولد درزيا فإنهم يرونه غير مستعد لتقبل التعاليم إلا بعد سن الأربعين كما أسلفنا .
ولايكون الدرزيّ درزيا إن لم يردد قسما خاصا بهم يدعى {قسم وليّ الزمان}
يؤمن الدروز بسبعة وصايا أهمها صدق اللسان كما أنهم يحرمون شرب الخمر ولحم الخنزير
ويحرمون تعدد الزوجات خلافا لما أحل الله تعالى في أربع زوجات .
كما ويحرمون عودة المطلقة إلى طليقها خلافا أيضا لما حلله الدين الإسلامي.وهذا بطبيعة الحال يعود إلى أسباب كثيرة لامجال لتناولها في هذا البحث المتواضع.
أما بالنسبة لدرجات التديين عند الدروز فإنهم يقسمون أنفسهم إلى قسمين رئيسيين الأول قسم { العقّال } أما القسم الثاني فهم { الجهّال } .
فالعقّال : هم الناس الروحانيون المتمسكون بتعاليم الطائفة وتقاليدها وتعاليمها والمحافظون على الولاء لشخوصها المقدسة والساهرون على سلامتها .وهؤلاء يصنفون على ثلاث أصناف {رؤساء ..عقلاء..وأجاويد }
أما بالنسبة للجهّال فه على غير مايتصف به العقّال بطبيعة الحال لذا فليس لهم أن يطلعوا على الكتب المقدسة للدروز ولا الوصول إلى الخلوات التي تقام بها الصلوات إلا في عيد الأضحى .

أما أسباب انغلاق الدروز على طائفتهم فلم نجده إلا لأسباب تاريخية أكثر من كونها أسباب عقائدية .
فقد تعرضوا عبر التاريخ إلى التكفير والزندقة حتى وصلت الى مستوى الإضطهاد والإبادة حتى من قبل على يد الخليفة الفاطمي علي الظاهر. المسلمين وقد حصل ذلك لهم للمرة الأولى عام 1026.
وهذا ما اضطرهم إلى الهرب من مصر موطن نشأة طائفتهم إلى سوريا ولبنان وفلسطين.
فانغلقوا على أنفسهم وأحيانا اضطروا الإدعاء بأنهم ينتمون إلى أديان الأغلبية كالمسيحيين والمسلمين واليهود لتفادي البطش.
وعلى الرغم من الدروز لم يعتبروا أنفسهم أقلية عرقيّة فإنهم لم يطالبوا يوما بدولة أو حقوق رغم امتلاكهم علما يرمز إليهم بخمسة ألوان هي { الأبيض والأحمر والأخضر والأزرق والأصفر} ويرمز كل لون من هذه الألوان الى شخصية مهمة أو لحدث مهم من الأحداث.
وعلى الرغم من قلة عددهم إلا إن للدروز أينا استوطنوا دورا مميزا في مجتمعاتهم اجتماعيا وسياسيا ففي سوريا حيث كانوا يسكنون جبل الدروز كان لهم الدور الكبير في قيام الثورة السورية ومقارعة الإستعمار الفرنسي الذي كان يحتل سوريا حيث كانوا يشكلون وقتها ثلاثة بالمئة فقط من السكان.
وكان أشهر شخصياتهم القائد العسكري للثورة السوريّة {سلطان باشا الأطرش} و { فهد الأطرش} والد الموسيقار فريد الأطرش والفنانة المطربة إسمهان.
أما في لبنان فقد لعب الدروز دورا كبيرا في تشكيل الدولة اللبنانيّة الحديثة .
ومن الجدير بالذكر بأن خلال الحرب الأهلية اللبنانيّة بين العامين 1975_1990
أسس الزعيم الدرزي كمال جمبلاط الحزب التقدمي الإشتركي الذي تولى قياته بعده ولده وليد جمبلاط.
أما ثاني حزب كبير دعمه الدروز في لبنان فهو الحزب الديمقراطي اللباني بقيادة الزعيم الدرزي طلال أرسلان ابن بطل الاستقلال في لبنان مجيد أرسلان.
أما في الأراضي المحتلة وتحت سيطرة الإحتلال فإن الدروز يشكلون تقريبا الثمانية بالمئة من السكان العرب .
واعتبرهم ديانة مستقلة .وقد فصل القانون الإسرائيلي الدروز عن المسلمين سنة 1957.
وللدروز في اسرائيس مدارس منفصلة ومستقلة عن العربية . كما ويسمح القانون الإسرائيلي بتجنيد الدرز في الجيش.
وعلى عكس ذلك فإن الدرز يشكلون أقلية في الأردن لكنّهم لا يتمتعون بأية حقوق كغيرهم من الأقليات كالشركس أو الأرمن أو غيرهم.

من غرائب الطائفة الدرزية بأنها تحرم أكل الجرجير والمولوخية حيث يعتبرونها من أعشاب جهنم.
ومن جميع معطيات هذا البحث المتواضع يمكن التوصل إلى تحديد شكل ومضمون تلك الطائفة في دينها ومعتقدها فلايمكن أن أن تكون تلك الطائفة من الطوائف الإسلامية لكونها تخرج عن تعاليم الإسلام من خلال عدم إيمانها بأمور يؤمن بها المسلمون وتعتبر بالنسبة اليهم من أسس الإيمان وأقصد بذلك مايتعلق بعدم اعتبارهم الحج والصوم فريضتين على الرغم من إنهما من الفرائض الخمسة التي يجب أن يؤمن بها المرء ليكون مسلما. أما الأمر الآخر فهو تحريمهم لما حلله الله للمسلمين كتعدد الزوجات أو عودة المطلقة لطليقها .
أما أن يعتبرهم الآخرون على ديانات الأغلبية غير الإسلام فذلك من الأمور غير المنطقية لأنهم يؤمنون بالقرآن والشهادتين وغيرهما مما يرونه قريب إلى مايعتقدونه.
ومن هنا نرى إن هذه الطائفة هي كما أرادوها أصحابها طائفة موحدة مستقلة لاتحسب على غيرها من الطوائف والأديان رغم انها قد ادعت في أحيان كثيرة انتسابعا الى أديان الأغلبية كما ذكرنا سلفا لتفادي الإضطهاد والالبطش الذي تعرضت له عبر التاريخ ممن أساء فهمها.
نسأل الله تعالى أن نكون قد وفقنا في تسليط الضوء على تلك الطائفة وتقاليدها ومعتقداتها . والسلام.

المقال السابقوطني وصبايا وأحلامي
المقال التالىبعدي فلا نزل القطر
علاء الأديب : شاعر وناقد وكاتب عراقي ..من مواليد بغداد عام 1965 ..مقيم بتونس.. له أربعة عشر ديوان شعري مطبوع ومنشور وسبع دراسات نقدية وكتاب في اللغة بعنوان(مثلث العجب بلغة العرب) . والعديد من المقالات السياسية منشورة في العديد من الصحف والمواقع الألكترونية.....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. Avatar غسان الدراجي

    احسنت، مختصرمفيد. اود أن أضيف، في بلدةصحنايا- ريف دمشق، كان لي فرصةطيبةللتعرف على شخصيةدرزيةمهمة في البلدة، كل ماتتوقعه من طيبةوإحترام ووفاءتجدهافي شخص ابوهشام نعيم كشيك.
    مقولةابوهشام أنهم موحدون ويأخذون من كل الديانات احسن مافيها.

اترك رد