بعدي فلا نزل القطر

 

يبدو أن هذا الشطر من بيت الشعر يلخص مكنون الإنسان في كل زمان ومكان ويبدو أنها طريقة للتفكير في العالم العربي والغربي تتجاوز الفرد لتؤثر على الجماعة ، أطلقها شاعر يعبر عن مكنونات ذاته ليعبر عما يعتلج في صدره من ألم وحزن ويقولها حاكم استحوذ على السلطة في حالة غرور أو عمى في البصر والبصيرة . وإذا تفحصنا هذه الجملة جيدا لوجدنا أنها مرتبطة بتاريخ طويل من الرؤية الذاتية للأشياء، وسياسيا مرتبطة بحاكم وصديقه في حالة خاصة .
أبو فراس الحمداني ، من أفضل شعراء العربية وأرهفهم إحساسا وأبرعهم في نقل الصورة الشعرية بأدق تفاصيلها كان الحمداني متواجدا بقوة وهو من أسرة لها علاقة بالحكم فهو ابن عم سيف الدولة الحمداني، بل كانت النهاية السريعة لحياة أبى فراس بسبب تصارعه على السلطة بينه وبين ابن أخته أبو المعالي بن سيف الدولة، كان لأبى فراس أن قضى 6 سنوات أسيرا عند الروم وهناك كتب قصائده الجميلة الرقيقة. وربما كان لهذا الشطر من البيت حكاية خاصة صبغتها بشيء من الأنانية كان يرفضها في أغلب شعره .
وإذا قارنا أبيات أبي فراس الحمداني التي تقول:
معللتي بالوصل، والموت دونه
                           إذا متُّ ظمأنا، فلا نزل القطرُ
بأبيات في غاية الروعة يقولها أبو العلاء المعري حين يقول: .
فلا هطلت عليَّ، ولا بأرضي
                           غمائم ليست تنتظم البلادا
ولنتساءل: لماذا يسجل هذان البيتان حضورا في أذهان المتلقين وما دلالة كل منهما على العلاقة بالموقف من الحياة والإنسان؟
نود أن نقف هنا عند موقف كل من الشاعرين من الحياة والناس، وما يتعلق بهذا الموقف من أحاسيس وعواطف. فكلما كانت هذه الأحاسيس والعواطف سامية ونبيلة متعلقة بأهداف الإنسان العليا، اكتسبت الخلود، وتركت آثارها في النفس البشرية التي تتوق إلى هذه المثل، بخلاف العواطف التي تعبر عن الهموم الصغيرة، أو الغرائز المتدنية، أو تنظر إلى الأمور من خلال ثقب الإبرة، أو من خلال الذات والأنا التي تتشرنق حول نفسها، حتى لتنسحب من الوجود، أو تحاول أن توظف الوجود كله ليصب في نهرها وحده، وقد يهبط الموقف إلى الدرجة التي لا يتردد فيها الإنسان من أن يحرق بيت جاره من أجل أن يسلق بيضته، كما يقول الألمان.
فما نصيب بيتي أبي فراس وأبي العلاء من هذين البعدين، بعدي السمو والهبوط، والصعود والنزول؟ مع العلم أن كليهما يمتلكان كل أسباب الرفعة والسمو .
يتناول أبو فراس الأمور من قرب ومن خلال هذه الذات، ومرحلية وجودها في هذه الحياة، وقصر فترتها. إنه يريد الثمار آنية، يتذوق طعمها، وينفعل بجمالها، ولا شيء آخر غير هذا. فما قيمة هذا السيل الذي تمرع الأرض به وتتزين وتنبت من كل زوج بهيج إذا لم أكن أنا ممن يرى ويتذوق ويستمتع بهذا الوجود وهذا الجمال؟
إذا مت ظمأنا، فلا نزل القطر.
ونرصد هذه الأحاسيس عند إنسان آخر.. مثل أبي العلاء، لنجد ذلك السمو، واتساع الأفق والإنسانية بكل معالمها التي تشرق على الوجود، فنجد الدعاء من نمط آخر. فليس هو من قبيل (إن شاء الله ما نزل المطر على الدنيا إذا لم اشرب منه)، بل هو من نوع (إن شاء الله ما نزل عليَّ الغيث، إذا لم يسقِ ارض الناس كلها، وإذا لم يشرب منه الناس معي) وإذا لم تعم فرحتي وفرحة الوجود كله في مهرجان واحد.
فلا نزل عليَّ ولا بأرضي
                          غمائم ليس تنتظم البلادا
بهذه الروح الخُلُقية إذا صح التعبير يتفاعل أبو العلاء مع الوجود من حوله، ويعد نفسه جزءا منه وليس عالما مستقلا عنه، يبحث عن القوانين الخاصة به، بل إن هذه القوانين تتناغم مع نشيد الحياة كلها بما فيها من نفوس وأشياء وأفكار.
وإذا تناولنا الموضوع من بعد سياسي نجد أن حكاية من بعدي الطوفان تندرج في إطار ثقافة الإلغاء للآخر ومحوه من الوجود وعدم الاعتراف به ، وفي هذا السياق نذهب إلى فرنسا لويس الخامس عشر . يحكى أن الملك لويس الخامس عشر ملك فرنسا كان يعيش عيشة هنية بعيدة عن الشذوذ والملاهي والنساء والموبقات ، وكان يهتم كثيرا بالشأن العام ويعتبر هم المواطن الفرنسي همه ونجاحه نجاح للملك .
وفي يوم من الأيام دخلت علية إحدى الفاتنات الحسان فجالسته وامتلك عليه قلبه وقرأت علية قصيدة شعر جميل تدعوه لاغتنام لذات الحياة قبل فوات الأوان . فكر الملك بكلام سيدة قلبه الجديدة مليا واتبع قلبه و لم يثبت أنه صاحب إرادة وسلطان ورجل دولة، فأصحاب الإرادة والسلطان ورجال الدولة أقوياء لا ينحرفون عند أول هبوب للعاصفة ولا يفتنون بالسيقان الناعمة والابتسامات واللمسات والهمسات.
ومنذ ذلك اليوم ، انحرف الرجل بنفسه ودخل عالم الفسق والفجور والملذات والفساد من أبوابه الواسعة وتحول بين ليلة وأخرى من نصف إله إلى رجل نفعي عادي يلهو بالملذات .
وكان ما كان من انحدار وجور وبؤس عم فرنسا وانعكس على الدولة الفرنسية ومواطنيها .
ويحكى أيضا أن أحد أصدقائه المخلصين نصحه بالتروي والتمهل وإعمال العقل لكنه رفض النصيحة وأجاب صديقه بعدم اكتراث ” من بعدي الطوفان ” . لقد كانت العبارة من صنع سيدة قلب الملك الجديدة حيث قدمتها له على شكل قصيدة مع كأس نبيذ وليلة حمراء Après moi le deluge . لقد حولت تلك العبارة فرنسا وملكها من حال إلى حال وكان ما كان من خراب ودمار حل بفرنسا على يد خلفه لويس السادس عشر .

Après moi le déluge
****
The world shall fall as they fall
In their ruin, everything will follow
And so it ends
Bring in the seraphim
Tear the pure clouds, reveal the gods above
If doubt is a stronger virtue
Then I am its paragon
Women fall at lofty feet in a harem
Gorging on peasants’ spines ’till faces turn mauve
Fear is the new moral breakthrough
A scale higher than the utmost echelon
The world shall destroy as they destroy
In their ruin, everything will follow
And so it ends.
The snake bite no longer stings
Calloused as a tyrant’s compassion
The purest hands do grow relentless weeds
As they laze on the filthiest plots
Kings and hearts mount to slings
Foreboding most malleable deception
Blood spills bright on their letterheads
As truth gets set by red-handed bureaucrats
The world shall burn as they burn
In their ruin, everything will follow
And so it ends.
Marksmen are wealthier than diplomats
Golden bullets to the golden rule
The trend is to laugh at our silence
The principle is to break lives not dictates
There lies no purgatory for these aristocrats
On to the vile ember cesspool
Until then, they fawn in worldly omnipotence
And not one revolts, not even conscience
The world shall end as they end
In their sceptre, everything follows
And so it goes on.

وقد وضع الشاعر حليم دموس القصة في موضعها الصحيح حين قال:
أتزورك الغيد الحسان ولا تمتع ناظريك؟
                                     زمن الشباب هو الغرام مرفرفا من جانبيك
فافتح فؤادك للهوى فيه تثقف أصغريك
                                     وأعلم بأن الحب سلطان يصغر ما لديك.
وقد كان ما كان زمن اللافعالية في كل شيء واللامنطق والغلاء الفاحش و الانحطاط الفكري والأخلاقي وانحطاط في السلطة الملكية وفساد في أجهزة الدولة والتعليم والقضاء والمؤسسات العامة والخاصة .
لقد فعل ثالوث الغلاء الفاحش و الفقر المدقع و الانحطاط الفكري والأخلاقي فعله.
كل هذه الأمور مجتمعة مهدت السبيل وفتحت الطريق أمام الثورة الفرنسية عام 1789 لهب هبوب النار في الهشيم .

لا تعليقات

اترك رد