عَوالمُ الاغترابِ والإبْهار في لوحاتٍ فريدةٍ قراءة للوحات الفنان العراقي مؤيد محسن

 

أن تقف مشدوها تستغرب في ما ترى ،أن تتساءل وتعيد التساؤل مرات ومرات ،أن تتبرم وتكاد تحتج ،أن تشاهد ما يشعرك بالفظاعة والمعاناة في أعلى درجاتها…ذاك ما تستشعره وأنت أمام لوحات مؤيد محسن.

واذا كانت اللوحة بعلاماتها التشكيلية هي مادة الفن التشكيلي وعموده ،فلا بد أن تكون معملا حافلا بالمعاني ومسلكا عامرا بالدلالات وأرضا خصبة لإنبات غابة من الرموز والأسنن والتي تغطي كل ما له صلة بالوجود الإنساني معلنا ولاءه لكل نشاطاته الطبعية والثقافية على السواء ابتداء من النفعي التقريري المباشر ووصولا إلى الاستعاري الإيحائي الضمني ،فاللوحة تصلح لقول كل شيء عن أي كان،حتى ما يشعرنا بالحرج والتقزز أو الحياء أو الخوف أحيانا في محفل التواصل ذي السنن اللساني.”1 .

ذاك ما يصدق على لوحات هذا الفنان العراقي الذي يحملك بأعماله الفنية كي تعانق المأساة في أرقى ذراها وتعيش الدهشة بكل أصنافها وتراهن على الاحتمالات المتناسلة من أجل القبض على الدلالات التي تشع بها كلما نظرت إليها أو أعدت النظر إليها.رجال بلا رؤوس تسير تحمل همها إلى المجهول، فتاة عارية هي امتداد للطين تستر سوأتها بأعشاب برية ،امرأة تبدو تمثالا مقطوعة اليد تحمل طفلها مغادرة تشعرك بالعنف والإكراه ،آثار منحوتة مكسورة تعيدك إلى تاريخ فريد عمه السلام قبل اليوم ،رجل بلا رأس يقبع قريبا من إله مكسور الهامة ،صنم لتاريخ عريق يتخذ وسيلة للعبة كرة السلة بعد أن كان مهابا، رجل يدور رأسه المحاط بالخيوط بسرعة فائق يرفع يديه مغتاظا يستبد به الحنق عما جرى والتماثل تسقط تباعا بين يديه، رجل أعمى بيده سيف يواجه الفراغ يؤجج غضبه الدمار الساري حوله ،رجل وفتاة عاريان متعانقان بملمح ووضعية الحزن والأسى…
تلك بعض من العوالم المعروضة في لوحات هذا الفنان الذي يترجم فظائع العالم بأسلوب سريالي باهر.

ملمح الغرائبية الحالم والمستفز تطبع كائنات و أفضية لوحاته المفعمة بالتواجد الحجري الذي يحدد زمنيتها في الماضي والحاضر ويجعلها محيلة على حضارة قائمة على أركان متينة قبل أن تنهار لتدخل في معجم المآسي الصادة للأمن والسلام ،مما يحول أعماله إلى حقول تراجيدية ترصد لما يعتمل في المحيط من جرائم بشعة تضرب المقومات في العمق وتحيلها إلى الحضيض كي تنتظر العودة إلى سيرتها الأولى ولو بعد حين.

أعمال سريالية بنكهة خاصة تحيل على الحروب والصراعات المبنية على الأنانية البغيضة ، وهي أعمال نسجت بعناية فائقة من حيث مكوناتها الفنية لونا وضوءا وظلا وخلفيات مما يجعلها سريالية قريبة الدلالات التي تفضي بها وفق خلفيات المشاهد، وهي بذلك نصوص بصيغة ما ،تضمر بين مفرداتها المتكاملة بعضا من فجائع الإنسانية بعيدا عن القيم الروحية والإنسانية التي طبعت وجودنا في زمن ما.

لوحات تعرض الأزمة متأرجحة بين الانتهاء وهاجس الاستئناف مما يجعلها لوحات تسفز فيك الاستقرار وتزعزع فيك السكينة فتسافر بك الذاكرة إلى بلدان نخرتها الخروب (العراق،سوريا ، اليمن ،أفغانستان…). وهي بذلك تترجم الضغوط النفسية للفنان الذي يتكلم في الأخير ويعبر بالضمير الإنساني العام عبر رؤية قصدية تحمل رسائل الدعوة إلى السلم ونبذ التعصب والعنف المشوه والهادم للجمال ،والفن حسب هيجل”ايقاظ النفس ذلك هو على ما يقال الهدف النهائي للفن وذلك هو المفعول الذي يفترض فيه ان يسعى الى الوصول اليه وذلك ما يتوجب علينا ان نهتم به لافي المقام الاول (…) على هذا الاساس يمكن أن يقال ان هدف الفن تلطيف الهمجية بوجه عام” 2 .

وبذلك تدخل أعمال الفذة والفريدة لهذا الفنان في هذا المضمار وهي تحاول أن تقول كفى للفظائع والفجائع ،كفى لليباب والخراب والعذاب.
وستظل هذه الأعمال تخاطب فينا ما تبقى من مشاعر الإنسانية إزاء بعضنا لإيقاظها وإيقادها كي تنتعش من جديد.

هامش :
1ـ انظر كتابي “كلمات في لوحات ، الطبعة الأولى 2015، من تقديم محمد ناصري ، ص 5 و6
2 ـ المدخل إلى علم الجمال ،هيغل ،ترجمة جورج طرابيشي ،دار الطليعة بيروت ،الطبعة الأولى 1978ص 43 و47.

لا تعليقات

اترك رد