الاهوار في الفن العراقي المعاصر

 

تعد منطقة الاهوار فضاءً خصباً للفن العراقي المعاصر الذي بدأ يستلهم تلك العناصر الفنية والجمالية من طبيعة الاهوار المتميزة، بمياهها وحيواناتها وطيورها وقصبها المتأرجح مع حركات الهواء، مع تموجات الماء بفعل حركة الزوارق (المشاحيف). ارتبط الفنان العراقي المعاصر بمرجعياته الفكرية والتراثية والتاريخية التي تمثلها منطقة الاهوار بشكل خاص. فالبيئة بعواملها (السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية، الثقافية) كانت لها الدور الرئيس في بناء وتحريك الخيال الإبداعي وتأكيد الثقافة المحلية لدى الفنان العراقي المعاصر. وتمثل الثقافة المحلية إحدى الجوانب المهمة التي تعطي للمكان دوره المتميز في العمل الفني لاسيما المحلي والوطني، الذي يهدف إلى ترسيخ أسس المواطنة.

وتعني المواطنة انتساب المواطن إلى الوطن، فهي تعبير قويم، يعني حب الفرد وإخلاصه لوطنه الذي يشمل الانتماء إلى الأرض والناس والعادات والتقاليد والفخر بالتاريخ والوطن. لقد استطاع الفنان العراقي أن يؤكد تلك الروح الوطنية في معظم أعماله المعاصرة لاسيما في وضع صورة الاهوار بطريقة معاصرة تدخل في مدارس وأساليب فنية جديدة. من خلال ما تقدم فان هنالك عدة عوامل تحدد التكامل والترابط بين العمل الفني من جهة ، والبيئة من جهة أخرى، وما ينتج من تماس هذه العوامل في تطوير وإبراز العمل الفني وبيان أهميته التعبيرية والوظيفية. وللعامل الاجتماعي نمط خاص وثابت، وله خصوصيته المعروفة التي اعتاد عليها سكانه، التي أثرت بالتالي على البيئة بشكل مباشر وغير مباشر، بما فيها الفنون المتنوعة في التنفيذ الغرض، لوجدنا أن كل بنية بيئية اجتماعية تتكون في محتواها من عدة مكونات، منها العادات والأفكار والاستجابات العاطفية المقيدة التي يشترك بها أبناء الإقليم ويدخل هذا العنصر في الطراز التقليدي للمساكن والملابس والحلي، والطراز المثالي للعلاقات الاجتماعية. إذ جسد العديد من الفنانين العراقيين تلك المكونات في أعمالهم الفنية التي اتسمت بالاتساق مع الواقع البيئي لطبيعة الاهوار، وهو ما يؤكد على جانب تأكيد التراث المحلي. فالتراث هو مجموعة القيم الفكرية لشعب من الشعوب تتحرك من زمن إلى زمن وفق متطلبات تلك المرحلة لأهميتها في الحياة الاجتماعية والثقافية والتواصل فكرياً وثقافياً.

لقد أكدت أعمال الفنان (ماهود احمد) على تلك الخصوصية الفنية المتميزة لطبيعة الاهوار وتراثه ومفرداته الشعبية. جسد الفنان (ماهود احمد) البيئة الطبيعية لمكونات الاهوار وطبيعة تكويناتها التي عبر عنها من خلال وجود بيت القصب وتنوع أنواع البناء والتكوين والزخارف، فضلاً عن وجود حيوان الجاموس والطيور المائية التي تطير في فضاء اللوحة، ووجود المشحوف وتقوم المرأة بالتجديف والتجوال فوق المياه الزرقاء الجميلة. إذ يقول (كافن يونغ) في كتابه (العودة الى الاهوار) الذي ترجمه الدكتور حسن الجنابي وطبع في عدة طبعات داخل وخارج العراق، إن نساء الاهوار جميلات بشكل مدهش، فهن يرتدين ملابس فضفاضة ويضعن الحلي الفضية والخزامات ويضفرن شعرهن على شكل جدائل طويلة ترصع بالفضة، وكن على الأغلب يشمل من الوشم الوجه واليدين والرجلين والكواحل برسوم تشبه رسوم التطريز في الجوارب.. بعضهن يصطحبن جيشاً من الأطفال ويلاحقن الزوارق لبيع الحليب والزبدة والبيض. لقد ركز الفنان (ماهود احمد) على تلك المواصفات والخصوصيات التي تتمتع بها المرأة في الاهوار، لاسيما انه ابن تلك المنطقة التي تحتضن الاهوار، عاش فيها مرحلة صباه وتأثر بمكوناتها وخصوصية نسائها في وجود الوشم والخلخال والحلي والطبيعية الجميلة في سحنة المرأة وطبيعة علاقتها مع البيئة. لقد أكد الفنان (ماهود احمد) ما دونته الانطباعات التاريخية حول طبيعة المرأة في الاهوار. إذ إن جميع نساء الاهوار يرتدين الحلي، وغالباً من النوع الراقي المصنوع ببراعة، بعض الأساور والخلاخيل والحلقات وزينة الرأس تصنع من الفضة، وقد برع بصنعها الصابئة. وهم من السكان الأصليين لتلك المناطق. لذلك تعد تلك المفردات بمثابة الثقافة أو الهوية الثقافية للاهوار التي يؤكد عليها الفنان المعاصر لاسيما في تجسيدها بشكل صادق في العمل الفني المعاصر. من خلال تلك المعطيات لابد أن ندرك بان الثقافة هي التي تطور أسلوب حياة المجتمع، فتقود أفراده إلى إدراك ما هو أكثر فائدة وتطوراً لأساليب حياتهم.

وقد أدرك الفنان العراقي المعاصر تلك القيم الثقافية في المنجز الفني في استعمال بعض المفردات أو الرموز الفكرية والتاريخية كأيقونة في العمل الفني. كما فعل ذلك الفنان (مؤيد محسن) في استعماله لبعض الرموز التاريخية الطوطمية التي توحي بشكل المرأة، والفنان (كامل الموسوي) في استعماله للرموز التاريخية الشخصية كوجود (الأمير كوديا) وهو يقود مشحوفاً تجلس فيه فتاة تحمل الطوطم نفسه, لقد سعى الفنان العراقي المعاصر إلى تأكيد الحياة اليومية التي اعتاد سكان الاهوار القيام بها في حياتهم، من حيث المهنة والعمل والسوق والعادات الشعبية التي ترتبط بتلك الأماكن التي تختلف في طبيعتها البيئية عن المدنية والتمدن الذي يشكل نوعاً من الصراع ما بين التقاليد والأعراف التي جسدها الفنان (ماهود احمد) في تركيزه على إبراز طبيعة الحياة اليومية في الاهوار لاسيما دور المرأة بوصفها المسؤولة عن تشكيل الأسرة والمجتمع وتربية الأطفال، فضلاً عن جمال ومفاتن جسمها، والتركيز على بعض المفردات البصرية المهمة كالمبالغة أحياناً في حجم الأقدام أو شكل الوشم أو سحنة الجسم وغيرها، وتجدر الإشارة هنا إلى الدور الرئيس الذي تلعبه المرأة في الاهوار في الحياة اليومية. كما عبر العديد من الفنانين العراقيين عن تلك الطبيعة الساحرة التي تتمتع بها الاهوار في أعمال مهمة للفنانين الرواد كالفنانة (لورنا سليم)، و(فرج عبو)، و(د.نوري مصطفى بهجت) على الرغم من عدم انتماء هؤلاء الفنانين لبيئة الاهوار، بيد أنهم قد جسدوا تلك الطبيعة بأجمل ما يكون.

المقال السابقلتعزيز الحريات ومحاصرة الإقصائيين
المقال التالىعيد الأضحى فى زمن كورونا
معتز عناد غزوان إسماعيل الشهادات العلمية التي حصل عليها في التخصص: 1- البكالوريوس- التصميم الطباعي. 2- الماجستير- التصميم الطباعي. 3- الدكتوراه – التصميم الطباعي 4- البريد الالكتروني: mutazinad72@yahoo.com الدروس التي قام بتدريسها: الكرافيك، التصميم الطباعي، المنظور، التصوير الطباعي، ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد