الجامعةُ المتحدةُ للعالم الإنساني 2 – 1

 

إن التناقضَ الذي نلاحظه بينَ الشواهدِ المتراكمةِ للتحكمِ المستمر لأساسِ النظم الإداري لأمرِ الله والقوى المخربةِ التي تعصفُ ببناءِ وهيكلِ مجتمعٍ في وضعِ مخاض لافتٌ للنظر حقاً. هناك قرائنٌ وعلامات تزدادُ وتتضاعفُ يوماً بعد يوم سواءٌ في داخلِ العالمِ البهائي أم خارجِه لتبشِّرَ بطريقةٍ بديعةٍ ومذهلةٍ بولادةِ نظمٍ عالمي , النظمُ الذي بتأسيسه يُعلَنُ العصرُ الذهبي للأمرِ المبارك. فأيُّ مراقبٍ منصفٍ لا يخفقُ في إدراكِ ذلـك ولا يمـكنُ أن يُضلَّلَ ويُخـدَعَ بالبـطءِ المؤلـمِ الـذي يعمـلُ أتباعُ حضـرة بهاء الله وبجهدٍ لإنشاء هذه المدنيَّة, كما لا يمكنُه أن يُغَرَّ بمظاهرِ النجاحِ السريعةِ الزوال والتي تبدو في بعضِ الأحيانِ قادرةً على أن تمنعَ التأثيرَ المخربَ الهدام لأمراضٍ مزمنةٍ قد ابتُليَت بها مؤسساتُ عصرٍ فاسد. فالعلاماتِ و القرائنَ لهذه الآونةِ عديدةٌ ولا يمكنُ لأيِّ شخصٍ منصفٍ أن يتجاهلَ خصائصَها أو أن يقلِّلَ من أهمِّيتِها؛ فإذا كان عادلا في حكمِه يُدرِكُ ـــ من سلسلةِ الأحداثِ التي تُصَرِّحُ من جهةٍٍ بتقدمٍ لا يُقَاوَم لمؤسساتٍ مرتبطةٍ مباشرةً بظهورِ حضرة بهاء الله ومن جهةٍ أخرى تُنذِرُ بسقوطََ تلك السلطاتِ والأنظمةِ التي إما تجاهلت ظهور حضرته أو عارضته ـــ بأن كلَّ تلك الأحداثِ هي شواهدٌ على المشيةِ الإلهيةِ الغالبةِ وخطتِه العالميةِ والمحكَمةِ بصورة كاملة.

يتفضلُ حضرة بهاء الله بقوله الجليل:
” قريبا سوف يُطوىٰ بساطُ العالمِ و يُبسَطُ بساطاً آخرَ إن ربَّك لهو الحقُ علامُ الغيوب”

وأيضا يتفضل مؤكدا :
” لعمري سوف نطوي الدنيا و ما فيها ونبسطُ بساطاً آخرَ إنه كان على كلِّ شيءٍ قديرا.”

ويوضح حضرته أيضاً:
“قد اضطربَ النظمُ من هذا النظمِ الأعظم واختلفَ الترتيبُ بهذا البديعِ الذي ما شهدتْ عينُ الإبداعِ شبهَه(1)”.

” وَآثَارُ الْهَرْجِ وَالْمَرْجِ مَشْهُودَةٌ لأَنَّ الأَسْبَابَ حَالِيَّاً لاَ تَبْدُو مُنَاسِبَة. ” 1

إن أيَّ نظامٍ أو كيانٍ تقوم الجهودُ البشريةُالمشتركة بابتكاره ولا يرقى إلى المستوى الموجود في الأمرِ البهائي أو يتعارضُ مع النموذجِ السامي والمعيَّنِ في تعاليمِه لا يمكن أبدا أن يأملَ تحقيقَ أيَّ شيءٍ أبعدَ نطاقا أو أسمى من الصلحِ الأصغر والذي أشار إليه حضرة بهاء الله في آثارِه محذِّراً ملوكَ وقادةَ العالمِ بقوله الجليل:

” لما نَبَذْتُمُ الصُّلْحَ الأَكْبَرَ عَنْ وَرَائِكُمْ تَمَسَّكُوا بِهذا الصُّلْحِ الأَصْغَرِ لَعَلَّ بِهِ تَصْلُحُ أُمُورُكُمْ وَالَّذِينَ فِي ظِلِّكُمْ عَلَى قَدْرٍ.” 2

وفي نفسِ اللوح المبارك يخاطبُ قادةَ العالم:

” أَنْ أَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ إِذاً لا تَحْتاجُونَ بِكَثْرَةِ العَساكِرِ وَمُهِمَّاتِهِمْ إِلاَّ عَلَى قَدْرٍ تَحْفَظُونَ بِهِ مَمَالِكَكُمْ وَبُلْدَانَكُمْ، إِيَّاكُمْ أَنْ تَدَعُوا ما نُصِحْتُمْ بِهِ مِنْ لَدُنْ عَلِيمٍ أَمِينٍ، أَنِ اتَّحِدُوا يا مَعْشَرَ المُلُوكِ بِهِ تَسْكُنُ أَرْياحُ الاخْتِلافِ بَيْنَكُمْ وَتَسْتَرِيحُ الرَّعِيَّةُ وَمَنْ حَوْلَكُمْ إِنْ أَنْتُمْ مِنَ العارِفِينَ، إِنْ قَامَ أَحَدٌ مِنْكُمْ عَلَى الآخَرِ قُومُوا عَلَيْهِ إِنْ هذا إِلاَّ عَدْلٌ مُبِينٌ.” 3

أما الصلحُ الأعظم كما تصورَه وقرَّرَه حضرةُ بهاء الله فهو صلحٌ يجب أن يتحققَ حتما كنتيجةٍ عمليةٍ لغلبةِ الطابعِ الروحاني والكيفيةِ المعنوية على العالمِ واندماجِ جميع أعراقِه ومذاهبه وطبقاتِه وشعوبه. هذا الصلحُ لا يمكنُ أن يستندَ إلى أيِّ دعامةٍ وأساس, ولا يمكنُ لأيِّ نظامٍ أو كيان أن يصونَه ماعدا الأحكامَ والقوانينَ الإلهيةَ المعيَّنةَ والمذكورةَ في النظامِ العالمي البديع المقترنِ باسمِه الأعظم والمنسوبِ إلى اسمِه المقدس. يتفضل حضرة بهاء الله في لوح يخاطبُ فيه الملكةَ فيكتوريا قبل سبعين سنةٍ تقريبا بقوله العظيم:

” وَالَّذِي جَعَلَهُ اللهُ الدِّرْياقَ الأَعْظَمَ وَالسَّبَبَ الأَتَمَّ لِصِحَّتِهِ هُوَ اتِّحادُ مَنْ عَلَى الأَرْضِ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ وَشَرِيعَةٍ واحِدَةٍ، هذَا لا يُمْكِنُ أَبَدَاً إِلاَّ بِطَبِيبٍ حاذِقٍ كامِلٍ مُؤَيَّدٍ لَعَمْرِي هذا لَهُوَ الحَقُّ وَما بَعْدَهُ إِلاَّ الضَّلالُ المُبِينُ.” 4
وفي لوح آخر يتفضل بقوله العزيز:
” اليوم يليقُ للجميع أن يتشبثوا بالاسمِ الأعظم ويؤسسوا وحدةَ العالمِ الإنساني ليس هناك مهربٌ أو مفرٌ غيره (الاسم الأعظم ).”

ينبغي أن يُنظَرَ إلي ظهورِ حضرة بهاء الله, والذي لا تُعتبَرُ رسالتُه الساميةُ الرفيعة إلا تحقيقاً للوحدةِ الصوريةِ والمعنوية لأقوامِ ومللِ العالم على أنه بدايةُ دورةِ بلوغِ الجنس البشري بأسرِه, هذا إذا كنا مخلصين وأوفياءَ لآثارِه. ينبغي أن يُنظَرُ إليه ليس فقط كظهور آخر يهدفُ إلى الإحياءِ الروحاني في المصيرِ الدائمِ التغيُّر للجنسِ البشري، وليس فقط كمرحلة أخرى في سلسلة الظهورات والأديان السماوية، أو حتى بمثابةِ أوجِ ِ الأدوارِ المتواترةِ للنبوةِ وذروتها بل تأشير لآخر مرحلةِ للتكاملٍ المذهل للحياةِ الجماعية للبشريةِ على هذه الكرةِ الأرضية. وأعلاها.
إن ظهورَ جامعةٍ عالمية والاعتقادُ الوجداني بأن العالمَ وطنٌ واحدٌ وتأسيسُ مدنيةٍ ذات ثقافةٍ عالمية ــ والذي يجب أن يتزامنَ مع المراحلِ الأوليةِ من مراحلِ العصر الذهبي للدورِ البهائي ــ ينبغي أن يُعَد كأبعدِ حدٍ في تقدمِ وتطور تنظيم المجتمع البشري على هذا الكوكب, ولكن تطورَ البشرِ من الناحيةِ الفردية نتيجةً لتحققِ هذه الجامعةِ العالمية لن يتوقفَ, وتقدمَ الإنسان سيتواصلُ إلى ما لا نهاية.

إذا فهمنا بياناتِ حضرة بهاء الله بصورةٍ دقيقة فإننا نرى أن التغييراتِ الغامضةَ والمبهمةَ والمتعذر وصفُها والنافذةَ التأثير, والتي ننسبُها لمرحلةِ البلوغ الحتميةِ في حياةِ الفرد والضروريةَ لنضجِ الثمرةِ , لها نظيرها أيضاً في تكاملِ نظام المجتمع البشري. لذلك يجبُ أن تتحققَ مرحلةٌ مماثلة في الحياةِ الاجتماعية للجنسِ البشري عاجلا أم آجلاً لتُنتِجََ ظاهرةً ملفتةً للنظرِ ومدهشةً في الروابطِ العالمية ولتمنحَ وتهبَ العالمَ الإنساني قوى تستطيعُ أن تحقِّقَ على مرِّ الدهورِ الحافزَ الجوهري الأساسي الهامَ للوصول والفوز بمصيرِ الجنسِ البشري العالي والمتعالي.

إن أهل البهاء فقط الذين هم على استعدادٍ أن يربطوا الظهورَ الذي أعلنه وصرَّح به حضرةُ بهاء الله بتحققِ تطورٍ ونمو هائلٍ في الحياة الاجتماعية للجنس البشري كما يستطيعون أن يفهموا أهميةَ البيانِ المبارك حين يشيرُُُ إلى امتدادِ الدور البهائي و عزتِه وجلالِه فيتفضل بقولِه العظيم:

” هذا سلطانُ الأيامِ قد أتى فيه محبوبُ العالمين وهذا لهو المقصودُ في أزلِ الآزال.”5

ويتفضل أيضاً بما مضمونه:
قد عُقِد في الكتبِ الإلهيةِ من قبل ومن بعد لذكرى هذا اليومِ المبارك احتفالٌ عظيم طوبى لنفسٍ فازت و علمتْ مقامَ هذا اليوم. (ترجمة)

رغم تحققِ ظهورِ حضرة بهاء الله في العالم إلا أن النظمَ العالمي الذي يجبُ أن ينشَأَ من ذلك الظهورِ لم يُولدْ بعد. وعلى الرغم من أن العصرَ الرسولي قد مضى إلا أن القوى الخلاقةَ المنبعثةَ من ذلك العصر لم تتبلورْ بعد وأنوارُ جلالِه التي يجبُ أن تنعكسَ في الجامعةِ العالمية في ميقاتِها المقدَّر لها لم تتجسدْ بعد. وعلى الرغم من أن هيكلَ بناءِ النظمِ الإداري لحضرةِ بهاء الله قد شُيِّدَ والعصرُ التكويني للرسالةِ البهائية قد هلَّ إلا أن الملكوتَ الموعودَ والذي يجبُ أن تنضجَ فيه بذرةُ مؤسساتِه المباركة لم يَهِلْ و لم يُنشَأ بعد. وعلى الرغم من أن نداءَه قد علا وعلَمَ أمرِه العظيم قد اعتلى واهتزَّ في أربعين إقليماً من شرقِ العالمِ وغربِه إلا أن الوحدةَ الكاملةَ للعالمِ الانساني لم يُعتَرَفْ بها و وحدتُه لم تُعلنْ وعلمُ الصلحِ الأعظم لم ُيرفَعْ بعد.

يبدو أنه لظهورِ موهبةٍ عظمى كهذه فإنه لا غنى عن فترةٍ من الاضطراباتِ الشديدة والمعاناة على نطاقٍ واسع, فلقد أصبح واضحا وبشكلٍ متزايد أن هناك فترةً فاصلةً بين العصرِ المتألقِ الزاهي الذي شهدَ ابتداؤه رسالةَ حضرة بهاء الله والزمنِ الذي سوف تعطي فيه تلك الرسالةُ ثمرتَها المنتقاة والمختارة وهي فترةٌ مظلمة ومعتمة من الناحيةِ الأخلاقيةِ والاجتماعية والتي وحدها تستطيع أن تُهيأَ العالمَ الإنساني الغافلَ للميراثِ المرغوبِ الذي قد قُدِّر له. (نداء لأهل العالم –حضرة شوقي افندي)

المراجع
1- حضرة بهاء الله , المرجع رقم 17 , ص 152.
2- حضرة بهاء الله , المرجع رقم 14 , ص 61.
3- المرجع السابق, ص 61.
4- المرجع السابق, ص 61.
5- توقيع منيع صادر من قلم حضرة ولي امر الله , ظهورعدل الهى , مؤسسهء
ملي مطبوعات امرى , 132 بديع , ص 163.

لا تعليقات

اترك رد