استراتيجية الحكومة بين التلكؤ والمبادرة وضرورة الدعم والتحفيز

 

بعد أشهر من الصراع الدموي الحاد بين حركة الاحتجاج السلمية، التي ثارت على نظام الحكم الطائفي ونهجه، استطاعت حركة التنوير الشعبية من الشروع في فرض التغيير المؤمل. فأسقطت حكومة واضطرت قوى الحكم أن تمرر حكومة (انتقالية) قد تكون غير مكتملة الصورة كما أرادتها حركة التنوير والتغيير ولكنها بالمحصلة وفي المنتهى ذات طابع انتقالي مهمتها الرئيسة إعداد الأوضاع لإجراء انتخابات حرة نزيهة بعيداً عن صورتها السابقة التي سوقت للنظام واستبدالات وجوهه بتكرار جوهر منظومته..!

ولكن قبل الاشتغال على موضوع المعالجة هذه، نؤكد مع القوى الشعبية الثائرة أنّ الحراك الذي قدم كل التضحيات من مئات الشهداء وعشرات آلاف المصابين من جرحى ومعوقين ومفقودين خلف جدران الاختطاف والاعتقال، لم يقدمها لتعود قوى النظام الطائفية ذاتها بإجراء انتخابات تمثيلية مخادعة. بمعنى أن يتم إجراء انتخابات بين قوى الحكم نفسها لتعود حليمة لعادتها القديمة!!

فلقد كان إسقاط حكومة النظام الأخيرة كما أكدت قوى الثورة الشعبية بملايينها بقصد إنهاء لعبة تمرير زعامات المافيا طائفية الهوية فاشية الطابع والأداء بوساطة بلطجة ميليشياتهم المسلحة.. وصحيح المطلب أنْ لا انتخابات مزيفة أخرى ومثلما قاطع الشعب ما أسمته قوى التضليل انتخابات لأنها لم تكن سوى منصة لإعادة إنتاج سطوتهم بإجراء خدعة توزيع الأدوار بين تلك القوى..

إنّ ما يؤشر الخطر اليوم يكمن في بقاء تلك المجموعات تمارس بلطجتها بحلقاته المتتابعة من اختطاف واغتصاب واغتيال ما يعني تكريس نهجها في ارتكاب الجريمة بوضح النهار وعلنا وعلى المكشوف، بلا خشية من حكومة أو سلطة (انتقالية) يُفترض أن تنهض بمهامها في لجم تلك الأفاعيل..

هنا نلج بمعالجتنا دائرة الفعل ففي وقت جاءت ولادة الحكومة بعملية قيصرية فإنها صادفت أيضاً بولادتها تصنيع شروط تخرج على إرادة الشعب وثورته السلمية التي أرادت التغيير مطلباً. فكان من الطبيعي أن تجد الحكومة عراقيل عديدة بوجهها في محاولات إعداد الأوضاع وحرث الأرض بما يهيّئ للتغيير.

الخطر الذي نؤكد تأشيره في ضوء المجريات، هو أن العراقيل تأخذ مأخذها من أداء الحكومة ودفعها قسراً نحو استراتيجية تدور بفلك المناورة لكن الأبعد والأعمق فيه أن تلك المناورة بدراية أو من غيرها تتحول للتلكؤ والتردد في منهج الخطى المطلوبة..

إنّ أول الخطى هي الشروع بحل الميليشيات بالتتابع، وحسب أدوارها التخريبية ودرجة تنفيذها برامجها التخريبية فهناك ميليشيات منفلتة بالمطلق هي تلك التي تحمل قيم (الولائية) وشعاراته تحت تسمية مقاومة إسلامية أو أتباع الولي السفيه بسياسته ونهجه.. إنها تعتمد مبدأ ترهيب المجتمع وابتزازه وذلك عبر طعنه بمقتل لنشر الرعب والهلع وإخضاع من تستهدفهم لفلسفتها وفرض وجودها قهرياً…

ولكن، بدل حلّ تلك المجموعات الخارجة تُركت تعبث كما تساء على وفق تدخلات زعامات ميليشياوية أخرى باتت اليوم مشرعنة بمسمى حشدي أو غيره! وهي التدخلات التي تمظهرت (بالتهدئة) ولكنها دفعت لتأجيل محاسبة من جهة هي عمليا فعل أو قرار حكومي يُعطي الإذن والصلاحية بمزيد استهتار لتلك القوى.. فيوم اعتقلت قوات مكافحة الإرهاب بضع أنفار بجرائم لا تقبل الاحتمال عادت لتطلق سراحهم!!

ويوم تم الكشف عمن ارتكب عمليات الاغتيال أو صمتت قوات شرطوية رسمية عن اختطاف الناشطة المدنية الألمانية لم يجر استكمال التحقيق بالإعلان عن نتائجه التي دانت وحوش الشارع العراقي من سوقة الجريمة مافيوية ميليشياوية بامتياز…

إن هذا لم ينجم عن مجرد عراقيل ولا حتى انحصر وتحدد بالتلكؤ والتردد ولكنها أفشى حقيقة تمكن قوى الحكم الطائفية الفاشية من الحكومة الانتقالية ومخرجات أداءاتها…

إننا إذن بمجابهة عنيدة مع قوى الإرهاب الطائفية الكربتوقراطية التي تحكمت بالأوضاع منذ 2003 حتى يومنا.. وهذا يعني فيما يعنيه تمكن تلك القوى من مصادرة مؤسسات الدولة وإفراغها من فحوى اشتغالها وأدائها لتملأ بمن يسطو عليها ويشوه عملها بالصورة التي تخضع لزعامات الجريمة من وكلاء فلسفة (الولائية) أتباع ملالي طهران ومناصريهم من حثالة المجتمع الذين تم تجنيدهم في ظروف شرذمة الأوضاع العامة ونشر منطق الخرافة والتجهيل وإشاعة نهج الجريمة…

إنني أشير بوضوح إلى مجابهة الكاظمي وبعض زملائه ما نسميه (الدولة العميقة) وهي ما تعبر عن مأسسة المافيا الميليشياوية بصورة دقيقة تخضع مباشرة لأوامر تصل (بالكصكوصة) وبغيرها من قبيل زيارات ممثلي الملالي ووليهم الفقيه بكل ما يخص التآمر والتلاعب بمصائر الناس…

عليه بات واضحا أن المعني بمهمة التغيير هو الوحيد القادر على فرض إرادته، إنه الشعب الثائر الذي انتصرت إرادته ومطلبه بالتغيير في مرحلته الأولى والذي لا يمكنه التقدم من دون تحول حراكه إلى وجود منظم تعبر عنه جبهة وطنية شعبية بتشكيل: موحد القيادة بلا تأخر وتردد وجماهيري الوجود بصورة تتلاءم وحجم التغيير المنشود وإمكان تنفيذه والاستجابة لحلقات تلبيته..

إن وجود هذه الجبهة الشعبية هي الأرضية المقابلة لأنفار حثالة المجتمع من الهامشيين الذين يقبل وجودهم بتلاعب وببيع الصوت والموقف والضمير ليكونوا حاشية مستعبدة لزعامات القدسية الزائفة من جهة والشرعنة المدّعاة المزعومة مما انتهك دائما القانون وفرض نفسه وسوقها على أنها هي القانون..

إن بقاء السيد الكاظمي يقدم مبادراته وحيداً يجعله مضطراً لمناورة غير مرغوبة لا تعني سوى التردد بمنطقة القرار والتلكؤ في منطقة التنفيذ ما يجدد دائماً فرص استعادة قوى الجريمة أنشطتها وتنفيذها ألاعيب من يرسل بيدهم الولي (الفقيه) أوامره …

ولا يجوز بهذا هنا، مع اعتداد ثابت بالحذر الواجب من أية شخصية عاملة بضمنها الكاظمي، لا يجوز ترك المبادرات لسلطة مازالت بالتمام بأيدي الكربتوقراط الفاشي المنظم تنظيما دقيقاً بل يجب حتماً تشكيل جبهة وطنية شعبية علمانية بلا تردد وبلا تأخر اليوم بمبادئ الوحدة الراسخة وإعلان قيادة عنيدة خبيرة من رجالات دولة مناضلين خبراء ليقفوا بوجه شراذم التخريب والهدم ممن لا يملكون ولا رجل دولة بسبب اعتماد الهامش الحثالة من سوقة البلطجة والاتجار بالقيم والضمائر..

إن العنف باستمرار قادر على ما هو أبعد من العرقلة ولا مقابل له إلا باستكمال أداء حركة التغيير السلمية بإنجاز قيادة موحدة سواء بدأت بثنائية أم ثلاثية ونمت وتوسعت ونحن ندرك أنها تضم: حركة اليسار الديموقراطي والقوى الليبرالية والقوى القومية التقدمية لا تستبعد حركة التحرر القومي الكوردية بل تشملها بتركيبة الجبهة الشعبية الأوسع والأشمل..

بوجود هذه الجبهة سيتمكن الشعب من تفعيل المرحلة التالية لمهام التغيير وسيتم مؤازرة مبادرات الحكومة الانتقالية وجذبها كليا ونهائيا إلى منطقة إعداد الأرض وحرثها لانتخابات ممكنة سليمة..

ولا يمكننا إلا أن نؤكد أنه لا انتخابات من دون شروطها كاملة بلا نقص ولا انتخابات بتنافس فيها الشعب بكلية وجوده مع القوى المافيوية من كربتوقراط تم إنشاؤه في المرحلة المنصرمة وإعادة إنتاجه باستمرارية وأريحية لقوى الاستغلال الإجرامية…

إن انتظار انتخابات مكرورة منقوصة بمثالب وتشوهات لا يعني سوى إنهاك الشعب بدوامات جديدة من النضال والتضحيات وستتحمل المسؤولية هذه المرة قوى التقدم والتغيير بسبب تلكؤها هي الأخرى عن تشكيل الجبهة التي كنا بدأنا مشوارها في تحالف تقدم الذي اختطفوه وفككوه بمختلف الذرائع التي دانها الشعب والقوى الحية فيه…

لقد اشتغلنا والشخصيات الوطنية الحرة المستقلة على تهيئة تلك الجبهة وتحالف قواها ورسم برنامجها والأمر اليوم بحاجة فقط لإرادة تنعتق من التلاعب ومن فذلكات بعض من أخطأ بحق نفسه ومن ينتمي إليه في إطار الحراك الوطني فلنحزم أمرنا قبل فوات أوان..

لا تضحوا بدماء ألاف العراقيات والعراقيين! ولا تتركوا تلك الدماء تذهب سدى ليضطر الشعب لركوب سفينة الثورة ويدفع دماء جديدة أخرى زكية طاهرة غالية!!!

إنني أناشد مجدداً زعامات الأحزاب والمنظمات والاتحادات العلمانية الديموقراطية أن تحسم أمرها ولينعقد مؤتمر الوحدة على مراحل تبدأ بلقاء في دائرة ألكترونية مفتوحة فمغلقة ومن ثم ينعقد ميدانيا بشروط الظرف وطابع أثر كورونا وأزمتها لكن لكي نحمل رسالة واجبة مصاغة مكتوبة واضحة ولا ينتظرها سوى غعلان نجتمع معا حوله ومن أجله…

فلنقر معا أن التلكؤ والتردد يمكنه أن يدفع الوضع برمته للانهيار وهو ما لا ينبغي أن يحصل ولدى الشعب أرضية للمتابعة موجودة بملعب قوى أرهقتنا بمناورات دفاعها عن الوحدة الشعبية وعن النهج الديموقراطي فيما هي السبب الفعلي وإن كان غير المباشر لكل المجريات فالقتل ومن ينهض به مباشرة مفتوح الجبهة ومنصته عالية في ضوء تلكؤ أطراف الوطنية الشعبية عن النهوض بالمهمة المؤملة!

إلا لنؤكد معا أن الحكومة الانتقالية إنما تراوح في دائرة التلكؤ خشية أن تقع بمطب الاصطدام الراديكالي غير محسوب العواقب؛ بسبب من تأخر قيام الجبهة الوطنية الشعبية ووحدة قيادتها الديموقراطية العلمانية.. ولكن تلك الحكومة، مازالت حتى اليوم تمتلك فرص المبادرة إذا ما تحركت قضية القيادة الديموقراطية بأرضية يمكنها توفير الدعم الشعبي العريض، فهل تفحصنا المسار بدقة!؟ وهل أسرعنا به إلى غايته التي نضجت ظروفها منذ زمن!!؟

لا ذريعة لكل الفذلكات ومن يتأخر سيحكم عليه التاريخ بالهزيمة المذلة وسيخرجه الشعب من حساباته، فلنتحرك معاً ولنترك كل هامشي وتفصيلي في أي حوار بل لا فرصة للحوار بقدر ما ننتظر الفعل وولوج تنفذه والعمل به فقط لا غير..

والنصر للشعوب دائماً، وأنا أقول أجدد التأكيد أن لكل حادث حديث وأن تلكؤ القوى المعنية القائمة سيضطر المواطن لتكوين حركته البديلة من رحم ثورة أكتوبر 2019 التي مازالت مستمرة حتى يومنا…

لا تعليقات

اترك رد