أردوغان بين ” ميوعة ” الغرب ورعونة العرب

 

لم يكن أمامي مفر من الدخول على خط النار، من الوقوف مع المقاتلين في الصفوف الأمامية حيث صمت المدافع لا يعني سلامًا من دون حرب، أو وئامًا من غير دماء.
لم يكن سوى السلطان التركي وهو يشمر عن سواعده ويقطع نحو ثلاثة آلاف من الأميال كي يصل إسوة بأسلافه الأولين بُعدًا أو قربًا من خط مصر الأحمر، بُعدًا أو قربًا من الأمن القومي العربي المشوه، وبُعدًا أو قربًا من ثلاثة مشاريع إقليمية “متألقة” بقيادة إسرائيلية وفارسية وتركية.
لا مفر من البعد أو القرب، ولا مناص من المواجهة شئنا أم أبينا، هربنا من ساحة القتال، أم لم نهرب، كنا عند حسن ظن شعوبنا أم عند سوءات نواياهم، لا مفر ولا مناص من البعد أو القرب من العدوان التركي على ليبيا، هل من سرت “المنتبهة”، أم ضواحيها الملتهبة، أم الطريق المولع بالنضال على القرب أو البعد منها؟
الغرب ليس بالضرورة مع مصر حتى لو تحرشت البوارج الفرنسية “بالضفادع” التركية، فالاتحاد الأوروبي في اجتماعه غير المفهوم يعطي ما أسماه “فرصة أخرى للحوار”، أي فرصة ذهبية للانقضاض على “الهلال النفطي” المدجج بالمقاتلين والزيت ومواكب العزاء.
أما “الناتو” أو حلف شمال الأطلسي، الذي تنتمي تركيا إليه فقد وجهه هو الآخر نصيحة للفرنسيين بأن يبتعدوا عن “الأتراك”، وأن يتركوا الساحة “بحرية” لكي يتصارع فيها المتصارعون، ويتقاتل فيها المتقاتلون، هذا شأن ليبي – ليبي ، رغم أصابع المليشيات ورغم “سجدات” المرتزقة.
مصر بمفردها أمام العاصفة، لا تعرف من معها، ومن ضدها، هل ستحارب تركيا أم أنها ستجد جيوشها أمام “الناتو” بعتاده وجيوشه وبوارجه وطائراته المسيرة؟ هل سيكون العرب في ظهرنا والأشقاء كتفًا بكتف إلى جوارنا؟ أم أنه التاريخ الذي سيعيد نفسه وتجد مصر نفسها أمام الحقيقة المؤلمة في فوهة المدافع وحدها وأمام عدوٍ يتمادى حولها؟
جامعة الدول العربية برعونتها المعتادة لم تؤكد أو تنفي، لم تشجب أو تعلنها حربًا عربية في وجه الهجمة الانكشارية العثمانية الجديدة، الدول العربية كلٍ على حدة تصدر بيانات في غاية “الروعة”، دعم ومساندة وموقف مشهود لا تخطئه عين، ولا تضلله شائعة.
رغم ذلك نجد مصر وحدها في الصحراء الغربية، برًا وبحرًا وجوًا، رغم ذلك نجد التعنت الأثيوبي قد وصل إلى ما بعد مداه في الجنوب البعيد من مصدر الشقاء، من سد كان مزعومًا حتى تم البدء في الملء المريب، قمة أفريقية قد تنتهي بالقبلات عن بعد، وبالأيدي الملوحة بالنصر المؤزر ولكن “أون لاين”، والعناق الأبدي أمام كاميرات لا تكذب أبدًا.
الثقة في الآخرين ستظل مفقودة، طالما أن مشاريع الاستئثار بمقدرات المنطقة لا يوجد من بينها مشروعًا عربيًا يتيمًا، إذًا المؤامرة أو العدوان هذه المرة هو عدوان مكعبًا، أو منحرفًا عن تقاليد الحروب التقليدية الأخرى، عدوان بمشروع إقليمي كبير، ومساندة دولية أكبر.
لا يجب أن يمر مشروع أوباما هكذا مرور الكرام من دون استلهام أمريكي لكرامات الداعم الأكبر، ولا يمكن إطلاق تهيؤات على عواهننا من دون أن نعترف بها صراحة: ليست مجرد نظرية مؤامرة، لكنها الآلاف من القادمين على بوارج حربية تركية بالقرب من سرت الليبية، لكنها التصريحات والتصريحات المضادة من دول أرى من أقصى المشرق العربي، خناجرها المسمومة وهي تدق أسفينًا بين الأخ وأخيه، والأب وبنيه، وبين الدولة بمفهومها الحضاري الحديث، والجماعة بفكرها الراديكالي المريب، الدولة أم الوطن، الدولة هي الوطن، لكنها في مفهوم “الخوارج الجدد” ليست كذلك، المليشيات التي تزيح الجيوش الجرارة، والعصابات التي تحكم بأمر السلطان، وتبطش بإسم الوالي، وتحدد المستعمرات بقرار من انكشاريته المأجورة.
مصر وخطها الأحمر على المحك، ومصر وعمقها العربي أمام أصعب اختبار منذ 1973، ومصر وأمنها القومي أمام الخطر وحدها سواء في الغرب المستولي على مقدراته، أو في الجنوب المأسوف على مياهه، أو في الشرق حيث الإرهاب والأخوان وإسرائيل، أو في الشمال حيث أمن الغاز وسلامة الاكتشافات والصداقة المصرية اليونانية القبرصية العائمة، بحر من الثروات فوق جحيم مستعر تحت الماء.
دول لها مصالح معنا، لكن لديها اتفاقيات أهم مع العدو، وشركات تطلب المستحيل من بلادها حتى لا يمسها الضر من مغامرات عثمانية “آيلة”، وبلاد تعود إلى “الناتو” الذي ينادي بدوره إلى ضبط النفس، والعودة إلى الحوار، وعدم التدخل في الشأن الليبي.
مصر وحدها أمام خلطة سحرية من جيش تركي ومرتزقة سوريين، ومليشيات من كل مكان، فعلى من يا تري سنطلق الرصاص؟

1 تعليقك

  1. Avatar ماجد الماغي

    احسنت النظم والمقال ياستاذ. وجانبك شىء من القصد والمنال . وددت لو كنت داعية حوار فى طريق السلام فكلنا فى الهم شرق

اترك رد