النقد الأدبي و الفلسفة: الحدود الوهمية و العلوم الحقة


 
النقد الأدبي و الفلسفة: الحدود الوهمية و العلوم الحقة
لوحة للفنان نصر سامي

-1-

لقد دأبت الدراسات على التمييز بين الحقول المعرفية، تبعا أن لكل حقل أسسه النظرية والمنهجية،ومفاهيمه و مقصدياته، بعد أن كانت هذه الحقول في حضن الأم؛ الفلسفة. لكن بفعل سعي العلوم إلى البحث عن هويتها، و التدقيق في مجال اشتغالها، عملت على قطع الحبل السري مع الأصل،فاقتصر دور الفلسفة على تتبع خطوات هؤلاء الأبناء الغفل،و ملاحقتهم و مساءلتهم عن مسار هذه الخطوات وتمحيص النتائج التي يتوصلون إليها، بغية الحكم عليها وتقويمها. حيث أصبحت تنهض بمهمة “إبستيمولوجية”.

إن هذا الانفصال لم يشكل قطيعة نهائية مع هذه العلوم، بقدر ما بقي الارتباط قائما بالشكل الذي يضفي عليها مشروعية علمية، بهدف تأسيس فكر فلسفي يرتكز إلى أسس عقلانية بالمفهوم الحداثي. إلا أن الوهم السائد في حقل الدراسات الأكاديمية، هو محاولة عزل كل علم على حدة، و غلق الأبواب على باقي العلوم الأخرى، و إقامة حدود وهمية بدعوى أن كل حقل معرفي أو تخصص علمي له نظرته التي يمتاح منها أسس تفكيره،ومسار بناء معرفته الخاصة، خارج الجدل القائم بين روافد علمية مسهمة في بناء صرح المعرفة التي تعد جوهر الحضارة في التاريخ الإنساني.

إن العلم مهما كان دقيقا؛ مثل “العلوم الحقة”، و يستند إلى أسس علمية، فهو في حاجة إلى العلوم الإنسانية، و إن كانت أقل دقة منه و أقل علمية. و العكس صحيح تماما، بشكل لا يدعو إلى الاختلاف غير القائم على البينة و الدليل. و يتعمق هذا الوهم؛ بحصره في شعبة بعينها، باعتبارها منفصلة الجذور و الفروع عن علوم أخرى، حيث لا يمكن أن نتصور أن أي تطور يمكن أن يحققه ، مهما كان بسيطا خارج التفاعل و التلاقح مع علوم أخرى، في نطاق ما نسميه ب “تكامل العلوم”.

و بذلك، فالسؤال المطروح هنا، هو ما علاقة النقد الأدبي بالفلسفة؟ هل كل واحد له هويته المستقلة عن الآخر تصل إلى حد الطلاق البائن؟ أم هل الأمر يتعدى الحدود إلى التشاكل بعيدا عن كل اختلاف قائم أساسه على وهم الدرس الأكاديمي؟

-2-

لا يقف مفهوم الفلسفة عند حدود مفهوم الشعبة، بل هي أم العلوم، و مقترنة بها، عن طريق “السؤال”، الذي به تبحث عن العلل الأولى للظواهر الكونية و الوجودية و الإنسانية، فهي تتساءل عن أصل الأشياء. فمدرسة “أفلاطون” التي كتب عليها “لا يدخلها إلا رياضي”، يمكث فيها المتعلم خمس سنوات لا ينبس ببنت شفة، حتى يكون قادرا أولا على بلورة السؤال. لكن هل السؤال فعلا حكرا على الفلسفة وحدها، أم هل هو فعل علمي، يُعمد إليه في أي مجال قادر على مواجهة الإنسان و الظواهر التي ترتبط به، عبر مساره التاريخي و الثقافي و الحضاري. و حتى مفهوم الفلسفة التي تعني “محبة الحكمة” و الفيلسوف “المحب للحكمة”، هل الحكمة تقتصر على الفلسفة لوحدها، أم هل ترتبط بالعلم مجملا؟.

إن الفلسفة، تبعا لهذا، لا تقابل معارف أخرى، أو تنعزل عنها، بل تتواجد في كل معرفة معرفة،وفي كل علم علم، باعتبارها تؤسس لمبادئ التفكير العقلاني، انطلاقا من “أرسطو”، منذ القرن الرابع قبل الميلاد، الذي عمد في الوهلة الأولى إلى “علم النطق”، وصولا إلى خوضه في عالم “الميتافيزيقا”. إن هذه الفلسفة “الأرسطية” هي التي سيطرت على التفكير الأوروبي إلى حدود القرن السابع عشر الميلادي؛ من قبل الكنيسة التي بسطت سيطرتها. و على إثر هذه السيطرة، قُتِل “غاليلي” الذي قال ” ورغم ذلك فهي تدور”. لكن مع “ديكارت”، تم الالتفات إلى “ملكة العقل”، باعتبارها الأساس الذي يبيني طبيعة التفكير في الأشياء، و إن لم يخض في مجالي “الأخلاق” و “السياسة”، فقد أسس لتفكير عقلاني. فالعقل نور طبيعي، أساس المعرفة و تقدم العلوم، و أساس الاختلاف بين البشر من حيث طريقة الاستخدام. و هنا نجد تطابقا بين العقل و الفطرة عند “ديكارت”. و مفهوم الزمن دال أكبر على درجة الاختلاف في الطبيعة العقلية التي يتمتع بها الإنسان.

إن “ديكارت” سعى إلى انتقاد “الفلسفة الأرسطية” التي جنت على أمم بأكملها. مؤسسا للحداثة العقلانية بكل تجلياتها في مجموع المعارف و الحقول، اعتمادا على “الشك المنهجي”. إن المسألة لا تقتصر على الفلسفة فحسب، فكما قال “ميشال فوكو”: “في كل عَالِم عِلْمٍ يرقُد فيلسوف”. و بذلك فإذا كانت الفلسفة تسعى إلى اكتشاف الحقيقة، من خلال التساؤل، و البحث عن العلل الأولى، فالنقد كذلك،بصيغة من الصيغ، فلسفة تسعى إلى وضع العمل الأدبي في مجال البحث و التعليل.

-3-

أن النقد فلسفة، مادام يستند إلى السؤال، فالفلسفة تتساءل بغية القبض عن العلل الأولى، و أصل الموجودات. لكن صورة العلة ستتغير سواء مع “ديكارت” أو “الديكارتية”، التي أصبحت ترتبط ب”الأنا” الديكارتية انطلاقا من قوله “أنا أفكر إذن أنا موجود”، فبقدر الشك تتجلى حقيقة الوجود،وبقدر استيعاب هذا الوجود يتطور الشك، اعتمادا على الاستخدام المختلف للعقل، فهو العلة الأولى التي تستلزم الوضوح و البداهة، تحقيقا للوجود اللامفكر فيه. و إذا كانت العلة المحققة لجوهر الأشياء متعدد، فالتفكير العقلاني يتجسد في “الأنا”، في صورتها الموسعة، المكتسبة للمعرفة انطلاقا من تجربة الحواس، و المطلعة على المعارف، و المرتبطة بالعادات و التقاليد، و ثقافة المجتمع. إنها “الأنا” التي تحقق درجة تقدم ما بمدى قدرتها على التفلسف و التساؤل و كشف حقيقة اللايقين، و لا يقين الحقيقة. و إذا كانت المعرفة، في كثير من الأحيان هي اللامفكر فيه، فإن الفلسفة هي سعي لتحقيق هذه المعرفة، في ارتباطها بالفكر،المجسد الوحيد للوجود، غير الخاضع بعد لشك مطلق.

-4-

ينطلق “ميشال فوكو” في مقدمة كتابه “Naissance de la clinique” من حالة الطب النفسي،وطريقة العلاج التي كان يعمد إليها “POMME”، حيث كان يلغي شخصية المريض، و يعطي العلاج الذي يراه هو مناسبا. كأن ذات الطبيب المعالج هي المالكة للمعرفة، لأنها كانت تعيش في فترة تطغى عليها الأسطورة، و الحلول غير الخاضعة للعقل و الأسس العلمية. بينما “BAYLE” عدل عن هذه الطريقة، و أصبح المريض هو المحدد لطريقة العلاج، فهو الذي يوفر الموضوع و المادة التي يشتغل عليها الطبيب من خلال وصفه للأعراض التي تنتابه أثناء النوبات المرضية.

إن الحالة الأولى؛ تعبر عن مدى الانفصال، بشكل أو بآخر، بين الكلمات و الأشياء، بينما الحالة الثانية تعبير عن مدى الاتصال بينهما. و هذا منطلق فلسفي في الحديث عن النقد في علاقته باللغة،على اعتبار أن أزمة اللغة هنا، ترتبط بطريقة الرؤيا المختلفة عن طريقة القول. و النقد يسعى بدوره، من خلال هذا، إلى استنطاق المادة الأدبية، و تقريب الهوة بين ما تعبر عنه اللغة، و ما هو مضمر بين سطورها،في محاولة إنطاق الصمت، و ترجمة المسكوت عنه. فالكلام يتخلله الصمت في مستويات اللغة. و النقد بدوره يسعى إلى التعليق عن هذا الزواج الكاثوليكي بين الكلام و الأشياء، ما قيل و ما ينبغي أن يقال.

إن الربط بين الذات و الموضوع الذي سعى إليه الطب النفسي، في نطاق الانتقال من عالم الأسطورة إلى عالم العلم القائم على التجربة، هو المنحى نفسه الذي يسير فيه النقد، في نطاق علاقة اللغة باللامفكر فيه. إن العلاقة الشائكة بين التصوير الذهني للأشياء و اللغة، يجعل الصور الذهنية المفكر فيها بعيدة كل البعد عن اللغة في نطاق اللامفكر فيه، مما أدى إلى نوع من عدم التطابق بينهما. و هذا هو مسعى النقد الآن في دراسته للنصوص الأدبية و الشعرية. و هو مسعى فلسفي يتلبس بلبوس نقدي فقط.

لا تعليقات

اترك رد