السياسة والخساسة

 

في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي، كان الحديث الذي يتناول ما يدور في البلد من أحداث سياسية مجازفة ومخاطرة، وقد كان أهلونا -من شدة خوفهم علينا- يمنعوننا من ذلك بشكل او بآخر، وكان والدي يقول دوما: (إبني السياسة بحر.. عوفها لاتغرگ بيها). ولأني كنت مجبرا مع باقي العراقيين على الإبحار (وراء العيشة) لم يتسنَّ لي الخوض في لج بحر السياسة لا من قريب ولا من بعيد، إلا بعد الانفتاح والانفراج وماصاحبهما من مقبلات اندلقت على صدور العراقيين دفعة واحدة عام 2003.

ولكن، وأظنه لسوء حظ العراقيين وليس حظي فقط ان (الانفراج) كان (أكثر من 180 درجة) ومعلوم أن ما زاد عن حده ينقلب ضده، فغرقنا جميعا في لج بحر جديد، هو بحر أمواجه ساسة غير الذين أخافنا منهم آباؤنا، وقادة غير الذين خبرناهم واعتدنا أساليبهم وطبائعهم وأدمنا سلبياتها. فساستنا الجدد لا يتقبلون النصح، ولا يتعظون بتجارب من سبقوهم، ولا يعتبرون بما آلت إليه سياسة السلف، وهم بهذا شر خلف. وهم لايأبهون بنقد بناء، وكيف لهم هذا وشعارهم الهدم ثم الهدم ثم الهدم، علاوة على أنهم يتقبلون السباب والشتائم بكل سرور، ولعلهم يعدونها (رحمات لوالديهم). وقد كنا نظن بادئ الأمر أن هذه هي الديمقراطية بعينها، إلا أن الأمر ليس كما ظننا أبدا، فهؤلاء الساسة يعومون في بحور غير التي نعهدها، وسواحلها بعيدة كل البعد عن المواطن الذي نأوا بأنفسهم عنه أيما نأي، وماعادوا يسمعون نداءاته واستغاثاته، بل هم يعدونها “لغوا وكذابا”. فأبعدوننا عن السياسة أكثر مما كان يبعدنا عنها آباؤنا المساكين، فكأني بأبي العلاء المعري بيننا ينشد:

يسوسون الأمور بغير عقل
                       فينفذ أمرهم ويقال ساسة

فأف من الحياة وأف مني
                       ومن زمن سياسته خساسة

وهم قطعا -السياسيون- ليسوا سذجا او على نياتهم ليتركونا بحال، قد نتنبه يوما وننتفض على واقعنا الذي أوصلونا اليه، بل راحوا يتحايلون علينا بمعسول الكلام، ويغدقون علينا شفيف المصطلحات والآمال البراقة، والتي كانت في زمن الطاغية تدخل أذنا وتخرج من أخرى، أما في زمنهم فهي لاتدخل أي أذن منهما على الإطلاق، ذلك أنها عديمة النغم واللون والرائحة والطعم والجدوى. سأسرد بعضا منها بتعريف مبسط لها:

– (عنق الزجاجة): هو مكان وهمي يأبى السياسيون الذين اعتدنا السير خلفهم إلا ان يضعونا فيه، حيث يمنّون علينا بأنهم أخرجونا من قعر الزجاجة متفضلين.

– (حلحلة الأزمة): هي عملية تخدير، يكون حينا موضعيا وأغلب الأحيان كليا، يكثر قادتنا إجراءها على أكثر من مريض يصل عددهم في العراق الى أكثر من ثلاثين مليون مواطن في نفس الآن والآنية.

– (شد الأحزمة): وهو مرحلة متقدمة من الحلحلة آنفة الذكر، يبلغ فيها السيل الزبى، ولكن ليس للمواطن حول ولا قوة، فقد ابتلعهما الساسة وأرخوا أحزمتهم عن آخرها.

– (نهاية النفق): وهو ما يحصرنا الساسة بداخله بعدما (يوكع الفاس بالراس) إذ لامفر من المصير المحتوم.

– (الغد المشرق): وهو حلم غير قابل للتحقيق بتاتا، فهو لاينتمي الى احلام المنام، ولا الى أحلام اليقظة. يستخدمه الساسة حين يفلسون من أمسهم ومن يومهم.

– (نزع الفتيل): وهو أكثر مصطلح يستعيره السياسيون (والعياذ بالله) ويصلح لعدة مواضع، ففي الازمات يستخدمون عبارة (نزع فتيل الأزمة). وعند اشتداد القنا وانزلاقهم بمعركة يستخدمون عبارة (نزع فتيل الحرب). وهناك فتنة يسمونها الفتنة الطائفية، عادة مايثيرونها متعمدين ثم يتولون أمر إخمادها، فيقولون؛ (نزع فتيل الفتنة). وليتهم يقفون عند هذا الحد، فالخوف كل الخوف من تماديهم بنزع (فتايل) أخرى لايتحملها العراقيون، بعد أن ضاقت بهم مداخل الفرح و “مخارج” السرور..!

لا تعليقات

اترك رد