الرموز الوطنية تموت ولكنها تبقى حية في الذاكرة التأريخية

 

قال تعالى في سورة الفجر27/30 ((يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ. ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً. فَادْخُلِي فِي عِبَادِي. وَادْخُلِي جَنَّتِي)).

لم أتشرف بلقاء الرمز الوطني وزير الدفاع الأسبق سلطان هاشم سوى مرة واحدة خلال الحرب العراقية الإيرانية في القاطع الأوسط من ساحة العمليات ولمدة ساعة فقط، ولكن في بعض الأوقات قد تكون لهذه المناسبة الوحيدة عطر لا يزول، فقنينة العطر حتى ان خلت من العطر تبقى رائحتها زكية، بقين المناسبة محفورة في الذاكرة لا تُمحى مهما تعدت السنون، وتوالت الحوادث.

غالبا ما يعرف الضباط العراقيون بالصرامة والإلتزام بالضوابط العسكرية وربما يفرضونها حتى على أسرهم، مثلا عند تناول الطعام لابد أن تكون الأسرة مجتمعة كلها، ويبدأ الأب بقوله تفضلوا، وعدم جواز القيام من المائدة إلا بعد إنتهاء الجميع من الطعام علاوة على القيافة والإناقة والنظافة والترتيب وغيرها من العادات المستعارة من التقاليد العسكرية، وهذا ديدن ضباط الجيش، بالطبع نقصد الجيش العراقي البطل قبل الغزو الامريكي الغاشم، وليس جيش الدمج والميليشيات الحالي.

ميزة البطل الهمام سلطان هاشم او بالأحرى هي مجموعة من المزايا جعلته محط أنظار جميع من عمل معه من الضباط وضباط الصف والمراتب وعلى حد سواء، إنها نفس صفات الأب المحب لأبنائه جميعا لا يميز بين كبيرهم وصغيرهم، ويسهر على سلامتهم وراحتهم، وأكثر ما يهمه تأمين السلام والأمان لهم، وطيبة القلب هذه سجية طبيعية، وليست عادة مكتسبة عند هذا الرمز الوطني الراحل، فقد فطر عليها ولازمته طوال حياته، والسمة الأخرى كان زاهدا وإيمانه بالله كبيرا، وهذا الإيمان انعكس بشكل ما على معيته، فالسلامة دائما ترافقهم خلال مصاحبتهم له او العمل بمعيته حتى في أشد الأوقات واصعبها كالمعارك الشرسة، كنٌ معه تكون في طمأنينة وأمان وراحة بال، هذا ما أكده من رافق مسيرته المليئة بالبطولات والمواقف الوطنية.

السمة الأخرى هي الإبتسامة التي لم تفارقه، وهذه الإبتسامة هي التي تثير العجب، فمن المعروف في المعارك الشرسة غالبا ما يكون القائد متحمسا وعصبي المزاج، ومتوتر الأعصاب، سيما عندما يكون الخطر محدق بمصير الوطن ومن الصعب تحديد الموقف بالإنتصار او الهزيمة في المعركة، لكن هذا القائد الفذ لم تفارق وجهه الإبتسامة وهو يقود المعارك الضارية، معنوياته عالية تجعل الضابط والجندي الذي يعمل بمعيته يشعر بأمأن كبير، كأنه بإمرة أحد الرجال الصالحين ممن ترعاه السماء، وتظلله بالعناية والقوة. وبعدغزو الكويت كانت توجيهات الرئيس العراقي الراحل (صدام حسين) لسلطان هاشم لا تتعدى بضعة أسطر، لأنه كما يقول المثل العربي إرسل حكيما، ولا توصهِ، فهو أعرف من غيره بأنه يمثل وجه عراق الحضارات، واي ضعف او تخاذل سيقلل من هيبة العراق وليس شخصه فحسب، لذا كان موقفه بالخيمة لا يقل بطولة عن موقفه في المعارك، فقد مثل العراق خير تمثيل، وأثار إعجاب خصومه حسب اعترافاتهم.

لم يتوقع العراقيون ان يكون سلطان هاشم حبيس السجن ويكون مساره من السجن الى القبر، فهو قائد ينفذ الأوامر الصادرة له من الجهات العليا، ولا يمكن للقائد ان يتمرد على تلك الأوامر، فالقانون العسكري واضح في نصوصه ولايقبل الجدل في هذا الصدد، وهذا الأمر لا يقتصر على العراق بل على كل جيوش العالم، وكنا نتوقع ان قوات الإحتلال ستفرج عن وزير الدفاع بعد إجراء التحقيقات الأصولية، ولكن من المؤسف ان قوات الإحتلال الأمريكي سلموا كلابهم المسعورة هذه النخبة من الرموز الوطنية لتنهش في لحومها، قوات الإحتلال تعرف جيدا ان عملاء ايران سينتقموا شر إنتقام من الرموز العسكرية من قادة وعلماء وطيارين، ليس لأنها حاربوا القوات الأمريكية، فهذا غطاء يخفي

أمر أجلٌ واعظم، وهو انهم قدموا كأس السم للخميني المقبور فجرعه على مضض، وقد أتت ساعة الإنتقام من هذه الرموز، وفعلا في الشهور الأولى من الإحتلال تم إستهداف ما يقارب (500) عالم وقائد وطيار عراقي، وجثث الطيارين وسمت بعلامة (هذا مصير كل من قصف جزيرة خرج)، وكانت الأصابع تشير بما لا يقبل الشك الى قوات غدر من فيلق بدر، علاوة على الحرس الثوري الايراني الذي رافقهم في القدوم الى العراق بعد الإحتلال، فما بالك بوزير الدفاع العراقي وهو من القادة الذين كانوا يمثلوا كابوسا مخيفا للخميني والحرس الثوري الايراني، فقد كان النجاح ملازما له في معظم المعارك التي خاضها مع العدو الايراني.

ما أن استتب الأمر لشيعة السلطة حتى جعلوا من وزارة العدل من حصتهم، وجعلوا إدارة السجون من حصة الميليشيات المتطرفة التي مارست أشد أنواع العنف والتعذيب والقمع مع السجناء سيما الرموز الوطنية، لا يوجد في سجون العراق رحمة ولا انسانية ولا احترام للشرع الإسلامي، حتى الدواء منعوه عن السجناء وجلهم مرضى وكبار السن، علاوة على وجبة طعام واحدة وعقوبات لا يصدقها العقل، تجعل المرء يقف مذهولا هل إدارة السجون والعاملين فيها هم من البشر حقا؟ والعراقي لا يُعرف عنه هذه القساوة ووالحقارة في التعامل مع السجناء، ولكن ستكتشف الحقيقة عندما تعلم ان إدارة السجون يديرها التوابون، وهم السجناء العراقيون الذين تبرأوا من العراق وانتموا عقائديا الى ولاية الفقيه، وكانوا أشد من الفرس في تعاملهم اللاانساني مع اقرانهم السجناء العراقيين، وهذه حقيقة سبق ان نوه عنها الكثير من الأسرى العائدين. التوابون لهم سجل وتأريخ طويل في ممارسة التعذيب، لذا فقد كان وجودهم في السجون العراقية هو إمتداد قمعي لوجودهم في السجون الايرانية، انهم أبالسة بهيئة بشر.

كان المغفور له سبطان هاشم مريضا بالقلب ومنعوا عنه الدواء، بل منعوا ذويه من زيارته هو وبقية اقرانه من السجناء الأبطال، وهذه حالة شاذة لا نجد لها شبيها إلا في السجون الايرانية، لا غرابة فالذئاب تقتدي بالذئاب، والقرود تقتدي بالقرود، كان الإنتقام رغم مرور ما يقارب عقدين من الزمان يجري على قدم وساق في السجون، أي حقد دفين في قلوب المشرفين على السجون! هل يمكن أن ينزع السجان كل الصفات الإنسانية ويتصرف كوحوش الغاب؟ ثم كيف تسمح النفس بأن تمارس القمع والتعذيب مع رجال مسنين هم بعمر أجدادك؟ وكيف يعقل ان يعامل السجانون المرضى من السجناء الذين يعانون من الأمراض القلبية والمزمنة بعنف وقسوة، حتى الشيطان لا يفعل هذا، عليكم لعنة الله والتأريخ.

هناك أمور تثير الريبة، يتشدق بها شيعة السلطة بأنهم يعملوا على طرد قوات الإحتلال الامريكية من العراق، بمعنى انهم يعادون الأمريكان، وسبق ان شهدنا مسرحية جرت على مسرح مجلس النواب قام بجميع الأدوار شيعة السلطة، إنتهت بالتصويت على طرد قوات الإحتلال الامريكي من البلاد، بالطبع المسرحية عرضت بعد مقتل المقبور الجنرال سليماني ورفيقه في درب الإرهاب ابو مهدي المهندس، السؤال المحير: طالما أنتم يا شيعة السلطة تحاربون الأمريكان، اليس من المفروض عليكم إطلاق سراح جميع من قاتل عدوكم الأمريكان؟ بل وتكرموهم سيما وزير الدفاع وبقية القادة العسكريين. كيف تقاتل الأمريكان من جهة وتسجن من قاتل الأمريكان من جهة أخرى؟ اي انفصام في العقل السياسي هذا؟

لكن ما هي جريمة سلطان هاشم.

ـ التمسك بالثوابت الوطنية، ومقامة الإحتلال الأجنبي ورفض التدخل الخارجي في شؤون الوطن من أي طرف كان، والعمل وفق المصلحة الوطنية العليا، تنفيذا للأوامر الصادرة من الجهات العليا بأمانة.

ـ لم يملٌ ولم يكلُ من الدفاع عن العراق وتأمين حدوده وحمايته من العدوان الخارجي، لأنه على يقين تام بأن العراق مستهدف دائما وأبدا من قبل الأعداء الذين يرومون تقسيمه وابتلاعه، سيما الجارة الشرقية اللدود.

ـ أثبت جدارة منقطعة النظير في كل المواقع التي شغلها، ودافع عن العراق بقوة وشهامة، ولم يتزحزح عن القيم العسكرية قيد أنملة. وكان مثال الضابط النموذجي، والرمز الوطني الذي ترفع له القبعات بإحترام.

ـ كان من جملة الفريق الهمام الذي أعد كأس السم الذي جرعه الخميني، وأودى بحياته بعد عام تقريبا.

ـ الثبات والشجاعة ورفعة الرأس خلال جلسات المحكمة، كان أشبه بأسد في قفصه، تحاكمه القرود، لم يبدِ أي ضعف او هوان، كأنه هو القاضي ومن يحاكمه هم المتهمون.

ان مثل هذه الجرائم من وجهة نظر العملاء والخونه تستحق الاعدام بالطبع.

اقول ويل لأمة تضع ابطالها في السجون وترضى بحكم العملاء والخونة وأصحاب المجون.

ويل لأمة تسجن وتعذب ابطال حروبها ممن صانوا الوطن وحققوا النصر المبين، وتقيم نصبا ولوحات تخلد فيها الأعداء المنهزمين. وويل لأمة تزعم بمحاربة قوات الإحتلال الأجنبي، وتسجن وتقتل من حاربوا نفس قوات الإحتلال الأجنبي. وويل لأمة يحكمها الأشرار ويعتقل ويقتل فيها الأخيار. وويل لأمة تخلد الجنرال سليماني العدو الغاشم، وتقتل الأسد الهصور سلطان هاشم.

كلمة لحكام المنطقة الخضراء: في روسيا وعدد من الدول الأوربية والآسيوية وغيرها توجد تماثيل لرموز وطنية وعالمية مثل غاندي ونهرو وديغول وهوشي منه وجيفارا، لكن هل وجدتم نصبا واحدا لعميل خان بلاده؟ احفظوا الجواب لأنفسكم الضالة، فإن موت أي رمز وطني في سجونكم هو لطخة عار ستلاحقكم واولادكم واحفادكم على مدى الدهور.

في الخاتمة

نسأل الله تعالى أن يقرن روحه الطاهرة بفاتحة السعادة، وخاتمة الشهادة، ويجعل منزلته منزلة الصحابة الأبرار، والتابعين الأخيار، ونسأله عزٌ وجلٌ أن يلهم ذويه واصدقائه ورفاق دربه من الضباط والجنود الصبر والسلوان، وانا لله وانا اليه راجعون.

رحم الله تعالى أَبُا الحسَن علي بن علي السلميُّ بقوله:

إِيَّاكَ وَالظُّلْم لَا تَكْلَفْ بِهِ شَرِها … إِنَّ الظَّلُوْمَ عَلَى حَدٍّ مِنَ البهمِ

نَامَتْ عُيُوْنُكَ وَالمَظْلُوْمُ مُنْيَتُهُ … يَدْعُو عَلَيْكَ وَعَيْنُ اللَّهِ لَمْ تَنَمِ

المقال السابقعالم لا يصلح للملائكة
المقال التالى” إسرائيل ” بين الضم الواقعي والضم القانوني
علي الكاش: كاتب ومفكر عراقي مستقل سياسيا ومن مواليد بغداد وأعيش حاليا في النرويج، بكالوريوزس علوم إقتصاد وشهادة أخرى في العلاقات الدولية. خبرة كبيرة بالمخطوطات والكتب القديمة. نشرت مقالات سياسية واقنصادية واجتماعية في العديد من الصحف والمجلات العراقية والعربية والمواقع الألكترونية، ومنذ عام 2004 بلغ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد