ألبرستيج…من مظهر لائق وسلوك حضاري إلى وحش وآفة !!

 

غالباً ما يتناهى لمسامعنا أن فلاناً من الناس يقول بعنجهية وغطرسة الطاووس “برستيجي لا يسمح لي أن أفعل هذا الأمر أو ذاك” بدل أن يقول “ديني وأخلاقي وتقاليدي أو كرامتي وكبريائي وعزة نفسي أو العقل والمنطق والموضوعية لا يسمحوا لي أن أفعلهما”. وكثيراً ما يتناهى لمسامعنا أيضاً أن فلانة أو علانة من القوارير الحسان تقول هي الأخرى “برستيجي لا يسمح لي أن أفعل هذا الأمر أو ذاك” بدل أن تقول “ديني وأخلاقي وتقاليدي أو كرامتي وكبريائي وعزة نفسي أو العقل والمنطق والموضوعية لا يسمحوا لي أن أفعلهما”. فما هو يا ترى المقصود والمبتغى من وراء اجترار هذه الكلمة الغريبة والعجيبة التي يطلقون عليها تسمية “برستيج” والتي يتم تداولها بشكل مثير وملفت للنظر في جميع المجتمعات العالمية، بما في ذلك مجتمعاتنا العربية والإسلامية طبعا!!؟

ومن المعروف أن كلمة “برستيج” هي في الأصل مفردة أجنبية أدخلت إلى اللغة العربية عن طريق العرب المتفرنجين الذين لا يطيب لهم إلا نُطق نصف الكلام باللغة العربية والنصف الآخر بلغة أجنبية كالإنكليزية أو الفرنسية أو غيرهما. وهي بالطبع واحدة من عشرات المفردات الأجنبية الأخرى التي أقحمت على اللغة العربية عن طريق التعريب وبتنا نتداولها في حياتنا اليومية كتداولنا للمفردات العربية الأصيلة. وكلمة برستيج تعني بالعربية “هيبة أو هيئة أو شكل أو وضع” إلا أن الغريب أن تداولها لم يعد قصراً على اللغة الفصحى فحسب بل تعداها ليطال عامياتها في معظم الأقطار العربية، إن لم يكن كلها. وهي تعني أيضاً “الوضع أو الإطار الاجتماعي” الذي يسعى الشخص لوضع نفسه فيه وتقديمها للناس من خلاله، وما يتعلق به من أمور تناسب مكانته والوضع الإجتماعي الذي يرسمه لنفسه والذي يريد أن يكون في عيون الآخرين والذي يحدد علاقاته معهم.

لا أعتقد أن هناك خلافاً أو تبايناً في الآراء حول اعتبار “البرستيج” مظهراً إجتماعياً وسلوكاً حضارياً تفترضهما ظروف وعلاقات إجتماعية وإنسانية معينة في حالات خاصة، لكن الخلاف يكمن في جعله ضرورة ملحة من الضرورات الحياتية اليومية التي يصعب الاستغناء عنها في كل صغيرة وكبيرة تمس علاقاتنا الإجتماعية والإنسانية.

وليس من قبيل المبالغة القول أن “البرستيج” هو أحد إفرازات القطبية العالمية أحادية الجانب التي سادت العالم بعد انحسار نفوذ “الإتحاد السوفييتي” الذي كانت روسيا جزءاً رئيسياً منه وخروجه من المعادلة الدولية ثنائية القطبية في نهاية ثمانينات القرن الماضي، وملمح من ملامح صرعات العولمة المتلاحقة والمتجددة على الدوام والتي أخلت بقدراتنا في الإستيعاب وتسببت في عسرهضم مربك للكوكتيل الفكري والمعلوماتي الغريب الذي هاجمنا فجأة ودفعة واحدة بشكل لم نعهده أو نعتده من قبل والذي تحول إلى ما يشبه وجبات “مطاعم ماكدونالد” ومطاعم الوجبات السريعة الأخرى السائدة في هذا العصر، وإرهاص من إرهاصات الشبكة العنكبوتية و”بناتها المنحرفات” من قناوات فضائية تافهة حولت حياتنا التي كانت إلى عهد قريب بسيطة وشفافة وخالية من التعقيدات والعقد إلى مسخ في صورها وهيآتها الإنسانية إذ تزلزل كيانها كما لو أصابها مس من شيطانٍ أو طائف من زلزالٍ اجتماعي مصطنع ومتكلف وليس طبيعياً ولا تلقائياً.

ومع إيماني بالضرورة الماسة “للبرستيج” في حياتنا كسلوك معتدل ومظهر طبيعي وتلقائي إلا أنني لا أستسيغ التصنع والتكلف المبالغ بهما في فهمه والتعامل معه وتطبيقه على أرض الواقع والذي يتجاوز في بعض الأحيان جميع حدود المنطق والموضوعية فيتحول إلى شكل بلا مضمون، لا بل إنني أرفض ذلك جملة وتفصيلاً.

انظروا بالله عليكم إلى الحالة التي أوصلنا أنفسنا إليها جراء فهمنا الخاطئ “للبرستيج” وسوء تعاطينا معه. لقد أوغلنا في التجاوز وتمادينا كثيراً في الخطأ حتى حولنا بأنفسنا هذا “البرستيج” إلى وحش مفترس وآفة إجتماعية خطيرة تستنزف مواردنا ومدخراتنا المالية وتخل باستقرارنا النفسي والعقلي وحتى العاطفي وتقوض الحياة الأسرية لنسبة كبيرة منا. ولعل ما يدعو للألم والأسى هو أننا من فرط سذاجتنا قد أوصلنا “البرستيج” كشكل ومضمون وممارسه إلى أمور حياتية خاصة جداً هي بالأصل خاضعة لمسلمات الدين والعادات والتقاليد والأعراف، مثل الطلاق على سبيل المثال لا الحصر الذي أخضعناه لطقوس خاصة وألبسناه جلباباً خاصاً ليساير الموضة ويتماشى مع مستلزماتها ومتطلباتها.

غالباً ما يبدأ “البرستيج” مع مظهر جديد يطل به الشخص على الناس بشكل مفاجئ كشراء سيارة فخمة ومريحة، ثم ينتقل من هذا المظهر إلى مظاهر اخرى متنوعة كإقامة الأفراح العامرة و”الليالي الملاح” التي يكون لها بداية ولا يكون لها نهاية مع ضروراتها ومتطلباتها. ففساتين الأفراح إن لم تكن فلكية الأثمان يجب أن تكون في أقل تقدير موجعة لأضلاع العريس وضاغطة على أعصابه ومبددة ونازفة لمدخراته ومدخرات أسرته وربما لمدخرات العروس نفسها واسرتها الكريمة والمبجلة. وأما عن فستان صاحبة الجلالة العروس المصون فحدث ولا حرج إذ يجب أن يكون “برستيجي” التصميم والتنفيذ، باريسياً أو إيطالياً أو من تصميم وتنفيذ مصمم محلي ذائع الصيت، ويجب أن يحاكي آخر صرعات الموضة في الشرق والغرب، وكذلك الحقيبة والحذاء وصولاً إلى تسريحة الشعر التي يفترض أن تكون صرعة عصرية لا يُستغنى فيها عن الغلالات الرقيقة التي تكون على هيئة حجاب للمحافظة على هيبة الشعر و”جلال قدر العروس” وهي تتهادى وسط “حاشيتها” التي عادة ما تتشكل من حشد من القوارير الحسان عصريي “اللوك وبهيات الطلعة” من أعلى الرأس إلى أخمص القدمين واللاتي ينتظرن نصيبهن من “اولاد الحلال” ودورهن في ممارسة طقوس الزواج “البرستيجية”.

ولم تعد مأساة “البرستيج” كوحش وآفة قصراً على الشابات الجميلات والقوارير الحسان اللاتي أوصانا بهن نبي الرحمة محمد بن عبدالله صلى الله وسلم في قوله “رفقاً بالقوارير”، بل تعدتهن لتشمل من صدق فيهن قول الشاعر:

تريد عجوز أن تعود صبية…………وقد يبس الجنبان واحدودب الظهر
تسير إلى العطار تبغى شبابها…وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟

نعم تعدت مأساة “البرستيج” الشابات الجميلات والقوارير الحسان لتصيب الأمهات والعمات والخالات والجدات اللاتي ما عدنّ يعدمن حيلة أو وسيلة مع هذا “البرستيج” في وضعيتيه كوحش وآفة. فقد أصبح لكل أم وعمة وخالة وجدة من غالياتنا بروتوكولاتها الخاصة بها، بل شديدة الخصوصية، التي تطبع وتحكم شخصيتها وتحدد هيبتها وترسم هيأتها، مثل حرصها على معدن واحد تتزين به وشكل واحد للعصا التي تتوكأ عليها وإطار واحد لنظارتها الذي عادة ما تفضله بسلسلة ذهبية وربما مرصعاً بالذهب والفصوص والحجارة الكريمه، وحرصها على خاصية أظافر كفيها وقدميها وطقم أسنانها وألوان وأشكال عدسات عينيها.
ومن فرط سطوة وحش “البرستيج” على الناس بلغ الهوس عند البعض ذكوراً وإناثاً مبلغاً أصبح معه للسفر “برستيجاً” خاصاً قائماً على التزييف والتدليس والغش والكذب والتكاذب. فلا تتفاجأوا أذا ما جاءتكم صديقة كانت في زيارة لابنتها في الأردن أو مصر أو سوريا وادعت أنها عرجت منها إلى مونت كارلو وباريس وجنيف ومنهم إلى جزر الهاواي، أو جاءكم صديق كان في مهمة عمل طارئة في جيبوتي أو الصومال أو موريتانيا وادعى أنه كان في رحلة استجمام قضاها بين جزر الكناري ومنتجعي مالجا ومربايا الإسبانيين.
وحتى الموت أصبح له “برستيجا”ً خاصاً ومتميزاً تحكمه طقوس خاصة باهضة التكاليف. ولا عجب في ذلك لأنه وللأسف لم يعد الدين والأخلاق والتقاليد والكرامة والكبرياء وعزة النفس والصدق مع النفس والآخرين والعقل والمنطق والموضوعية من الأولويات التي تحكم علاقات الناس الإجتماعية والإنسانية.

صدق أمير الشعراء أحمد شوقي حين قال:

صلاحُ أمركَ للأخلاقِ مرجعه……………..فقوم النفسَ بالإخلاقِ تستقمِ
والنفسُ مِنْ خيرها في خيرِ عافيةٍ…والنفسُ مِنْ شرها في مرتعٍ وخم

المقال السابققامتي
المقال التالىالبنية التعبيرية في نصوص ( ستارة زرقاء شفافة ) للكاتبة اطياف رشيد
محمود سعيد كعوش .. كاتب فلسطيني من مواليد 29 أيار، ميرون، صفد، الجليل الأعلى، فلسطين المحتلة. متزوج وله أربعة شباب. مكان الإقامة السابق لبنان ومكان الإقامة الحالي الدانمرك ـ اسكندنافيا. حاصل على درجتين جامعيتين في الإدارة والأدب الإنكليزي. عمل في مجالي التعليم العالي والترجمة والإعلام المكتوب والمسم....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد