قراءة في ديوان عالقة خلف جفون الوطن

 

عائشة المحرابي شاعرةٌ يمنيّةٌ من عدن، أحبّت الشعر كثيراً، وأخلصت له، وأصدرت عدداً من الدّواوين. تقول الشعر وفق معاناة متعدّدة، وشاعريتها تمثّل لها تجربة فريدة ومتأصّلة تفوق أقرانها من شاعرات اليمن.
الشعر عندها تصويرٌ حقيقيٌ لكلّ ماتراه وتحسّ به، أو تشاهده بأم عينيها. تقول من قصيدة( ملجأ) وهي قصيدة قيلت في الجريمة الشنعاء على دار المسنّين في عدن:
شاحبة ٌ هي الكلمات
وخد السماء مبلّل بالدموع
طيور السلام يحرقها لهيب المدن
والأبرياء قتلى
على شواهد الزور
آن للبحر أن يلفظ الزّبد
ومشاريع الموت
راجت للسماسرة
وحرّاس القبيلة استباحوا الكهول
في كهوف الجبن (الديوان ص38و39)
أصدرت الشاعرة مجموعة من الدّواوين- كما أسلفت- نذكر منها:
سيّد المساء
تنفّس الأقحوان
كيف يروّض الحنين؟
عالقة خلف جفون الوطن.. وهذا الديوان الأخير هو حديثنا عنه في هذه السطور العابرة.
كتب مقدمة الديوان الشاعر الجميل محمود علي الحاج، ومّما جاءفيها:(…إن عائشة المحرابي تعدّ نجمة تسطع في سماء الحداثة، وتتفرّد عبر قصائدها بصور شعرية مكثّفة لايقل مستواها عن كبار وكبيرات كتّاب قصيدة النثر في الوطن العربي). ( أنظر المقدمة ص5).
ديوان(عالقة خلف جفون الوطن) يحمل دلالةً معجميّةً متعددة للفعل(عَلِقَ). الفعل علق في اللغة، أو كما جاء في(المعجم الوسيط) :(عَلَقَ الصبيّ-عُلُوقاً: مصّ أصابعه و- البهيمةُ الشجر عَلْقاً: أكلت من ورقه و-فلانٌ فلاناً: فاقه في إحراز النفائس في مقام التفاخر و- فلانٌ فلاناً: شتمه ويقال: عَلَقَهُ بلسانه: سَلَقَهُ
(عَلِقَتِ) البهيمة- عَلَقاً، وعَلاقةً، وعُلُوقاً: شربت ماءً فيه عَلَقَةٌ فَنَشِبت في حَلْقها واستمسكت به. و- الشيءُ الشيءَ،وبه: نشِب فيه واستمسك به. يقال )عَلِقَ الشوك الثوب، وبه- وعَلِقَ الظبي بالحبالة، وعَلِقت الأنثى بالجنين. ويقال عَلِقَ فلانٌ فلاناً، وبه: تمكّن حبّهُ من قبله. و- أَمْرَه: عَلِمهُ. وعَلِقَ يفعل كذا: أخذ يفعله) (أنظر المعجم الوسيط الطبعة الرابعة2004م مجمع اللغة العربية بالقاهرة مكتبة الشروق الدوليةص622).
قصائد الديوان تكاد تكون كلّها عالقة خلف اسم الديوان. فالشاعرة عالقة في كل شيء.. الألم، العذاب، الانتظار، الوطن، التعب، الأرق، الموت، الخيانة، العزاء، القتل، الحب………. الخ.
تقول من قصيدة(انتظار) وهي عالقة في الانتظار، والصباح يغتسل بدم النيران، ودمع الحداد..
شاحبٌ وجه الانتظار
لصباح يُورق من فم النيران
بأرض تغتسل كل صباح
بدم البراءة
ودمع الحداد
كل مساء تلبس ثوب الرجاء
تحيكه قلب العالقين
الناصبين خيام أرواحهم
على أرصفة الضياع (الديوان ص14).
الشعر عند الشاعرة رؤيا ورؤية، فهي تنسج قصائدها وفق تجربة متأصّلة ومتجذرة.. الحلم والرؤية هما يتشكلان في ذاتية الشاعرة، فهي يعتصرها الألم والجرح والعذاب، حتّى الحبّ هو الآخر عالق في نبض الشاعرة، أو كما في عنوان إحدى قصائدها( الحب كذبة):
هذا المساء
أغلقت نافذة أشواقي إليك
فلاتتسلّل نسائم طيفك
لاتدغدغني أنامل وعدك
هذا المساء
أجهضت الحلم
هذا المساء
لم يكن حانياً بما يكفي
ليضمخ أسراب الدهشة
الملقاة على باب الدار
شيءٌ مايخلع عليه
عري الثواني
يجفف شرايينه
على حبل الغبار
المتصاعد من ذاكرة
الأرض
هذا المساء
آمنت كل الجراح
بأن الحب كذبةٌ
كذبة (الديوان ص35و36).
إن أكثر شعر هذا الديوان قصائد الوطن.. الوطن الذي يذبح من الوريد إلى الوريد على يد أبنائه، فالقتل مازال يستفحل في وطن الشاعرة(اليمن).. فنيرون الذي أحرق روما، قد عاد إلى اليمن ليحرقها ويحرق أبناءها:
نيرون عاد إلى اليمن
سيان عند جنوده
قصف الجهالة والمدن
لهب تصاعد من دخان حاقد
حجب الضياء
ذبح الأفق
فأنكرته الشمس
عاداه الزمن
هيهات تغفر للطغاة وللعدى
أرض شوارعها تصلّي
كي تعود
ولاتعود الجنتان
فهل تسمّت هكذا
عبثاً عدن؟ (الديوان ص57و58).
الطّريف في هذا الديوان، أو الجميل فيه أن الشاعرة تضع كلمات أو شبيهة بالمقولات قبل كل قصيدة، وكأنّها تعطينا مفتاحاً لكل قصيدة. ففي قصيدة(انتظار) تضع لها عبارة:(كم أنت غزير العطايا أيها الألم)، وقصيدة(ساعي البريد) تضع عبارة(تتساقط أحلامنا كل يوم كفتات الخبز)، وقصيدة(خيانة) تضع عبارة(مازال العرب يتبادلون قميص يوسف)، وقصيدة(الحب كذبة) تضع عبارة(مازال نهر العمر يجري دون مرسى يلتهم الشلال ماتبقى من أمنيات)، وقصيدة(عنق الحلم) تضع عبارة(باذخ هذا الوطن قلبه مثخن بالحب،عامر بالطعنات)، حتّى عنوان الديوان(عالقة خلف جفون الوطن) تضع له عبارة( لاتحدث الغيم عن الآمنا حتّى لاتنمو في حقولنا سنابل الوجع).
أمّا عن الجوانب العروضية، أو الموسيقا في الديوان،فالحقيقة أن الشاعرة تكتب قصيدة النثر باقتدار وقوّة، فهي مدركة لها، ممسكة بها، مترابطة، متماسكة البناء والبنية، وفي لغة سهلة بعيدة عن التّقعر والحوشي، والتطويل الممل، أوالنّص القصير المخل..
قلبٌ بلا مأوى
تعصف به ريح غربة
تسكنه الأوجاع
يسكن أجفان الليل
أعشاشه العتمة
يلتحف أمانيه
يتسكّع في طرقات الرجاء
مر الجميع بقربه
لم يسمع نداءه أحد
ضجر الليل من منادمته
فتسلى برسم أحلامه (الديوان ص107و108).
فالقصيدة النثرية عند الشاعرة لها حسٌّ موسيقي داخلي وخارجي. أنا- هنا- لا أخفي على القارىء أن هذا الديوان فيه من السطور الكثيرة الموزونة، لا أقول مصادفة، أو أن الشاعرة غير مدركة لذلك، الشاعرة مدركة وواعية، فهي تنوّع بين السطور النثرية والسطور الموزونة.. تقول من قصيدة(ضياع) السطر الأول جاء موزوناً على تفعيلة البسيط( مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعل):
لاتنتزع لهفة الأشواق من قلبي
كم ذرفت لأجلك الآمال
ترسم لوحة الأجيال في أفق اللقاء
تحبسني في قاع الانتظار
تقرأ ضياعي
كعرافة
للحب لغة وكيان أيتها التائهة
في بحر الحياة
فكوني للحب شاطئاً
سندسي الأهداب
كوني حبل المرسى
سفينة النجاة (الديوان ص51و52).
وفي قصيدة(لقاء) السطر الأول والثاني- تدوير- جاء على تفعيلة المتدارك( فاعلن فعلن فاعلن فاعلن فاعلن)..
والتقينا
حلمين شاخا انتظارا
على جفنيهما ظلال أمل
نلملم النبض من باحة القلب
نفتح أزرار الفرح
بهمسنا (ص41).
وقصيدة (نيرون) السالفة الذكر جاءت على تفعيلة بحر الكامل(متفاعلن) فهي موزّعة على النحو التالي:
نيرون عاد إلى اليمن- متفاعلن متفاعلن
سيان عند جنوده- متفاعلن متفاعلن
قصف الجهالة والمدن- متفاعلن متفاعلن
لهبٌ تصاعد من دخان حاقد- متفاعلن متفاعلن متفاعلن
حجب الضياء- متفاعلان
ذبح الأفق- متفاعلن (ص57).
وفي قصيدة(لك الله ياوطني) استخدمت الشاعرة تفعيلتين هما( المتدارك)و( المتقارب):
يكسر الحلم أقلامنا
ثم يخنق أحلامنا
ألماً نازفاً ملء أرواحنا
وبلا أي جريرة
ولاصوت يعلو كصوت السلاح
بكاءٌ.. عويلٌ.. دماءٌ.. دماء
آه ياوطن الأبرياء
مثخنٌ بالجراح
لك الله ياوطني
لك الله (ص101 و102)
إن ديوان( عالقة خلف جفون الوطن) يعدّ-في رأيي- من أروع وأجمل دواوين الشاعرة عائشة المحرابي. ويمثّل- أيضا- تجربة ريادية متطوّرة في تجربة ومسيرة حياة الشاعرة، ويستحق أكثر من قراءة.

لا تعليقات

اترك رد