التقابل بين المشهديّة والتخييل في الصورة الفنيّة نص لسلمان داود محمد

 

تكاد تستحوذ الصورة الفنيّة على شعريّة النص، وهذا مردّه إلى الاهتمام المتزايد والمتعاظم بقيمتها في الخطاب الشعري، بدءًا بالقصيدة الجاهليّة النموذج، وصولا إلى القصيدة الحديثة بكلّ أشكالها وأنماطها. ولئن مثّل الإيقاع في مرحلة من مراحل تاريخ الشعر الأسّ الجمالي والمحدّد لشعريّة الخطاب فهو يضمحل ويتلاشى شأنه شأن بقيّة الصفات الشكليّة الأخرى أمام الصورة الشعريّة فـهي ” تستحوذ تدريجيّا على مكانة أكثر أهميّة، وتصبح شيئا فشيئا الصّفة المحدّدة للشّعر والصفة الوحيدة التي ما تزال تجمع بين القصيدة المنظومة والقصيدة المنثورة،العلامة الوحيدة التي بفضلها نعارض بين الشعر وبين الاستعمالات اللأخرى للغة”1. ومع هذا الاهتمام المتزايد بالصورة تتطور بمقتضى التجريب الفني والإبتداع لطرائق تشكيلها عبر التخييلالذي يعتبر الآلة المحرّكة لفعل الكتابة الشعريّة. وقد تحوّل مفهوم الشعر عند الرومانسيين العرب إلى مفهوم لا يؤمن إلاّ بسحر الخيال وقدرته على التحليق في عوالم النفس واكتناه حجب الوجود لتتحرّر القوة التخييليّة عبر تفجيرٍ للتعبير الشعري وبناء عوالم جديدة بسياقات متجدّدة ومنطق مختلف لأنساق اللغة وقواعدها. هنا يعوّل القارئ على قدرته على اكتناه هذه العوالم ومحاورة معانيها وعلى الاستجابة الانفعاليّة لعصيان الخيال حتى تكون له القدرة على تفكيك ما شكّله من صور فنيّة تثير الدهشة حين تقلق وتؤرق. فيكون بذلك قادرا على اقتحام المعنى وفك رموز اللغة. فالصورة بما هي خيال هي بالأساس فعل نفسيّ وواقع قصديّ وهذا ما يجعلنا ننظر إلى كل تمثيل تخييليّ على نحو من الامتلاء العيني والإدراك الخارجي أسوة بما جاء به هوسرل (Edmund Husserl) في “فكرة الفينومينولوجيا”. ولكن أكثر من مجرّد تشكيل بسيط للصور سعى بعض الشعراء إلى خلق وابتداع عوالم جديدة لا يدركها سواهم، ويتحول معهم المشهد الشعري من تجربة واعية إلى فضاء حُلمي يحتمي به ويحمّله مقاصده. ليصوره على شاكلة خاصّة يتفرّد بها. ولعلّنا ندرك بعض ملامح هذا التوجه الفني في تشكيل الصورة عند الشاعر سلمان داود محمد وخاصّة في هذا النصّ “زهرة الويل” الذي حمل أفانين كثيرة وحشده بتصاوير مثّلت منبع طرافته ومصدر تأثير وانفعال للقارئ ناتج أساسا من هذا التوليف بين جملة من المتناقضات وتشكيل الصورة من جموع المتنافرات ندركها عبر لوحات مشهديّة هي بمثابة الدفقات الموجزة أو اللقطات الملتقطة والمتجاورة،في كلّ لقطة تتفجّر حركة دلاليّة من هذا الجمع بين المقابلات فتشكّل مشهدا شعريّا خاصّا عبر أبنية لغويّة متداخلة، قد تغيِّب المعنى ولكنّها تجتثّه من سديم المتخيّل والواقع.

وأول لقطة ملتقطة ما ظهر في العنوان: هي “زهرة الويل” عتبةتفصح عن الكثير من التضاد بين ما توحي به الزهرة من جمال وطيب رائحة وبين الويل وما يختزله من بشاعة وقبح. قد يكون من ضروب الاشتغال على الخيال والإشارات البعيدة من خلال هذا التوليف بين مضاف ومضاف إليهتجاوزت وظيفتهما التركيبيّة التخصيص إلى وظائف أخرى مفارقة. فتتحوّل بذلك رمزيّة الزهرة من التعبير عن الجمال والسعادة إلى الانزياح الكلّي عن ذلك لترتبط المعاناة وتكون الزهرة أصل تلك الهموم ومنبع الشرّ والويل. ولكن اختيار الشاعر قد يكون من مسكوت عنه ينبغي أن ندركه من هذا المركب الاسمي وهو ما تنبئ به صورة الزهرة في الواقع من سرعة في الذبول وقصر في العمر،زهرة الويل أو ويل الزهرة. جميلة بكل جراحاتها ولكنها سريعة الاضمحلال والموت. لعلها زهرة الوطن أو الأنثى الأرض. الواقع بكل تناقضاته وكأن الشر يزهر والويل ينحدر من أديم الشعور زهرا. وهنا نلمس نقيض المعنى أو هي من ضروب المخاتلة الشعرية التي تعظم الويل بصفة الزهر فيكون أقسى درجات الويل وأشدها وطأة في نفس الشاعر. أو تميت الزهر وتذبله بصفة الويل والهموم وتعنّت الواقع. وهو ما نجد صداه في متن النص الذي يتشكّل من جملة من اللوحات تجتمع فتكوّن مشهدا كليّا يبني عالما حُلميّا متخيّلا قدّه من أضداد المعاني، يعيد تشكيله في ذهنه ويخرجه على شاكلة يبتغيها، لعلّه شكل من أشكال التورية التي تتحوّل، وهي تذكّرنا بتكعيبيّة بيكاسو، كل صورة تبدو مستقلّة عن الأخرى ظاهريّا، لكن لها منطقا خاصّا في ذهن الشاعر، وتلك مزية شعر سلمان داود محمد، فهو يشكل الصورة كما انبثقت في ذهنه، يفككها ويحررها من مألوف المواضعات ليرسمها بآليات فنان بارع يهدم ما اتفقت عليه الاستعمالات الفنية المألوفة فينشئ عبرها عالمه الخاص وبرولوجه الذاتي من صميم آخر عالم، يعوض فيه كل المواثيق والقواعد ويعيد إنشاء اللغة بقواعد جديدة ورؤى مختلفة وأنساق لا توجد إلا في ذهنه. هي رؤية تصورية تلغي حصر الإبداع والشعرية في البلاغة والعروض وأشكال النظم المتفق عليها بأخرى مبتكرة هي أبسط ما نراها في الطبيعة ولكنه يعيد تشكيلها على شاكلة تثير الدهشة فتغدو أكثر تعقيدا وأبلغ إيحاء وأشد قلقا مما نتصور. هو عالمه الخاص يثير في أذهاننا عوالم أخرى نبتكرها من إبداعه المراوغ. نحاول أن نلتقطه لأنه بعيد المنال والتحقق. يخاتلنا فنظنّ للوهلة الأولى أنّه خطاب غزليّ موسوم بالشكوى ومعاناة الهجر وذلك من خلال ضمير المخاطَب “أنتِ” المضاف إلى الهجران، ولكن هذه الأنثى فقدت كل صفاتها في هذا النسيج اللغوي، وهنا تظهر ملامح العنوان ويخبر عنه بداية المتن فتكون العلاقة بين العنوان والمتن علاقة سببيّة علّيّة، فعلّة الويل الهجران ، هو ذهاب الجمال والحياة، وهو فقدان الزهرة علّة سحرها وعطرها، وتتشكّل عبر هذه الصّورة جملة من المشاهد الجزئيّة. ويمكن أن ندرس هذه الصور على مستويين أولهما المستوى الأفقي ثمّ المستوى العمودي. فأمّا المستوى الأفقي فأول ما يشد الانتباه هو كيفية تشكل الصورة،وذلك من خلال هذا الجمع بين المتضادات والتوليف بين متناقضات القول في إيراد المعنى. ففى الصورة الأولى يجمع بين المضلّة والرصاص، وقد نجدهما متنافرين على مستوى السجلات اللغويّة،لا يمكن أن نوجد بينهما علاقة يمكن أن ننطلق منها للوصول إلى المعنى في الظاهر. ولكن يمكن أن نغوص ونلتقط بعض من هذا المعنى حين نحلل ونغوص في أعماق الخطاب، فقد توحي المضلة بمعنى الحياة والتجدّد وذلك ضمن ما يمكن أن نعتبره معادلة موضوعيّة بين المضلّة التي تضلّل وتحمي من الحرّ وغيره، ومن ثمّ فوجودها مرتبط بالحياة والأمان، وبين الرصاص وما يحمله من معاني القبح والقتل. وكأن الشاعر يهيئ لهذه المقابلة بين الحياة والموت بعطف الصّيف على الرّصاص.فالموت جدب وقحط بما في صورة الصيف من جفاف وعطش تقابل الخصب والمطر،وهي صورة يدعمها المشهد الثاني: المعطف المطريّ الذي يبحث عن غيوم، هنا تظهر المفارقة بين المعطف المطريّ والغيوم حمّالة الخصب والمطر. يمكن أن يكون بذلك المعطف المطريّ صورة أقامها المتكلّم على الإيحاء من خلال كناية عن نسبة فالذي يبحث عن غيوم هو الشاعر، لينسب فعل البحث والرغبة في نيل الغيم إلى المعطف فيشير إلى المعطف ويريد به صاحبه، وكأن الغيم في حدّ ذاته يتحول من مجرّد رمز للخصب إلى رمز للرّاحة النفسيّة والشعور بالأمان. بهذا فالبحث عن الغيمحركة قلق وتوتّر. أمّا الصور الأخرى فقد تشكّلت على أساس النفي لا هارون في شارع الرشيد،يفقد البدل ويتوارى المبدل منه في المكان، لعله من ضروب التورية الطريفة في إيراد المعنى فللوهلة الأولى يظهر اسم هارون الرشيد الخليفة العباسي بما يحمله من رمز السلطة الحكيمة التي يراعي فيها شؤون الرعية ومع ذلك عرف بأنه عاش حياة البذخ والترف لكنه دلّ أيضا على الاسم في ذاته فهارون – كما ورد في قاموس المعاني- اسم مشتق من الفعل هارَ أي الهائر والمتساقط والمنهار، فينهار كل بنيان حين يفقد الرشد والعقل. فيغيب صوت العقل وكل ما يؤصّل الانسان في وجوده الحسّي. ولا فجر في ساحة البنائين. فينتفي الوجود وهو الوجه الآخر للموت عبر عنها من خلال صورة تعتمد على الإيحاء فالفجر هو الانطلاقة والبداية، وساحة البنائين هي صورة أخرى للخلق والولادة فتقترن بصورة النفي وتعطيل حركة الزمن لتنبئ بحركة النفس المتشائمة التي تفقد وجودها في عالم حسّي متهالك. أما على مستوى عمودي فهو ما نقف عنده من مقابلات نلتقطها التقاطا من هذه الصور والمشاهد الجزئيّة المتناثرة والمتنافرة تتكامل لتعبّر عن مأساوية اللحظة الشعريّة فتغدو صورة للذات المتشظية تعاند الموت وتهزأ بالحياة وترنو إلى “وطن”، اسم نكرة هو وطن الشاعر وعالمه النقي الذي يرغب في تشييده على أنقاض عالم موبوء بالويل والرصاص، صور شعريّة في مشهد كليّ أشبه بومضات تائهة أو أضغاث أحلام يجمّعها الشاعر من متاهاته ويرصفها على قارعة حياة مهددة بالانقراض بين ومعطف مطري يقاوم الغيوم والرصاص وبين فجر يراود الحياة في مساحات البنائين. وبين الفجر والبنائين صروح تنتظر النور وتراود الدجى. حديقة منزلية تائهة في خارطة مهندس وشهيد يثبّت شهادته بين مساره والوطن. صور للهجر والحياة والموت بصورة أنثى في مشهد مطر ولكنه يحتاج إلى الغيم حتى يكتمل الخصب.

زهرة الويل ‏
من جرّاء هجرانكِ
مظلتي تنضح صيفاً ورصاصات
ومعطفي المطريّ يبحثُ عن غيوم ..
لا هارون لي في شارع الرشيد
وليس من فجر لحياتي في ساحة البنائين ..
أعزل مثل حدائق منزلية في خارطة
المهندس
أو شهيد مات في حادث سير
أثناء العبور الى … وطن ..

      سلمان داود محمد

لا تعليقات

اترك رد