الفن وبناء الانسان

 

يمثل الفن وكما اسلفنا في الفصل السابق اساسا لبناء الانسان ولاسيما من خلال بناء عملية التذوق الفني والاحساس بمكونات وعناصر العمل الفني، والتعبير الجمالي الذي يمنحه الفن للانسان وبناء شخصيته المتطوره من حيث قيمة الاحساس والشعور باللذة والنشوة في قراءة الخطاب الجمالي الموجه. فمن خلال التعبير الجميل الفني يظهر احساس الانسان وذوقه وقيمه، وكذلك يمكن لاي شيء سواء كان طبيعياَ او صناعياَ او موضوعاً من الحياة العادية ان يتحول الى موضوع له قيمة جمالية اذا احسن الانسان التعبير عنه، فقد يعبر الانسان عن حاجته الى شيء معين او مطالب خاصة، وبمجرد تلبية هذه الحاجات او المطالب لا يبقى لمثل هذا التعبير أي اهمية، فالعمل الفني يحتفظ بقيمة ثابتة سواء ادى الى تحقيق مطلب او لم يؤد.
اذ نستطيع ان ندرك الاهداف السامية التي جسدتها عناصر ومكونات لوحة (الجورنيكا) للفنان (بابلو بيكاسو) في محاكاة الانسان البسيط والمثقف من اجل الثورة لقيم السلام والانسانية، التي رسمها باسلوبه التكعيبي المعروف، اذ وزع تلك المفردات كرؤوس الثور والحصان والام الثكلى وصرخة الانسان ومدى صراعه مع ما اصاب مدينتهم (جورنيكا) التي قصفها النازيون بالقنابل ابان حكم (فرانكو) لاسبانيا، وقد مثلت صراعاً يمثل الحرب الاهلية الاسبانية. لقد اراد (بيكاسو) ان يوجه خطاباً واضحاً يدعو الى بناء مجتمع تحرري يؤمن بالديمقراطية وينادي بحرية الانسان.

ه

كما استطاع الفن ان يحرك الجماهير من خلال قوة انتماء الانسان الى مجتمعه وإيمانه بالحرية والقيم الانسانية وهذا ما جسده الفنان (اوجين ديلاكروا) في لوحته الشهيرة (الحرية تقود الشعوب)، اذ جعل من المرأة رمزاً للحرية فهي الام التي تؤسس الاسرة بها وتبنى بها المجتمعات وهي التي تنجب الاطفال وتتحمل المشقة والآلام من اجل بناء الاسرة. فالاسرة هنا هي الوطن، وهنا تحمل المرأة العلم الفرنسي بيد، بينما تحمل البندقية باليد الأخرى، وأمامها جثث القتلى الذين ماتوا في سبيلها، فيما يتبعها مجموعة من الثوّار الذين يحملون البنادق والسيوف وعلى قسماتهم ملامح الإصرار والقوة، بينما ينظر إليها أحد أنصارها نظرةَ عبادة وتوسُّل، وبهذا المعنى فان الفن هو للفن وذلك بقدر ما يكشف الشكل الجمالي عن ابعاد من الواقع مقموعة او محرمة، فالفنان هنا يستحضر انماطاً من الادراك والتخيل بحسب (ربورت ماركوز) ، التي تكون محصلتها هو التعبير الحقيقي لمعاناة الانسان. وقد جسد الفنان العراقي (ماهود احمد) تلك القيم الانسانية في لوحته بعنوان (مرد الراس) التي وضع فيها الرأس المقدس كرمزية لرأس الامام الحسين (عليه السلام) تحمله المرأة كرمز مقدس للحياة والخصب وتجدد الامل سائرة وسط النساء اللواتي تبدو عليهن مظاهر الحزن والبكاء والعزاء وسط الركام وقد احاطت هالة من النور الراس المقدس بينما رميت رؤوس الوثنيين تحت اقدامها، انها محاكاة مباشرة للمتلقي من اجل الاحساس بقيمة الشهادة من اجل الحق والانسانية وبناء مجتمع يومن بحقوق الانسان التي اراد الامام الحسين ان يقدمها بكل بسالة وبطولة.
وكذا الامر في اعمال الفنان العراقي كاظم حيدر الذي جسد تلك القيم النبيلة والبطولية من اجل ارساء الحق وبناء الانسان في اعماله التي اطلق عليها (ملحمة الشهيد) التي تحاكي واقعة الطف.

فالفنان يحاول تجريد الواقع من مظاهره المكانية والزمانية ويخرج في النهاية بعمل قوامه الاول والاخير رموزاً ابتكارية، وعلى صلة بالواقع، بوصفها رموز محسوسة تحمل الكثير من المعاني، بل تشع المعاني والاحاسيس والافكار دون واسطة او توجيه، وهذا ما جسدته اعمال كاظم حيدر التي اثرت في تذوق المتلقي لمكوناته وعناصره الفنية بشكل مباشر.
ومن الامثلة المهمة في تجربة الفن وبناء الانسان في العراق يأتي نصب الحرية للفنان الرائد جواد سليم (1921 – 1961) ليكون محصلة لرسالة واضحة من اجل بناء الانسان المعاصر وبذر روح الانسانية في طلب الحرية والسلام والمساواة وحب العمل والخلاص من الاستعباد والدكتاتورية. اذ يعد نصب الحرية من المعالم الفنية والعمرانية الرائدة، التي تعبر عن الأصالة الفكرية بمفرداتها الفنية وعقيدتها الثابتة فقد جسد الفنان جواد سليم الثورة العراقية الشعبية في 14 تموز عام 1958، الشكل (6) وانتفاضة الشعب في رفض الاستبداد والظلم، لقد أعطى الفنان الثورة رمزا أساسيا في عين الجندي الذي يحطم قضبان السجن ويصرخ للحرية، ليحقق لشعبه الطموح والأمل والمستقبل. كما جسد الفلاح والعامل كرمزين للزراعة والصناعة، حيث جعل من هذين الرمزين تحديا للاستعمار والتمرد على الواقع، الذي طالما أستعبد قدراتهما وإبداعاتهما. فضلا عن تجسيده لدور المرأة العراقية المناضلة بعدة صور تكوينية، ففي جزء من النصب تبدو المرأة وهي ترفع يدها وتصرخ عاليا، وقد تكون صيحة الغوث والنجدة، وهي تلملم بعباءتها وتصرخ لتثير الحماس عند ابناء شعبها (الجزء الرابع على يمين النصب)، لقد أراد الفنان في هذا الجزء الأشارة الى عادات النساء العراقيات في حالة الثورة والغضب وانتفاضتها من أجل القيم والمبادئ كما تعبر عن الشعور بالفجيعة والألم. ثم يجسدها في صورة أخرى من حيث العاطفة والأمومة ليثير اهتمام الناظر في تكوين ام وطفلها (الجزء السادس على يمين النصب)، وهي أرقى العلاقات الإنسانية لاسيما حنان الأم على طفلها، واحتضانها له بحركة شبه دائرية تعطي بذلك انفعال وتماسك لعاطفة الأمومة المفعمة بالحنان والطمأنينة. اما المرأة الثالثة فهي المرأة الحرة (الجزء العاشر على يمين النصب) حيث تبرز معالم الجمال والرقة والابتهاج بالنصر والحرية المرتسم على وجهها و يضفي الفنان بروعة تعابيره على وجهها السعيد بالحرية والعطاء، وقد خرجت هذه الفتاة بضفيرتيها مستبشرة بالمستقبل، وفاتحة يدها نحو الأمام تنتظر الصباح الجديد، الذي حققته الثورة. ويصف جبرا أبراهيم جبرا هذا الجزء من العمل قائلا ((ربما كانت هذه المنحوتة أروع ما في النصب كله ، بل أروع ما صنع جواد سليم، أنها تمثل النقطة العليا التي بلغها فنه المتصف بالشاعرية مع القوة، والجمال بدون ميوعه، لقد جعل حبه لبغداد وحبه للحرية وحبه للمرأة تمثالا فهو بحق من درر الفن المعاصر)). كما واعطى رمز الحرية لامرأة تحمل شعلة النصر وتقف بكل قوة وأقتدار وشعور بالفرح، رافعة يدها الى الأعلى (الجزء التاسع على يمين النصب)، كما جسد الفنان المرأة في صورة أخرى مختلفة عن قبيلاتها وهي المرأة الثكلى او أم الشهيد ، حيث مثل الفنان جسد الشهيد الذي يمثل أعلى حالات السمو والخلود، وأن أمه بكل ما فيها من فجيعة وألم ومن حولها النساء يشاركنها الحزن والمواساة، لقد عالج الفنان موضوعا أثير دائما وهو صلة الأم بولدها ((وهو موضوع طالما تطرق اليه في الماضي في رسمه ونحته وكان هو نفسه شديد التعلق بأمه)) ، (الجزء الخامس على يمين النصب).

اما للرجل في نصب الحرية فقد كان له الأولوية في الأداء والتأثير عند جواد سليم، فقد جسده بعدة صور ، الأولى مجموعة من الرجال الشباب وهم يرفعون اللافتات عاليا، (الجزء الثاني على يمين النصب)، ثورة على الطغيان والاستعمار كدلالة واضحة ترمز الى الانتفاضات الطلابية في العراق ، ويلاحظ ان هناك شخصا يمد يده وبشكل مبالغ به من ناحية الحجم والطول قد يكون عنصر ربط بين مجموعتين من الشباب المنتفضين لتؤلف كتلة قوية من الأبطال الذين تجمعوا في كتلة واحدة مرتبطة بآمال الأمة بالتحرر والنصر. وفي المقطع او الجزء التالي (السابع على يمين النصب)، جسد مأساة المفكر او المعتقل السياسي والذي تمثل برجل خلف القضبان، اراد الفنان الدلالة به لتجسيد شخصية المفكر وذو الصوت الحر من وراء القضبان في السجون المظلمة اما الشخص الثاني الذي يظهر أسفل المعتقل السياسي او المفكر السياسي المسجون او المعتقل، هو شاب منتفض يمثل قوة وإرادة وضمير الشعب وسعيه الى تحرير وأطلاق سراح هذا المعتقل او المفكر . ((وقد كان السجين السياسي من المواضيع التي شغلت بال الفنان طوال الخمسينيات، وفي عام 1953 أشترك في مسابقة نحتية عالمية حول هذا الموضوع حاز فيها على الجائزة الثانية ومع ان معالجته للموضوع حينئذ كانت مختلفة تماما، فأن الفكرة ظلت في حاجة الى تنفيذ، الى أن جسدها بهذا الشكل المتفجر. ان السجين السياسي الذي فكر به جواد سليم، والذي بالفعل أطلق سراحه صباح يوم الثورة، كان الأستاذ كامل الجادرجي، بعد ان بقي نزيل السجن لأشهر كثيرة)) كما يشير (جبرا ابراهيم جبرا)، اما الجندي الذي يقفز بكل قوة (الجزء الثامن على يمين النصب)، وهو يمد يداه وقدماه الكبيرتان ليكسر قضبان العبودية والقهر والاستبداد ويحول المأساة الى مستقبل مشرق تشرق عليه الشمس التي تعلوا رأس الجندي العراقي البطل ، والشمس رمز النور والغد المتجدد والجديد ويعني بها الفنان بزوخ الفجر العراقي الجديد في تحطيم الظلم . والشمس هي آلهة عراقية قديمة وتسمى الاله (شمش) التي وجدت في العديد من المنحوتات العراقية القديمة مثل مسلة حمورابي. لقد أستنبط الفنان جواد سليم التراث والحضارة وجسدها بشكل حضاري متواصل بشكل فكري ومعاصر، كما ظهر الجندي وهو يسحق ويضرب بساقيه القويتين ترسا يرمز الى الأعداء والشر. اما الزراعة والصناعة فقد جسدهما الفنان في نصب الحرية، كما أسلفنا الذكر، حيث عبر عن الزراعة ، (الجزء الثاني عشر على يمين النصب) ، بفلاحين متماسكين مع بعضهما يحملان المسحاة او ما يسمى بالعامية (الكرك) دليلا على الزراعة، ويبدو ان هذين الفلاحان ((يمثلان الثقة بتراب الوطن ، ويقفان متماسكين وقد قصد الفنان بها العرب والأكراد)) ونلاحظ ان الفنان قد جعل ملامح أحد الفلاحين ملامحا آشورية وكأنه يريد ان يروي لنا سردا زمانيا / مكانيا زراعيا قديما. فضلا عن تمثيله للصناعة بالعامل العراقي الفذ الذي تحققت له العدالة وهو يقف حاملا معوله بكل شموخ وأباء ويلاحظ أن خلفه بعض الرسومات الدالة في إشارة واضحة الى المصانع وأبراج النفط وغيرها.(الجزء الرابع عشر على يمين النصب). اما الطفل (الجزء الثالث على يمين النصب) ، والذي تعمد الفنان الى جعله مجسما وليس بارزا كباقي أجزاء النصب الأخرى، ذلك لكثرة تأثر الفنان بالأطفال وحبه للأمه، وبراءتهم الجميلة وقد أراد جواد التعبير من خلال الطفل عن ولادة العراق الجديد والحياة السعيدة في ظل الحرية التي تنتظره، وقد رفع الطفل يداه مستبشرا بغده الجديد في حياة منعمة بالمحبة والصفاء والحرية.
وفي (الجزء الحادي عشر على يمين النصب) ((مثل الفنان الرافدين العظيمين وفروعهما بنساء عراقيات، أحداهن فارعة كالنخيل الذي انتشرت سعفة حول رأسها وهي تمثل دجلة. وهي كلمة عراقية معناها (النخيل) والأخرى أمراه حبلى بوفر العصور القديمة، فهي خصب كالسنابل التي تحملها ، وتمثل الفرات، وهي كلمة عراقية معناها (الخصب)، والثالثة صبية تحمل على رأسها خيرات الأرض، ولعلهما روافد دجلة والفرات)) وللعناصر الحيوانية وتكويناتها عند الفنان جواد سليم رؤية مختلفة ودلالية، حيث أستخدم الحصان (الجزء الأول أقصى اليمين)، والذي يعد عند العرب رمزا من رموز الفحولة والقوة والأصالة والرشاقة، أن العرب تعتز بالخيول بشكل كبير عن غيرهم. غير ان وجهة نظر الفنان في هذا العمل مختلفة في التعبير عن ما سبقه، حيث جسد الحصان وكأنه في هيجان وصراع مع الرجال الذين يحاولون أسقاطه، بينما يلاحظ ان أحد الرجال واقف يحمل لافتة تشير الى النصر، لقد صور لنا الفنان جواد سليم صراعا خاصا عاش في مخيلته فعكسها على عمله هذا حيث ربط هذا الجزء من العمل بإنشائية النصب وفي مقدمته، حيث وضع الفنان الحصان أولا، معبرا بذلك عن قيام ثورة الشعب عام 1958 حيث تم تحطيم تمثال الجنرال مود صبيحة يوم 14 تموز 1958 الذي كان يمتطي الحصان العربي ، وقد كان الفنان يعيش صراعا من أجل ان يخلص ويطهر هذا الرمز العربي الأصيل من الذي يمتطيه ، بحيث وضع الفنان الحصان بدون فارس. اما الرمز الآخر فهو الثور ، فللثور مكانة كبيرة في تأريخ العراق القديم، حيث يعد الثور رمزا للخصب والنماء، فضلا عن كونه رمزا للإله دموزي (تموز) (الجزء الثالث عشر على يمين النصب). مما تقدم نستطيع الحكم بأن الفنان الخالد جواد سليم قد نجح نجاحا في أحاطه المتذوق او المتلقي لنصب الحرية، بكافة العوامل الفنية والفكرية والجمالية التي تعكس الثقافة العالية للفنان ذاته، والرؤيا المستقبلية المعاصرة والأصالة والابتكار في الأسلوب الفني، ومحاكاة الواقع السياسي والثقافي والاجتماعي، كلها عوامل بيئية عاشها الفنان يوما بعد يوم مع شعبه، وخاض غمار الحياة بكل ما فيها من أحداث راودته والتي جعلت بالتالي في أفكاره حدثا فنيا واقعيا معاصرا.

لا تعليقات

اترك رد