لحظةَ أنْ سَبَحَ البُلبلُ في صحنِ الوَطن

 

لاريبَ أنَّ الغربةَ علقمٌ طَعمُها , ذُقتُهُ خلال دراسة جامعية طوال سنين , لذلك لن ألومَ وسألتمسُ العذر ( تهديداُ بقتلٍ , إذلالاً في مهنةٍ أو فاقةً في عيشٍ) لزملاء الدراسة وغير الدراسة الذين هجروني نحو ديار الغرب , وها أنا ذا وحيد في بغدادَ سامِراً مع حروفي , وكنّا من قبلُ نلتقي بسرورٍ غامرٍ كل مساءٍ تقريباً في نادي نقابة المهندسين.
لكنّ هذه المَقالة كُتِبَت إثر مكالمة هاتفية مع صديقٍ طلبَ مني تهنئته وقال بالحرف: (قد رميت بجنسيتي الأولى في سلة مهملات وأنا أترفّه الآن وأتفكّه حذو سواحل ميامي فالوطنَ يا أخي هو حيثما يكون المرءُ بخيرٍ) فهذه بطاقة تهنئتي له:
إيِهٍ!
يا مَن كُنتَ خليلي, فهَجرتَني وهجرتَ الوطن.. ساعةَ ظُلمٍ هَبَط , وهَضمٍ سَقَط , وقَلبٍ قَنَط .
هيَ ذي صوركَ التي أرسلتَ بين يديَّ أتَصَفحُ من طَرفٍ خَفيٍّ ألوانَها فقَط , وهوَ ذا وَنِيسِي بالجَنبِ : بُلبلُي تَحرَّرَ من قَفصهِ فنَشَط , فحَطَّ بهيجاً في صحنِ ماءٍ حَذوَهُ ما بينَ غَوصٍ و نَطَط , مُعلِناً أُفُولَ شتاءٍ وإختِفاءَ مواءٍ لجحافلٍ من قِطَط , وحُلولَ صَيفٍ وإنجِلاءَ شَواءٍ من فَيحِ جهنّمَ مُلتَقَط .
بلبلُي أضحى مُحَدَّثي في بغدادَ, يُغرِّدُ في رَغَدٍ ومُغَرّدٌ هُوَ في أيامِ القَحَط , غافلٌ هوَ عن تَأففٍ أو تَأوّهٍ أو سَخَط , أو مِراءٍ أو لَغوٍ أو لغَط , حافلٌ يومهُ بِرفرَفةٍ وتَغريدٍ وصَفصفةٍ وتوحيدٍ فلا يَعلمُ شِركاً ولا يَعلمُ قولَ الشَطَط . سَلَمٌ هو وسَعيدٌ إن قَبَضَ جناحَهُ وَعَلَمٌ هوَ وسديدٌ إن بَسَط , فَقَبْضُ الجَناحِ جُنُوحٌ لسَلَمٍ فيهِ هَبِط , ونَبضُ الحَياة وسَعدُها يَنفَلِقُ من جناحِهِ إن بَسَط . يُقَبِلُني بِمنقارِهِ إن نَزلَ على موضعٍ في كتفي وَسَط , وبِبَسمةٍ أعاتِبُهُ إن فَعَلَها على حاسوبي ف (شَرَط) .
كِلانا يَقضي صَمتَ شتاءٍ بلا وَجَسٍ من إملاقٍ ولا إعدادٍ لخُطَط . كلانا يَفضي سَمتَ بَهاءٍ لضيفٍ إن طَرَقَ البابَ أو على الجرسِ ضَغَط . كلانا يَمضي إلى صمتٍ جميلٍ إن أزِفَ الخَوضُ والتقليدُ والنَمَط , فرجاؤنا أن نَضعَ – إن أَزِفَت قطعُ الليلِ – حروفَنا على النُقَط .
وكلانا يُضني بضَنى بغدادَ فإن جَفاهُ مرقَدُهُ فلِضناهُ ضَبَط , ثمّ إحتَنَكَهُ فَكتَمَ فَرَبَط , و كلانا يُضفي على الضنى غِطاءَ بُردتِهِ أو ريشِهِ لا كما يَحُومُ وَيَلمِزُ ويَلُومُ الرَهَط :
أوَحقاً مِثلكُ يُلامُ ويُلمَزُ أو يُبغَضُ يا وطن ! وأنت مِدادُ الفؤادِ وودادُ الشَجَن. إنّا إن رَمَيناكَ بقميصِ لَومٍ , إنّا إذاً لفي ذيلِ العبط.
أفَحقاً يَلومونَ غرسكَ ويلمِزون تَرسَكَ يا وطن ! أَفَنَسَوا أنّهم أبناؤه وهُمُ الغَرسُ والتَرسُ في الوطن!
أفَيَنفُثونَ عليكَ الشَكوى؟ بَل مِنكَ نسمَعُ الشَّكوى مُطأطئينَ الهامَ يا وطن , ياعَنُفَ النبضِ وسِرَّهُ وكنفَ الشّاربِ واللحىً . أَوَإنّهم نَسبوكَ لجراحاتِ ومَخاضاتِ الزمن! ولقد كنتَ لهم الثديَّ والهَديَ المؤتَمن , والسَعدَ والمَجدَ المُختزن.

أوّاهُ ياوطن!
إنّهم إن هَجَروك غرباً قالوا:
بِئسَ الوطنُ ذاك , وطنُ الذُلِّ والمَنبتُ لكلِّ جذرٍ للمِحن!
وإن حَكَمُوكَ هاهنا فبأغلالٍ من جهلٍ وجوعٍ وحَزَن ؟ ويَتَغامزُ الملأُ منهم :
إزرعُوا فيهِ كلَّ أسىً , فإنَّ الأسى هو عمادُ الحُكْمِ وسِرُّهُ وهو الرَهن .
واهٍ! وآهٍ ! وأوّاهٍ يا وطن..
أوَحقاً في عَينيك دَمعٌ من آهاتٍ وَ وَاهاتٍ مُحتَقَن ؟ وهل لدمعٍ فيك من فديةٍ ؟
هل للدمعِ ثمنٌ ؟
دَعهم , دَعهم يَلمِزوكَ ، وأنتَ الوطن وماهُمُ إلّا (قبصةٌ من عَفَن) .
دعِ ريحَ الشيبِ تأتيهُمُ فتَرميهُمُ بسَخطٍ ولَعَن . إنّهم مِلَّةٌ تَختنقُ من بُرعمٍ فيكَ يَزهرُ أو رَضيعٍ يُختَتَن . فذاكَ زَعيمُهمُ مُجرِمٌ طاغٍ أنتَ لهُ عَرشٌ مُؤجَرٌ مُرتَهن . وَذا وزيرُهمُ مُبرِمٌ صاغٍ أنت له مَغنَمٌ لسُويعاتِ زمن . إنهم :
دَمَّروا جَيشاً وشَيَّدوه مُجَندَلاً, مِدادُهُ سُباتٌ وسرابٌ, وعِتادُهُ فتاتٌ وخراب وَوَهَن. وخَمَّروا أمنَاً وجَسَّدُوه مُهَندَلاً برعبٍ ما بين لَدغٍ وكَفَن ! وأمَّروا فَقيهاً وسَيَّدوه مُحَنجِلاً لا يُجيدُ فُتيا إلا بشَهواتِ البَدن . وذَمَّروا قاضياً وفنَّدُوه فأضحى مُعَندِلاً يَقلِبُ الطُهرَ دَرَن , ونَمَّروا طبيَباً مُتَصَندِلاً بالجُنَيه و بِحَرفٍ أعوَجٍ بلَحَن , وعَمَّروا مُهندسَاً مُقَندِلاً يَغللُ الطوبَ لواذاً وبليلٍ حالكٍ أجَن.
زُرّاعُهم ، نَجّارُهم ، حَدّادُهم , مُتَأفِّفونَ مُستَضعَفونَ كلٌّ يَغفو في قُنٍّ و دَجَن . يُغذَونَ النومَ خُبزاً ويُحسَونَ الهواءَ بصَحَن.
فلا تأسَ يا وطن فعسى أن يكونَ قريباً ..
يومَ أن تَقلَعَ مَلأَ زعيمٍ لا يَمِيزُ حَلْقَ عِزَّتِهِ مِن حَلْقِ الذَقَن.
يومَ أن تَخلعَ مُهاجِرَاً هاجَرَ وإستَلطَفَ حُضنَ خَضراء الدِمن.
يومَ أن تَهلعَ القاطِنَ الذي داؤهُ النومُ وماؤهُ الهواءُ بصَحن.
أوَحقاً مثلُك يُهمَزُ ويُلمَز أو يُلام يا وطن!
نِعمَ الوطنُ أنت , بلدُ الرافدين أنتَ يا والِدَ الفَضائِلِ وخالِدَ الطَوائِلِ وخَليلَ الشّمسِ ويا صَهيلَ اللحىً.

معاني غريب المفردات :
مُجَندَلاً:مصروعاً,مُهَندَلاً:الهندول:الضخم مثل به سيبويه,مُحَنجِلاً:راقصاً,
مُعَندِلاً:من العندل هوالبعيرصلب الرأس,مُتَصَندِلاً:متعطراً,مُقَندِلاً(كلمة تقال في معرض السخرية لمَن يأتي أمراً منكراً)

لا تعليقات

اترك رد