كيف أحببته ؟

 
اللوحة للفنان فراس البصري

اتصلتْ بالمركز الطبي النفسي، و طلبتْ موعداً مستعجلاً للزيارة، أجابوها إلى طلبها على أن تدفع ضعف الأجر، وافقتْ دون تردد.
بعد نصف ساعة كانت تقف أمام بناءٍ ضخمٍ، ُأنشئ على أحدث طراز، و ُجّهز بكل الوسائل المتطورة.
ذكرت اسمها ففُتح الباب تلقائيا، استقبلتها ممرضة شابة بوجهٍ مبتسمٍ ، وأدخلتها إلى غرفة الطبيب بعد أن أخذت بياناتها
الاسم : سو يانغ هو.
العمر: ثلاثون عاما ً.
الحالة العائلية: متزوجة.
استقبلها الطبيب بحرارة، و صافحها بيد قوية توحي بالثقة ، تأملت وجهه, إنه شديد الوسامة كأنه لوحة جميلة من صنع رسام بارع، ذو صوت رائع، أنيق الملبس، تفوح من ثيابه رائحة عطر تريح الأعصاب.
تمددتْ على الأريكة ،وأغلقت عينيها، وراحت تسرد على مسامع الطبيب ما ينغص حياتها: منذ سنتين أهداني زوجي الخادم الآلي “سيرفو” ليساعدني في أعمال المنزل التي كنت شديدة التذمر منها، فرحت كثيراً بهذه الهدية في أول الأمر ،فقد أراحني من الأعمال المملة من تنظيف وطبخ وغسل للصحون، ولكن مع مرور الوقت أخذت أشعر بالملل و الفراغ كان سيرفو يفعل كل ما اطلبه منه بسرعة وبراعة أدهشتني.
لم أكن أنظر إليه ، أو أتمعن في ملامحه، بل كنت أعامله كما أعامل آلة صماء لا حياة فيها ،
وكنت أملأ وقتي بالمطالعة وتصفح الإنترنت، وأحياناً أبعثر الوقت في ثرثرات هاتفية مع إحدى صديقاتي.
في أحد الأيام شعرت بملل شديد، فطلبت منه إعداد فنجان من القهوة، أحضرها بسرعة وأوشك أن ينصرف، ولكني استوقفته، وطلبت منه أن يشاركني احتساءها، ابتسم بلطف، وجلس أمامي، نظرت إليه وتمعنت في وجهه، إنه لا يختلف عن أي رجل قابلته في حياتي، بل لعله أجمل منهم جميعا، ملامحه مرسومة بدقة يعجز البيان عن وصفها، أحسست بشيءٍ غريب يتحرك في كياني، وازدادت ضربات قلبي، اقتربت منه ولامست يديه، ولشدّ ما ُدهشت عندما وجدتهما غضّـتين دافئتين عكس ما كنت أتوقع.
تحدثت معه في أمور كثيرة: الفن، السياسة، التاريخ، الأدب. فوجدته يفهم في كل شيء ويدلي برأيه في حديث عذب وصوت ساحر. منذ ذلك اليوم أدمنت حديثه واحتساء القهوة معه، وشغفت بلمسة يديه وقبلاته الرائعة. أهملت المطالعة والحاسوب، واستغنيت عن زيارة رفيقاتي، لقد استولى سيرفو على قلبي وروحي وجعل لحياتي مذاقاً جديداً لم أشعر به من قبل.
وعندما كان يعود زوجي في المساء كنت ِأشعر بنفور من حديثه السطحي الساذج، فأجلس شبه صامتة مكتفية بكلمة مقتضبة أو إيماءة خفيفة من رأسي.
خطر لي أن أطلب الطلاق من زوجي وأعيش مع سيرفو بقية حياتي.
أرجوك يا دكتور أخبرني هل أنا مريضة نفسيا ؟
لا أدري كيف وقعت في حب هذا الكائن المدهش.
ابتسم الطبيب وربَّـت على خدها بلطف
قائلاً :لا عليك يا سيدتي هذه مشكلة شائعة هذه الأيام، بعد أن تطورت صناعة الإنسان الآلي في القرن الثاني والعشرين، وأصبح يشابه الإنسان تماما ً.
لنا موعد آخر بعد أسبوع لنكمل العلاج، أحست بالثقل ينزاح قليلا عن صدرها وراودها بعض الاطمئنان، شكرت طبيبها، واتجهت نحو الباب.
ما أن غادرت الغرفة حتى اتجه الطبيب إلى غرفةٍ مجاورةٍ حيث جلس على كرسيٌ معدنيٍ
تخرج منه أسلاك عديدة، اخرج من ثقب صغير في ذراعه سلكا ً مغلفا ً بمادة عازلة، أدخله بالمأخذ الكهربائي، ثم ضغط زر التشغيل ليعيد شحن البطارية فقد شارفت على النفاد.
قصة

لا تعليقات

اترك رد