أعمال فنية بمشاهد ممتعة قراءة للوحات العراقية نادية الأوسي

 

ترسم جمال اللحظة مشعا عبر وجوه قاطني لوحاتها المفعمة بألق الحياة ، تستعيد صور البهاء المفقودة بفعل سريان الزمن الذي يغير كل شيء سوى المركون في الذاكرة.
تجذبك أجواء لوحاتها فتنخرط مطواعا في التواصل مع بيئاتها الموسومة بأناقة المظهر وسحر ما تنضح به ،ترسم المشهد متكاملا بدقة المبدعة التي تجل الإتقان والتفاني في الإنجاز الرصين ،تأتي مفردات لوحاتها صافية تترجم أحاسيسها بهدوء مريح يحمل من البيئة العراقية مشاهد حية تفرزها مخيلتها فتتحول إلى نصوص قابلة للقراءة من قبل الكبار والصغار بلغة التشكيل التي تتجاوز الحدود ،وبلغة الألوان الرامزة إلى ما نضمره من أحاسيس التعايش والنبل والمودة…والمساعد على ذلك قدرتها الفائقة على التناسق العضوي فضاء ولونا وخلفية ووضعيات.

لوحات تعبيرية تلتقط المشهد بالصورة التي تجعله تاما متعاضد المفردات يحملك كي تعيش جمال اللحظة التي يجسدها، وفي كل عمل تجد هذا الحرص على عدم نسيان أي عنصر في المشهد الذي تختاره ،مما يجعلك تشعر بمهارة الرسم لكل المفردات بذات الأسلوب وذات النصاعة في اللون ،في اللوحة الواحدة قد تجد شخوصا ومفردات متعددة مرسومة بدقة تعم الوجه العام للملمح المجسد في كل عمل.
أعمال فنية جميلة ترقى بالذوق وتلج بنا محراب الخيال حين يجود علينا بينابيع البهاء حين يحبك بأنامل من وهبه الله مهارة التصور والاستحضار ووتوجيه الأنامل لترسم ما نتقاسمه معها من ثيمات تتعلق بالموروث الثقافي والحضاري العراقي، هذا الموروث الذي يتشابه مع موروث كل بلدان الوطن العربي ، الأمر الذي جعل لوحاتها تحمل من ممفردات هذا التراث الشيء الكثير ملبسا ومعمارا وحرفا وأفرشة وأدوات منزلية وغيرها. يتبدى ذلك ضمن التفاعل معه من قبل الشخوص التي تصطفيها لكل لوحة على حدة.
وبقدر ما تشعر بالجمال الذي تفيض به أعمالها الفنية بقدر ما تقدر عملها المستوجب للصبر وتعدد الأدوات والتقنيات والوقت الطويل الذي يقتضيه العمل الواحد.

كل أعمالها ناطقة،تدفع بك كي تتصور ما يدور بين شخوصها من أحاديث يقتضيها الفضاء الذي تؤويها . فهي تتضمن شخصيات بصدد التواصل مع بعضها مما يحول هذه الأعمال لتكتسب التفاعل الداخلي بين المفردات علاوة على تفاعلنا كمشاهدين مع هذه المفردات.
في لوحة فتاة جميلة تتصفح بعناية ألبوما للصور وهي تتأملها وتستدعي ذكريات تتعلق بصورة كل شخص على حدة ،سترة جميلة تغطي جزءا من نافذة تطل على مخبزة وعلى الجدار لوحة تجسد صورتها هي وزوجها في وضعية تبادل كلام العشق ، وتحتها خزانة صغيرة عليها مزهرية وصورة طفل صغير تحت ضوء مصباح جميل الشكل واللون.
في لوحة ثلاث فتيات جميلات الملامح والملابس وهن يحتسين القهوة في فضاء جميل مزخرف الجدران والأرضية، عريض النوافذ ، جميل الألوان ، واللوحة تحيل على الهدوء والسكون الباعث على التفكير والتأمل .
في لوحة فتاة جميلة تجلس مسترخية أو تحاول الاسترخاء في غرفة فسيحة بديعة مرتبة الأثاث ،تغوص قدماها في ماء ضمن وعاء ،في يدها كوب قهوة …لوحة تجعلك تشعر بالارتخاء أو بالحاجة إلى الارتخاء تأسيا بفتاة وتأثرا بالملمح الجمالي الذي تطغى عليه السكونية والهدوء.

هكذا تأتي لوحات نادية صفحات فنية تطرق مواضيع كثيرة بأسلوب ورؤية فنية تميز منجزها الإبداعي في وجهه العام. وهي تحاول أن تدخلنا طائعين في محافل تراثية من زمن جميل كي نفرح بها ونأسف في ذات الوقت حين نفكر في مزايا الحضارة العربية المضايقة من قبل وحش العولمة الذي يفترس كل شيء.

وهذا الاستحضار الجميل لملامح من هذا التراث الفريد ليس بالأمر الهين في المجال الفني ، فـــ” الفكرة تحيا في ذات الشيء ثم تتطور الى حقيقية فنية ،ويتطلب ذلك وجود ملكة الإبداع،أي القدرة على فهم طبائع الاشياء ومعرفة حقائقها والتغلغل في صميمها وقراءته قراءة واعية،ثم الارتقاء بها إلى عمل فني إبداعي يعبر بطريقة أو باخرى عن موضوع من الموضوعات،مع الإحاطة بما يمكن أن تؤديه هذه الأشياء في تكوين دلالات أخرى من شأنها السيطرة على الدلالة المقصودة ،أو تغييبها ،ومن هنا حمايتها من أي ارتجاج أو تيه”.1
فالمنجز الإبداعي بالصيغة التي ينسج بها من قبل نادية يقتضي الكثير والكثير من المهارات والعمليات والتفكير في التناسق بين المفردات والألوان في علاقتها بالشخصيات والوضعيات المختارة لها بغية التوصل إلى المبتغى بالوجه الذي تراه جميلا ومثيرا.
رونق الرؤية ، ونقاء الفضاءات ، واتزان المفردات ،وجمال الملمح ،وحسن التأليف والتوليف ،وفسحة الأبعادتلك …سمات وَسَمت إبداعاتها بالتميز والألق بدون استثناء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هامش
1 ـ اللوحة الفنية بين الحقيقة والسراب صالح حوامرية، العربي ،العدد 675 ،ربيع الآخر 1436،فبراير2015م،ص 133.

لا تعليقات