تَقَاطُعُ مُعْجمَي الثورةِ الشعبية وأعدائِها بين نهجي التشويه والتمويه و رد الثورة على التسفيه بالتنزيه

 

مذ أزمنة بعيدة كان ومازال حتى يومنا، مَن يكتب المعجم، يكتبه بمنهجه وبمنطقه الفكري. وهكذا تنسجم اللغة مع طابع التوازن القائم في المرحلة الزمكانية للناطقين بها؛ ليس عبر أحاديتها بل عبر السائد المسيطر منها والوليد الذي ينمو في رحم تلك اللغة وخطابها..

فقرأنا وحفظنا مصطلحاتٍ، كما مصطلح الصعاليك، يعرفونهم: بأنَّهم فئة نبذتها قبيلتها لسقوطِها أو مرضها (أخلاقياً سلوكياً).. ومثلما البعير المريض يسقط وبره عنه، فيُفرد بعيداً ويُعزَل؛ يكون خلع هؤلاء بأوامر السادة ومن يرأس القبيلة ويسطو على كلِّ شيءٍ فيها.. ولكن الصعاليك لم يكونوا تلك الفئة حصراً بل كانوا حركةً اجتماعيةً رفضت الضيم والظلم وانتفاء العدالة والإنصاف بحقهم وشاهدنا في ذلك عروة بن الورد…

إنَّ صياغة اللغة بمنطق من يسود ويتحكّم يؤدي إلى خلق أرضية، تبدأ بتشويه المعجم والمنهج لـ تمرّ بالتخفي والتمويه ولتنتهي بمخرجاتِ ثبات النظم المجتمعية وانحيازها المطلق للمتسيّد بالقوة، في كل التشكيلات الاقتصا اجتماعية الاستغلالية التي شهدتها البشرية.

فكيف نرى تلك الحقيقة اليوم؟ وكيف نقرأها في ضوء المشهد العراقي السائد؟ من يكتب معجمنا وينسج مسارات يومياتنا فيلج أدق تفاصيل وجودنا؟

منذ 2003 على سبيل المثال، دأب المخطِّط الاستراتيجي، على صنع النموذج العراقي الذي يسطو بوساطته على مجمل الأوضاع. فاختلق خطاباً طائفياً وعمل بتدرج يتناسب وصبره في اختلاق خنادق الطائفية. وكل ذلك تمَّ على وفق تفسيراته المخصوصة وتكريسه لمصطلحات جديدة في حيوات الناس العاديين..

فأولاً: تحدَّث عن التعددية والتنوع.
وثانياً: ساق لنا المكونات والإثنيات.
وثالثاً: أردف لنا مفهوم الأغلبية والأقلية المكوناتية..
ثم ساق في(رابعاً) وتحديداً في ضوء تشكيلاته، مهمة اختلاق خندقي الطائفية.
ليتجه خامساً إلى تشطير الخندقين وتشظيتهما داخلياً حيث شكَّل أحزابهما بطريقة تنفّس عمَّا افتعله باستمرار من اختناقات واحتقانات..

وبجميع الأحوال كانت تلك المصطلحات وما أفرزه في بنيته الفوقية من أيديولوجيا معجمية بعينها، كانت تُضَخ بمعجمٍ جديد على المواطن المغلوب على أمره.. المواطن الذي تمت مصادرة التفكير عنده وأيّ اشتغال للعقل ولا نقول العقل العلمي الذي تم تغييبه؛ ليتم ضخّ منطق الخرافة والدجل وتسطيح الأدمغة بل غسيلها بصورة تسمح بحشوها لاحقا بأباطيل وأضاليل ما أنزل دينٌ بها من سلطان! هنا المعجم الآخر النقيض لا يضم سوى تشوهات وتمويهات للتخفي والتستر، تقيةً، إخفاءً للحقيقة الفاسدة وإبرازاً لسطوتها على الوجود…

ما حدث في ضوء كل تلك التلاعبات، من تمويه وأشكال التخفي والتضليل، أدى إلى اختلاق معجم (جديد) يعبر عن سطوة المافيات وقوى العنف الميليشياوي الفاشي؛ على أنَّها فعلٌ مبرر، تمّ تسويقه بلا حركة احتجاج (فعلية) و\أو ردّ نوعي يتناسب والهجوم الطاغي للجلاد وخطاب معجمه..

لعل السبب الأوضح في المجريات وسيطرة معجم النظام يتجسد في أنَّ أوضاع قوى التنوير ظلت تدور في مصطلحات تمت مصادرتها وتفريغها من فحواها، لتُملأ بتلك البدائل (المشوّهة) التي أشرنا إليها.. ولأنَّ تلك القوى ارتضت في ضفتها، طابع التشتت وعدم الالتحام في (وحدة)، مازالت ضرورية بل حتمية، ولأنَّ المشهد العام افتقد لوجود منظومة التعليم الحديث مع ضخ الظروف الدافعة لتسرّب الطلبة من التعليم المتاح؛ فضلا عن مشاغلة المجتمع بنكبات وكوارث عديدة أخرى، فتسيّد معجم القوى التي ادعت التدين والتعبير عن الفكر الديني بجناحيه المدعي شيعيته والمدعي سنيته و علا صوت خطابهما في تسويق اللعبة العابثة بالمصائر…

إذن، كانت الكارثة الأولى متمثلة في استسلام وخضوع للرتابة في العمل والتكاسل عن فعل التغيير ومقتضياته وأول تلك الأمور تحقيق فعلي وإنجاز للـ((وحدة)) التي ظلت بهذا مفقودة غير متاحة إلا في خطابات وبيانات ساهمت هي الأخرى في إشاعة الرتابة الكسولة في التحول.. وبعض ما أشاع الرتابة والكلاسية هو نمط فهم (الراديكالية) بمقابل ميل إلى (إصلاحية) معبأة منتفخة بمجاملة رفاقية غير مبررة من جهة واستثقال (الاعتذار والعودة) عن الخطأ..!

النتيجة بهذا التوجه هو تسلل ظاهرة قبول التعاطي بالمعجم السائد وهو المعجم الذي كُتِب برؤية قوى الطائفية، بادعاء أنّ ذلك هو ممارسة الديموقراطية! ولكن أية ديموقراطية!؟

إنّ الحقيقة تؤكد أنّ الخضوع لمعجم النظام هو خضوع لفكره وأيديولوجيته وإن علَت صرخات الاستقلالية وامتلاك النظريات والمناهج المختلفة! وإلا فإنّ عدم امتلاك الشجاعة وجرأة التحدي والتصدي هي العلامة الجوهرية لوصف معجم خطَّ خطاب القوى المفترض إيجابيتها ولكنها المشتتة الواقعة في براثن الإصلاحية..

لقد كشفت ثورة أكتوبر تلك الحقيقة يوم تقدم جماهير فقراء الشعب على الحركات السياسية جميعا فكانت تلك الثورة وخطابها مدرسةً نوعية جديدة بحق وهي الحقيقة المُنتِج الولود للمعجم الجديد.. وتدريجاً انتقلت الشبيبة من مطلبيات فرضتها الحاجة وشظف العيش وإمعان السلطة ونظامها في الاستغلال والابتزاز إلى هدف نوعي جديد.. هدف لن تجسده سوى الثورة براديكاليتها وبعمق معناها في تلبية ((التغيير الكلي الأشمل)) لتنسف كلياً ونهائياً لا مصطلح (إصلاح) الترقيعي بل معجمه وأسسه الأيديولوجية الخانعة الخاضعة للنظام.

وهكذا كان خطاب بعض القوى (التنويرية) بكل معجمه مجرد لعبة حذرة تزعم تركيز نباهتها لدرء خطرٍ أو آخر يتهددها؛ إنَّما ذلك كان مجرد تقوقع على ((إصلاحية)) خاضعة لمعجم الآخر \ النظام ولم تدم وتبقى إلا لأنَّها كانت تقمع الحراك وتصادر قواه بجميع الأطراف.. وفي ذات الوقت لم يمنع ذلك النهج ومعجمه (الإصلاحي: الترقيعي) التضحيات الجسام ولم تدرأ الخطر الذي أشارت ومازالت بعض عناصرها تلح على إدامة دق طبول الحذر بالاستسلام وليس بالرد المطلوب لإحداث التغيير، بمختلف التبريرات وأشكال التسويق ثم العودة لتبييض صفحاتها بما يثير الشقاق لا استعادة الوحدة…

وهكذا كان معجم الثورة يؤكد أنْ ((لا إصلاحية ولا توافقية ولا بين بين)) وأنّ البديل هو ((العودة لمعجم الثورة والتغيير))…

ومن أجل تلك العودة وتلبية مطالبها في التغيير فإنّ معجمها لا يمكن أن يحيد عن كشف نهج التخفي والتمويه؛ وهو الأمر الذي لا يأتي من عقد جلسات مع زعامات قوى الجريمة إلا ما تفرضه جلسات محاكمتهم وانتزاع السلطة منهم بنقلها كلياً ووضعها بيد ممثلي الشعب…

ومعجم الثورة يؤكد أيضاً، أنَّ كشف التخفي والتمويه لا يأتي من معايشة النظام الذي وعى الشعب حقيقته وأنه سبب البلاء والكوارث جميعا..

ويؤكد بالمنتهى والمحصلة، أنَّ كشف التخفي والتمويه الذي اتبعته قوى الجريمة، إنّما يأتي من داخل عيش الفقراء وليس من إطلاق بيانات مناصرتهم من خارج الحراك.. وفي وقت تتوه الأمور والقرارات بين استراتيجية ضبابية لا تدرك الهدف إلا بالتعبير اللفظي فإنها تفقد بذلك سلامة اتخاذ التكتيكات الملائمة ميدانياً.. والمعنى هنا أن معجم الثورة والتغيير النوعي الجوهري لا يأتي من لغة تكررت كثيراً حتى ملتها الجماهير هي لغة: (اذهبوا قارعوا المستبد ونحن نؤيدكم) وكأن من يؤيد ويساند يجلس في أعلى برج أو في القمر!؟

لقد برهنت الثورة على أنَّ الشعب ليس بحاجة لتأييد أحد أياً كان، فأما معه ووسط معمعان حراكه أو ضده مع أعدائه… ولا منطقة وسطى بين الجنة والنار ولا يلتئم طريقان متضادان في اتجاهاتهما فهما لا يلتقيان مطلقاً.

إنَّ الشعب يثور لأن نار الاستغلال بل الاستعباد أنهكته واستنزفته ولم يعد ما يخسره في معركته ولكنه يبقى بحاجة لمن يثق به من وسطه ووسط حركته وثورته، ليضعه بمقدم الركب يرسم خطط معركة فاصلة، بمعنى يكتب معجماً نوعياً مختلفاً لا يخضع لمنطق التشويه والتمويه…

اليوم، يحتاج الشعب لهيأة أركان لحربه واستراتيجية انعتاقه وليس لخطب بيانية تستخدم معجم أعدائه ومفردات لغة لا يتبادلان فيها الانتماء.. هنا ينبغي أن يأتي السؤال بموقف ثابت يلبي الحرية ومنهج توجيه طريقها إلى الانتصار لا الانكسار…

فمازلنا وسط الطريق ومن جاء لرئاسة الهيأة التنفيذية واقع بين تمثيل المرحلة الانتقالية وتمثيل حركة الالتفاف ومن يحدد أين يضع أقدامه هو قيادة وطنية ديموقراطية تنويرية النهج والاتجاه موحدة تضم أطياف البناء والتقدم وليس بينها قوى تبييض وجود الطائفيين المافيويين…

لعل القيادة التنويرية تظل المفقود في المعركة اليوم حتى يعي من يتصدى لمسؤولياته في إطار حركة التقدم والتنمية ماذا تعني مهامه في اللحظة الراهنة وماذا تحتاج من معجم وحتى تتحقق خطى التأسيس للتغيير لابد لقوى التنوير من الإلحاح بقوة وإصرار على افتتاح حركة ثقافية واسعة تبدأ بإعادة المسارح ودور العرض السينمائي والمنتديات الثقافية فوراً بوجود مبادرات إنتاج ثقافة الثورة ومعجمها، وليس تركها سبهللة عسى تعود إذا انقشعت كورونا وغيرها من اسباب التعمية على الحراك وعليه فمن معجم الثورة نفسها لا معجم السلطة لن تحقق عناصر السلطة الجديدة مسار التغيير ما لم يفرض معجم التغيير نفسه بنفسه وقواه…

ومعالجتنا تؤكد أنه بين نهجي التشويه والتمويه و رد الثورة على التسفيه لن ننجح إلا بالتنزيه.. بمراجعة خطانا وإزالة أخطائنا سواء بالاعتذار وإزالة من وما تسبب بها أم بوضع بدائلها موضع التلبية والتحقق..

فـ الثورة تغيير نوعي جوهري لا يتحقق من دون امتلاك (معجم) جديد مستقل يمكنه دحر محاولات التشويه، المعبرة عن ذهنية القوى المتحكمة وصياغتها معجمها بمنهج أباطيلها وأضاليلها؛ وإذا كانت الثورة قد كتبت بتضحيات الثوار معجم الشعب وخطابه الحر المستقل فإننا نتساءل من أجل الخطوة النوعية التالية: أنْ هل قرأنا الدرس جيداً وأدركناه!؟ أم ستبقى المراوحة والانتظار والتشوّف الدرامي الذي يمهد لانتكاسة هذه المرة ما بعدها سوى الانتفاء والغرق كلياً؟؟؟

من لا يعرف طريق المبادرة الثقافية وهوية المعجم الجديد، سنحّيه الشعب وثورته لأن حركة الشعب باتت جد متقدمة أما خزعبلات التحذير بيد أعداء الشعب والحذر بيد بعض أبنائه فستنزاح وتمضي سفينة الثورة وكتّاب المعجم، معجم البناء وإعادة الإعمار، معجم التقدم والتنمية، معجم الإنسان العراقي الجديد ينتمي إلى الأنسنة التي يستحقها..

لا تعليقات

  1. Avatar الدكتور جلال الزبيدي

    حقيقه ابهرتني حياكة البروفسور تيسير الالوسي لمفهوم لجماله اللغه الحداثه الجديه التي تحث بها إلينا دكتور تيسير وكأنه ازي انه وبكل اقتدار أسقط معجم( الاعاجم)وقام بتسطيح أدواته بشكل خلاق.. ولا ابالغ أن قلت وضع أمامنا منهجآ وبرنامجآ ثقافيا وسياسيا لأحداث نقله نوعيه في حركة التنوير.. كان ا الخطاب الذي عالج به حركة الأشياء ينم قراءه فلسفية جديده لقراءة الواقع العراقي الجديد بعيدا عن المعالجات الترقيعيه الالتفافيه ولغة المهادنات السياسية والطائفيه بالعراق.. لغة تفتقر للشجاعه السياسيه لقراءة الأشياء بمنظار الرهانات العقليه بميكانزمات أنسانيه وليس بإبعاد ماديه ووفق مواين الريح والخسارة وكأننا في بزار سياسي وليس أصحاب مشروع حضاري وتأريخيه مجيد.. اصافحك بحراره بروفيسور الالوسي على هذا البحث والعمل التنويري الخلاق..

اترك رد