قراءة في المجموعة القصصية ما بعد جلجامش للأديب علي لفته سعيد

 

قراءة في المجموعة القصصية ما بعد جلجامش
للأديب علي لفته سعيد بعنوان:
” استدعاء الشخوص التاريخية كرمز في القصة القصيرة”

عنوان المجموعة يكفينا من دون الإطلاع على التفاصيل؛ فالإثارة في الإسم.. جلجامش، وما بعده؟:
دعونا نقف قليلًا على عتبة هذا البُعد، نقف عند الإسم ونتساءل هل هو اسم قصة في المجموعة؟ وهل الإسم مغزاه يتعلق بالأسطورة السومارية جلجامش، أم بما ناقشته قصائد جلجامش وعلاقتها بالحيونات، أو العالم السفلي؟ والمعروف أن جلجامش أو كلكامش كما كان يطلق عليه قديمًا ملك تاريخي لدولة الوركاء السومارية، وبطل مهم في ميثولوجيا بلاد الرافدين وهو أيضًا بطل ملاحم جلجامش، وهي مجموعة قصائد كُتبت بالأكادية قبل الميلاد.. بالتأكيد سوف يبحث مَن لمْ يعرف الأسطورة عن مصدرها، ومغزى كلمة جلجامش، ويأتي دور سؤال آخر وهو (هل المجموعة القصصية سوف تقدم لنا ملحمة موازية لملحمة جلجامش؟) إنها أسئلة يصطدم بها القارئ بالتأكيد، ومن المتوقع أن الملحمة الموازية سوف تكون في عصر المؤلف، وأيضًا تلك الملحوظة سوف تتوارد إلى عقل القارئ؛ نظرًا لحرف (ما) والظرف (بعد)؟ هذا احتمال وارد، ولندع الأسئلة الآن للولوج إلى العتبات الأخرى.
_ الغلاف لوحة من الزمن السومري القديم؛ حضارة عريقة لها دلالاتها كعتبة أولية، إذًا التاريخ حاضر بكل روافده المرأية والمقروءة، وهي تفتح باب التأويل، وإضافة اللوحة مع الإسم يحيلنا إلى أن هناك تأويلًا واحدًا هو أن للقصص أبعاد دائرية تبدأ بالتاريخ وتنتهي عنده أو على الأقل بالإستشهاد به كأدلة، وهو انطباع جاذب للكثير من القُراء.
_لنا أن نقف عند الإهداء ونتأمله، فالإهداء إلى البلاد، ولكن كيف تكون الحرب غناء؟ ويأتي الجواب سريعًا، فالقصائد في الماضي أشعلت حروبًا، فلم لا تكون الحرب غناءً أو شعرًا أو ربما تراتيل حزينة؟ وبالتأكيد الإهداء له علاقة بالمضمون، والعنوان كعتبة إرشادية، فما بعد جلجامش حروب وإن تعددت حيثياتها، وأشكالها؛ أليست الحروب نتجت من الكلمة؟ وهي معروفة منذ عهد الجاهلية وإن تطورت إلى أن أصبحت رمزًا للحرب الإعلامية، وهذا يختلف مع التطور الذي ذهب بنا إلى الحروب الكيماوية والذرية، وهي نتاج علم ولكن استخدامه إختلف بالتأكيد، حتى الحرب الكيماوية والذرية، قنبلتيّ هيروشيما وناجازاكي مثال؛ اذًا الحرب في الإهداء كانت رمزًا واعيًا جدًا ولو كان بداياتها غناء.
_ وإذا نظرنا إلى أول قصة وهي “بعد أن رأى كل شيء”، نرى هنا استخدام الإله وأبطال جلجامش وهي بالطبع رموزًا ترمي إلى المسكوت عنه، نجد تلك الجملة كمثال:(العظمة ليس لها باب سوى أن تجعل الآخر يؤمن أنك إله) حقيقة أدمجها المؤلف البارع بين السطور؛ فما بين السطور سياسة يلعب فيها استغلال الرموز دورًا كبيرً، وما أبرع اختيار المؤلف لجلجامش وأبطاله كرموز، ونهاية القصة هنا تبث الأمل؛ بالرغم من الإقرار بقسوة الواقع وبأن التاريخ يعيد نفسه، وأن كل ظلم هو شراكة مع المظلوم، وجهة النظر بهذه الأضاد تُلمح للقارئ بأن يتعلم من التاريخ، ومن الملاحظ استخدام الرقم 7 ودلالته في بعض الجمل مثل سبعة حروق وسبعة جروح، وهذا الرقم رمز شعائري قديم، فالسماوات سبعة وأشواط الطواف سبعة، إلى آخره.
_ تواصل
هذا النص مصبوغ بصبغة روائية بها تقريرية ببعض المواضع، ووسط أنات النص يغافلنا المؤلف ويحاول أن لا يفلت القارئ من يده، وينسيه تلك الكبوة الروائية بسرعة بمهارة؛ لينتقل إلى جمل سريعة مرة أخرى.
_ (خمرة الآلهة) يال الجمال في السرد؛ فهذا نص حالم، ومع ذلك له أذرع ومخالب تنبش القضايا وتنهي الكلمات نهاية شعرية جميلة.

_ملاحظات
قضية جلجامش معادل موضوعي ممتاز أحسن الكاتب اختياره لغرض قصصه التي تدور حول الوطن في قالب سياسي، وهو يقص علينا حكاية جلجامش بشخصياتها وبعض تفاصيلها لعرض أفكاره هو، وهذا تلاقٍ رائع في الأهداف من خلال التناص، ولكن لم لا تكون المجموعة متوالية بما أن هناك رابط بين القصص وبما أن الأبطال موحدين، البطل الرئيسي الحائر، جلجامش، إنكيدو… ألخ، ولكن في النهاية التصنيف يعود إلى المؤلف، خاصة وأننا لا نستطيع أن نسميها نصوصًا بهذه اللغة الحالمة لأن كل منها قصة متكاملة بها شخوصها وبها حدث صنع القصة.
هناك دومًا سلسال يربط بين النصوص وهي قصة جلجامش وانكيدو
قصة صراع وتأليه الحاكم والضد كما يبدو لنا في قصة ملاحظات..
_مقهى سومري
في هذه القصة صراع بين تصديق التاريخ وتكذيبه، وتأكيد على كيفية صناعة الأوطان للآلهة خاصة الآلهة التي تهوى الحروب، وأنه يريد أن يقول أن التارخ حلقة مغلقة حينما تصل إلى نهايتها عدت الى البداية أجل نحن نصنع الحكام أقصد الآلهة وهذا على لسان البطل المحاور، ولو لاحظنا أن معظم القصص في النصف الأول بها هذه الفكرة المؤكدة مدسوسة بصيغ وفي أوضاع مختلفة لكل قصة.
_ نادلة سيدوريو واللوح الثاني عشر
الرمزية فيهما عالية جدًا حتى ولو كان السرد دائري؛ يعول النتائج دائما على تحويل البشر القادة إلى آلهة، والرمزية لا تتقاطع مع الوضوح في قصة اللوح الثاني عشر، فالعجائبية الرمزية في هذه القصة بالنسبة للأب بمثابة الكفر ومن هنا يأتي الوضوح وتعرية الفكرة والتقرب أكثر اتجاه مشاعر القارئ وكأن الوضوح مكافأة على صبره للغوص والوصول إلى تلك القصة، لكن المؤلف يعدل عن ذلك؛ فأوجد علاقة أسطورية بين أفعى الهور العملاقة والحرب مع إيران، والتشبيهات لها دلالاتها السياسية المعروفة.
_ بدأ الجزء الثاني مع قصة نوافذ الوطن، ولا أعرف لِم المجموعة كانت قسمين، ولكن القصة رائعة عشت فيها لحظات المطر وركدت وراء الناس خلف المطر بالرغم من أنني لم أعلم معنى “حلوب الوطن”
_ ذاكرة للضوء
التشبيهات عظيمة في هذا النص مثل حلمة متيبسة، وشممت فيه رائحة المدارس، الضوء الذي كنت أصفن كلما زارني.
تخيلت أن المؤلف قد نسي أن يحكي لنا عن الخطوط البيضاء لكن النهاية بارعة فالخطوط قد تكون نتاج الأقدام التي داست على ظهره وهو رضيع، وهنا نجد أن الأم رمزًا للوطن وأن الرضيع رمزًا للمناضل الذي فقد الوطن والخطوط البيضاء هي أثار تعذيب، فالنهاية تجعلنا نحلق لنلتقِ والنهاية التي أرادها المؤلف ببراعة. نجد التشبيهات الجميلة متوفرة أيضًا في قصة (الأربعاء).
_ قصة الحمار تقول لنا شيئًا ليس خفيًا علينا جميعًا، والتهذيب في القصة لم يمحُ المقصود منها من عقولنا في الحقيقة، ولعل الجميع لا يتحول لبطل قصة الحمار؛ أقصد بالطبع الذي يمشي على أربع!
_ أنا، وأنت، والمدينة، وآدم أقدم اسم في التاريخ البشري الدنيوي، وأناس ماتو بلا قبور فقد أوجعنا المؤلف في وصفه لأناس المدينة وهو وصف دقيق؛ فحينما تعيش في مدينة المفترض أنها مدينتك لكنك غريب فيها مع منلوج داخلي، فالمؤلف يلعب لعبته المعتادة مع القارئ؛ فهو يحيك قصته ليشعر القارئ أنه البطل، وأنه هو وأنت وأنا حتى المدينة نفسها التي نعيشها وتعيشنا ونغترب فيها ونراها ولا ترانا.
_ في أيادٍ مستسلمة يقول البطل الخمسيني “يا إلهي لا تجعلني في قبيلة لا تدرك معني ما يحصل” وهو ما يحدث في الثورات من انقسامات داخل الجسد الواحد الذي غالبًا لا يسهر لبقيته، إنه وصف دقيق، وكأن الثورات في باطن أناس بعينهم ينظر لهم البقية على أنهم مخربون لجدران ثابتة كجلمود الأرض منذ آلاف السنين، أو أنهم لا يعلمون ما يجري من حولهم، ومن يعلمون تُسرق أصواتهم المعارضة، إنه التضاد الذي يبرز المعنى وهو الملموس الذي يُقصد أن يطلع عليه الغائب عن علمنا عمدًا، ويدفن رأسه في التراب وأنا أقصد المواطن العربي من حزب الكنبة.

_نتائج القراءة:
_ اختار المؤلف قارئه المميز الذي يقرأ في الأدب، وهي في الحقيقة سمة في علي لفته سعيد وفي جميع مؤلفاته التي تحمل أنات الوطن وتربط السياسة بالمجتمع، وهو لا يتنازل عن هذا القارئ في أية حال سواء كان العمل مجموعة قصصية أو رواية، ويكتفي بهذا القارئ الذي يعرف كيف يجد بين السطور غايته، ويلتقط منها المسكوت عنه؛ ليصل إلى متعته التي ببحث عنها هو الأخر في مؤلفات علي لفته السرديه.
_ آخذ على العمل هذا التقسيم الداخلي إلى جزئين، بالرغم مِن أنه كان من السهل جعل جلجامش رمزًا في النصف الضائع من جلجامش، وأظن أن هذا القسم الثاني كُتب قبل (ما بعد جلجامش).
_ التناص من القرآن كما في جملة” كم لبثنا في نومنا”
وجود استعارات من الرواية، وإدخال الأنشاد، أو اللمسة الشعرية النثرية كما في قصة تجميع.
_ من النتائج الهامة التي لاحظتها من قراءتي؛ هي المعاناة النفسية التي يتكبدها القارئ والتي تسربت بفعل متعمد من المؤلف وهي مشاركة فعلية متماهية من غير قصد فالقارئ يشعر بالمعاناة وهذا ما يجعله يُكمل القصة الواحدة ويتحمل مشقة التأمل بها وحل طلاسمها؛ لأن ببساطة كل قصة تحمل معاناة أي مواطن عربي، وبالتالي فالتغييز في الكثير من القصص ممتع ومثير ويحيل القصة إلى موقعة يحارب فيها القارئ طواحين الهواء ليسلم بأن الكاتب يصف معاناته هو.
_ من الملاحظ في نصوص علي لفته سعيد أنني كقارئ أغرق معه في فكره، ومنطقه هو؛ الذي يبثه مِن خلال النص فهو يعلم جيدًا نفسية القارئ الذي يقرأ له، ويعي حاسة التمرد في اللا وعي عنده وآلامه وكبواته، فهو يعبر عن مكنونات هذا القارئ المتفرد، ومِن الصعب على هذا القارئ أن يرفض فكر المؤلف لأن علي لفته سعيد يعرف كيف يصيغ ما يحتاجه القارئ من أفكار تجول في عقل كلا من المؤلف والقارئ معًا، والقارئ بالفعل يعلم أن المؤلف يمتلك أدواته؛ كي ينتزع منه الموافقة على أنه ماهر في صنع الحدث الذي يستغل فيه الواقعية السحرية كاستخدام آلهة جلجامش وشخصيات الملحمة في صنع ملحمته الخاصة به؛ إنه علي لفته سعيد صاحب القلم الحر والمبدع.

لا تعليقات

اترك رد