أحتاجكَ، وما احتياجي إليكَ إلا احتياجي إليَّ !

 

أرقني المكوث مع نفسي، تعبنا أنا ونفسي من القعود على عتبة الخيط الرفيع؛ ذاك الخيط الذي يتدلى من كوة الحلم؛ ننتظر اللاشيء! سئمنا أنا وهي من فرط الملامة وأنهكنا الروح حين انشغلنا بلعبة النوايا، كل نيةٍ تركض، تلهث كي تعلق على مشجب الآخر أثواب الخطايا..!!
أوجعني صرير ذاكرتي وذكرياتي التي تشدني من ضفائري مرغمةً إلى أدراجها، تسحب قلبي الضعيف إلى فنائها الشاسع بالحنين.
لئيمةٌ ذاكرتي، تدري بأن ثوب الوصل ما بين الحب واللاحب قد مزقته سكين التجافي وزمان الوصل ما بينهما بات مفتوقاً وإبرة الذكرى مثلوم رأسها ولم يعد بمقدورها أن ترتق الجرحَ المفتوق!
أما تدري أن الزمان إذا ولّى لا يعود؛ أم هي لعبة الذاكرة؟ تعرف إلى حد اليقين بأن ما ارتكبناه من حماقات وخطايا وما ورطنا به عواطفنا، لن يُصلحه زائر الندم العابر ولا تداويه كثرة الملامة ولا حرقة التباكي على أطلال حب أمست بيوته كالدواسر.
في غصة الحب، تتعطل الحواس وتضمحل الكلمات، تتلاشى وتستقيل عن وظيفتها لغة التعبير؛ عندما يمسي الحب في حلق القلب غصة، تتشابه الأطعمة وتختلط المذاقات فنتوه ما بين المذاق اللذيذ والمذاق المرّ.
أنظرُ بمنتهى الحسرة إلى الأشياء من حولي فلا أراها، فما أبحث عنه لا وجود له ما بين الأشياء التي أراها ولا أراها.!
تجتاح الروح موجة برد قارسة ومن ثقوب جلدي المهترئ، يتسلل جليد يجمّد أطراف إحساسي وحواسي؛ فتتشنج عاطفتي وألوذ كعادتي إلى صومعة صمتي.
مصابةٌ بوعكةِ حنين لشعور ما، والأرق يتمدد على فراش عاطفتي، أدفع بنفسي نحو الضوضاء لأنشغل بالضجيج عني؛ لعلني أخرج من صخب هواجسي.
قدماي مسمرتان عند أدراج الذكريات تأبى الخروج. أسمع صوتاً من بين الأدراج يناديني وبقايا عطر يتسرب من فم قارورة مهملة، هجرتها أصابع امرأة لطالما كانت تغازل رذاذ عطرها.
كل ما حولي يأخذني رغماً عني إليك؛ وحده كبريائي وما تبقى لي من كرامة الإحساس يمسكان يدي، يشداني إلى الوراء. أسمع همس الضمير يوشوشني يناديني: عودي إلى رشدك كفاك تتوسلين بحب قد خاب به الرجاء!
تعطلت لغة الكلام وفقدتْ قدرتها على النطق حنجرتي. وحدها اسطوانة الذاكرة تدور بصرير وأنين ولم يبقَ من الكلمات سوى: احتاجك!
نعم، طوال الحب كنت احتاجك وما كانَ احتياجي إليك إلا احتياجي إليّ؛ وكلما اشتقت إليَّ ألوذ إليك أبحث عني فيك؛ فيا أيها البعيد كثيراً والقريب قليلاً. أيها الغائب سرمدياً بإحساسك والحاضر حسّياً قل لي:
هل لمحتَ زاجل احتياجي يحملُ مني إليكَ قصاصة؟
ها أنت ذا، تجلس بالقرب مني لا يفصلني عنك سوى مسافة الإحساس بي. ها أنت ذا تجلس على الأريكة تتابع الأخبار بشغف، يا ليت شغفك للأخبار لمرة، للحظة يكون بي ولي..!!
ليتك تستمع إلى صرير أنيني بإصغاء كما تصغي إلى المحلل السياسي وهو يشرّح في جثة الوطن الممددة أمامك لتكتشف معه عن هوية القاتل الحقيقي؛ ليتك تهتم بقضية إحساسي وتبحث عن المجرم الذي قيده البرود والتجاهل ضد رجل مشدوه.
حتى وأنا أضع لك فنجان القهوة على الطاولة تزيح وجهك عني كي لا تفوتك لحظة أو لمحة من التحليل والتشريح، تزعجك خصلة شعري المتدلية حين تحجب عنك الرؤية وتتأفف منها بصمت مقهور؛ فاضطر إلى دفن الخصلة المتناثرة خلف أذني كي لا تزعجك، ترتشف القهوة ولا يخطر ببالك من باب الذوق أن تشعر أو تشكر المرأة التي أعدت لك القهوة. وكأنك تجلس في مقهى لا يعنيك أمر النادل الذي يقدم لك فنجان القهوة..!!
تمر عليَّ الساعات ثقيلة، تحرقني ألسنة الغضب حين لا تتكلم معي ولا أسمع صوتك فقط حين تثور وتغضب وتشتم؛ حتى السياسة التي أكره الحديث فيها وعنها بت اشتهي أن تشاركني بها وتسألني عن رأي بما يجري وتتحرى عن وجهة نظري بما يحدث فأنا مثلك شريكة بالأحداث والأخبار ولي مثلك من الوطن في الحزن والحنين حصة…!
احتاجك، حتى ولو أعلنتها لك جهرة دون تغليف أو مواربة لن تفهم معناها، لن تفهم منها إلا ما رباك الشرق على فهمه وفهمك كفاية..!!
لن تفهم من لفظ “أحتاجك” سوى الأشياء المحسوسة والملموسة كأن تتحسس المعالم البارزة من جسدي، أو تتلمس ما يقع ما بين يديك من هذا الجسد العامر بالنتوءات؛ فقد أصبحت تتعامل بمنطقية وعقلانية وتتعاطى مع حادثة الحب باختصار وإيجاز وتعافيت من أمراضك العاطفية كاللهفة والحنين واعتزلت في سن مبكرة هواية الشقاوة ومشاكستك لي؛ فقد يخدش هذا الجنون وقارك كرجل مهم ومهتم بالقضايا العربية والاتجاه المعاكس لوجهة الحب، وقد يكون من الغباء أن تنشغل عن تلك القضايا الكبرى والعميقة بترهات الحب التي تتفوه بها امرأة هي أنا،
نعم، أنا المرأة التي ما تعافت من مرضها العاطفي يوماً وما تزال تحيا على أطلال وهمها بأن الحب باقٍ وكأنها للتو قد أحبّت ولم تستطع أن تتفهم أو حتى تدرك بأن تفاصيل الحب الأولى مع تقادم الظروف تتغير وتأخذ منحىً مختلفاً؛ هو أعمق من المغازلة وأهم من كتابة قصاصة ورق مخطوفة من دفتر ليسندها على زجاجة عطر أهداها إياها في عيد زواجهما ويكتب حروفها بقلم الكحل أو بأحمر الشفاه الفاقع. فالحب كان حالة وانتهت بينما الزواج وظيفة وأنت ملزماً بها بسبب عقد النكاح الذي وقعت عليه حين كنت تحت تأثير مخدر الحب ورعونة العشاق وتخشى من عواقب فسخ العقد كالنفقة والارتباك بتربية الأولاد ولهذا أنت تلتزم بتأمين الطعام واللباس ويكون لك وجوداً حسياً لا ينعم بهذا الوجود الحسي إلا الأريكة التي تجلس عليها أو كرسي مكتبك عندما تنشغل في كتابة النقد السياسي والفراش الذي يأويك وأنت تصارع نوبة نعاس شديدة التثاؤب.
إياك أن تحسب إني بهذا البوح الصريح وهذا التشريح لجثة الحب المرمية وسط فناء التناسي إني استدرجك أو انبهك لما أنت عليه وما أنا عليه. لا تحسب حين أقول: احتاجك إني استجديك لتشعر بي أو إني أعاتبك ليعود إلى قلبك رشده.
كل ما أوده هو أن استعيد ما أخذته مني دون وجه حق، واسترد لقلبي عافيته واسترجع ما نهبته مني وحبسته في زنزانة الإهمال وألقيت به في دهاليز التجاهل واسترجع كرامة ذاتي التي سلبتها ثم أتركك تمضي في دربك وأمنحك الوقت لتمضيه بلا نكد مع انشغالاتك وتحليلاتك وبطولاتك وانتصاراتك التي تشرب نخبها مع الحبر والورق.
يا واهب الإهمال لقلبي، إني جالستك على طاولة الحوار مرات ومرات ولمّحت لك ما بوسعي عن احتياجي إليك لكنك لم تلمح سوى ما تحتاجه أنت. اليوم وقد صار حجم خيبتي أكبر من حجم حبي لك، ما عادت دائرة صبري تتسع لجفاك فقلبي الذي طالما اشتهاك فرغت شهيته لطبق عتاب بارد الحواف وأقلعتُ راغبة عن إدماني لأفيون الرجاء فلا رجاء من رجل قد شاخ قلبه وشاب نبضه مبكراً وأصيبت ذاكرة لهفته بالخرف وزهايمر العاطفة الوراثي الذي يتوارثه الشرقيون جيل من بعد جيل وتلك هي كلماتي الأخيرة لك:
“بئس العاشق الذي يرى وردته تذوي وتذبل أمام ناظريه وفي يده يتدلى دلو الماء ولا يسقيها وبئس الرجل الذي لا يفهم ما معنى أن تقول له امرأة “أحتاجك”

المقال السابقالواقع الراهن آفاق التطور – ح2
المقال التالىاوربا والصراع على كعكة ليبيا
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد