هـل يطـرد رمـضان الـدنيا مـن قـلوبنا؟!

 
هـل يطـرد رمـضان الـدنيا مـن قـلوبنا؟!

الحياة كبيرة تدور فيها الأحداث من خير وشر، ولكن لابد أن يكون هناك نهاية للوجود في هذه الأرض، وأنها ليست دار مقام، وأن الآخرة هي الخير والأبقى.

… فكثيراً ما يغفل الإنسان عن كل هذه الحقائق وينشغل بتحصيل شهواته والاستمتاع بها دون النظر إلى ما ينبغي أن يفعله لكي يفوز بالجنة. بلاشك أن الله يريد لعباده مهما كانوا ومهما كانت دياناتهم يريد الخير في هذه الدنيا. فالله يصبر ويحلم عليهم ويفرح بتوبتهم على الرغم من كل المخالفات الجسيمة التي يرتكبها الإنسان والأوامر التي لم يفعلها والأمانات التي ائتمن عليها فضيعها، ولما لا وقد وصف الله نفسه بأنه (الرؤوف الرحيم).

… أن الله له هدايا إلهية حريص على مصلحة العباد، فقد أعطى الله المنح والهدايا التي يرسلها إلى عباده كل فترة لتكون لهم بمثابة أمل وإنفراجه وحافز لتعويض ما فات للحاق بركب السائرين إليه وإلى جناته. ومن هذه المنح والهدايا هو يوم عرفة فمن صامه غفر له ذنب عامين، وأيضاً يوم عاشوراء فمن صامه غفر له ذنوب عام، أما أجمل المنح والهدايا للعباد فتتمثل في شهر رمضان، حيث يتجلى فيه حب الله العجيب لعباده وحرصه على عودتهم إليه، وإصطلاحهم معه، على الرغم مما أحدثوه من تفريط طوال العام، وتضييع أوامره. فكل فريضة في رمضان يؤديها الناس في هذا الشهر بسبعين فريضة فيما سواه.. من صام نهاره وقام ليله غفرت ذنوبه. وليس فقط في كل هذا التقدم والكرم والجود، إنما هناك صورة عجيبة في ليلة القدر، وهي ليلة يمنح الله عز وجل من يحييها بالعبادة إنما هي عطية لا يمكن تصديقها، ألا وهي ثواب يكافئ ثواب ألف شهر، فهذه فرصة يجب على كل صائم أن يغتنمها ويعود من خلالها إلى الله، فالذي لا يعمل في رمضان فمتى سوف يعمل؟ فرمضان له أجواء العفو والمغفرة الإلهية فمتى إذن سيغفر له؟!

أمتنا العربية ما أحوجها إلى رمضان.. فهي فرصة عظيمة لعودة الفرد والمجتمع إلى ربه، وتجديد العهد معه، واستقامته على أمره، فهذه فرصة هائلة لتغيير الأمة وإخراجها من المأزق العصيب، والنفق المظلم الذي تسير فيه منذ عدة عقود. فالأمة اليوم بحاجة ماسة ضرورية إلى مشروع تلتفت حوله، وتعيد من خلالها بناء عزها ومجدها السليب، وهنا تظهر المعادن القيمة والعظيمة بين البلدان العربية والإسلامية لشهر رمضان والتعامل معه.

… هنا بكل عجب واستغراب يسأل القارئ الكريم: وما علاقة الأمة بشهر رمضان؟ فدعني أجيبك بكل مصداقية وشفافية ورحابة صدر.. أترى اليوم ما خلفته الصهيونية على رفح وغزة من غارات ودماء وشهداء.. أترى تلك المرأة العجوز وهي تبكي وتولول بأسى أمام حطام بيتها.. أترى ما يحدث في سوريا والعراق واليمن من دمار وضيق شديد؟!.. أهذه صورة المسلمين والمقيمين في الأمة العربية، لقد أصبحت اليدين مكبلتين لا تستطيع أن تفعل شيئاً لإخوانكم المضطهدين في هذه البلاد؟!

… بكل بساطة تساءل أيضاً لماذا يحدث لنا هذا كله؟!،، أجيبك بكل مصداقية.. هناك قوانين وسنن أصدرها الله سبحانه وتعالى تحكم هذه الحياة فمن استوفى شروطها طبقت عليه، فمن يريد السعادة فطريقه هو (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى).. فتقصير العباد في حق ربهم وارتكابهم ما يغضبه حدث ذل وهزائم ما هي إلا عقوبات إلهية نتيجة طبيعية لها أحدثناه من تضيع لأوامر الله، وفعل ما يغضبه، فإذا كنت في شك فانظر إلى مظاهر الفسق والفجور والفساد والعصيان والخصام والفتنة والتعصبات لبعض الجماعات والفئات وفواحش ورزائل ورشوة وغش وظلم.. فلقد أصابنا الوهن.. لقد كنا في الماضي أقوى أمة تحكم العالم على ظهر هذه الأرض، كان الكل يعمل لنا ألف حساب ثم تراجعنا شيئاً فشيئاً إلى الوراء.. ألا ترى يا عزيزي القارئ الكريم أننا جميعاً نتحمل المسؤولية ما حدث ويحدث لنا؟

… فالتشخيص الحقيقي للوضع المرضي الحالي الذي تعيشه أمتنا هو في احتياج إلى نقطة بداية جديدة نظيفة تنطلق من تغيير كل الأوضاع هوناً هوناً التي تغضب الله عز وجل كما فعل قوم يونس (عليه السلام).. ولنعلم ونعي جميعاً أن مهما حدث للأمة من ذل وهوان أكثر مما يحدث الآن. ومهما اشتد الظلام، فلن يغير الله ما حاق بنا إلا إذا بدأنا نحن بتغيير ما بأنفسنا.. فلا مناص أمامنا إلا من طرد الدنيا من قلوبنا وبث روح عفيفة جديدة ترى في النفوس، تولد فيها طاقة وتدفعها لتغيير ما بها، لابد من روح توقظنا من سباتنا، وتنتشلنا من جوانب الأرض والطين، وترفع رؤوسنا إلى السماء.. فأين هي تلك الروح؟

… فلعلنا ننفخ في القارئ الكريم روحاً جديداً وحماساً جديداً.. روح تعالج الفتور في الهمم، وقناعة وخمود في الطبائع والاختلافات والتعصبات والانشقاقات بسفاسف الأمور: معالجة رفيقة حكيمة لا يستثقلها القارئ الكريم ولا يشعر بحرارة الدواء أو لذع آلة الجراحة. فنحن في حاجة ماسة إلى الإخلاص والعمل والضمير والنية الخالصة وسمو النظر والزهد في زخارف هذه الحياة ومتعها.. نحن نريد الخير لهذه الأمة ولجيل رشاد وسداد.

لا تعليقات

اترك رد